أقلام حرة
صادق السامرائي: "مغنية الحي لا تُطرب"!!
قال الأستاذ الذي كنت أعمل معه في إحدى الجلسات: "إن المجتمعات المتقدمة تصنع أعلامها وتسوقها"، وما فهمت قوله في وقتها.
وكان أساتذتنا ذوي تطلعات علمية وبحثية، لكنهم يبخسون جهد بعضهم، ولا يتفاعلون بأساليب بنّاءة تصلح لولادات معرفية ذات قيمة حضارية، وإنما كلٌّ يغني على ليلاه!!
وكنا زملاء ذوي حماس وإبداع وتشوف للتطور والتقدم والتغيير الصالح للإنسان، لكننا نبعثر جهودنا ونتخندق ونتباعد أو نتنافر عندما يتعلق الأمر بالمهنة والعلم، فالواحد منا يرى قوته بإضعاف الآخر، ومجده بإلغاء الآخر، وهذه سلوكية متراكمة في واقعنا، الذي لا يسمح بالإستطالة وإنما بالتطاول، ويمنع التفاعل الإستقوائي ويجنح للتفاعل الإنفرادي المتأسد!!
وأول ما أدهشني في العالم الجديد التفاخر والتباهي بالعطاءات العلمية المتآخية المتوثبة نحو صيرورات جديرة بالتنامي.
قلت لزميلي الذي كنت برفقته في مؤتمر علمي: "هنا مربط الفرس"، "هذا جوهر تأخرنا"
قال: ماذا تقصد؟
قلت: " إننا نبخس بضاعتنا ونهملها، وهم يسوقون بضاعتهم ويمنحونها أقصى قيمة"
قال: إنهم مجتمع متقدم ونحن مجتمع متأخر.
قلت: "تقدموا بالأخلاق وتأخرنا بالرياء والنفاق والفساد والخداع والتضليل"
وواقع حالنا أن الأخلاق العلمية والأصول التفاعلية ما بين العقول غائبة، فمنهجنا السائد، أن نبحث فيما يقلل من قيمة وأهمية العطاء العلمي المُنتَج في مجتمعنا، ونعجز عن الإتيان بما هو أحسن منه، لكن مواقفنا التسفيهية كثيرة ومتشعبة.
ففي بلداننا عقول فذة نيرة ذات قدرات عالمية وحضارية تتفوق على غيرها، لكننا نتفاخر بطمسها ومصادرة حقوقها التنويرية والتفاعلية في المجتمع، ونحارب تسويقها وتقديرها، وما نجتهد به أننا نسعى بما نملكه من الطاقات السلبية لوضعها على الهامش، والإنشغال بالتهامش!!
المجتمعات المتقدمة تتفاخر بعقولها المبدعة وتعزها وتتباهى بإضافاتها، وتوفر لها الظروف الكفيلة بإطلاق ما تحتويه من الأفكار المنيرة المؤثرة بمسيرة أرقى.
مجتمعنا كنز حضاري وإبداعي مطموس، مصادَر المناهج والسبل والدليل، وتحفه النزعات السلبية الإستكانية الإقصائية، التي تجعل ما فيه متوحل بالدونية والعجز والفقدان، وكأن ما يأتي به عقلنا لا معنى له ولا قيمة ولا دور أو أثر، وهذه نزعة إتلافية إنغرزت في الوعي الجمعي وترسخت بالتكرار المرير المعزز بالأحداث الإنفعالية الشديدة التأثير.
وعندما تتأمل عقولنا في ميادين الإبداع والعلوم، تقف مبهورا عزيزا، وتشعر بالحسرة والخيبة على هذا الغبن والإقهار وعدم الإظهار، حتى صارت فرية أننا لا نشارك في صناعة الحضارة ولا يمكننا أن نشارك، أشبه باليقين، وما هي إلا تضليل وتهمة آثمة نكراء، نساهم في ترويجها ، لأننا لا نعرف قوانين ومناهج تسويق بضاعتنا العقلية الإبداعية الحضارية، فتجدنا ننظر لبعضنا بإنكسار وهوان!!
ومن الواجب القول بأننا موجودون في قلب الينابيع الحضارية ونساهم في دفقها الإبداعي الإبتكاري، وعلينا أن نصدّق ذلك ونؤمن بأنفسنا ونطرد سراب الإنكسار العسير.
وفي كافة العلوم لدينا عقول ذات فكر ورؤية وإبداعات خلاقة ذات صياغات ناجعة وتواصلات نافعة، يمكنها أن تنجز مشاريع حضارية معاصرة، لكننا نشيح الطرف عنها، لأننا منبهرون بالآخر الذي يجيد تسويق نفسه وبضاعته وفقا لأحدث الأساليب والنظريات التسويقية.
ولهذا فواقعنا لا يُرتجى منه تعزيزا لقيمة ودور أي عقل ، لأنه مصاب بإضطراب الإنبهار بالآخر، وإحساسه الإنكساري العميق، ويقينه الراسخ بأن واقعه لا يأتي إلا بما هو مشين وبخس، وبهذه الرؤية يتفاعل مع ما حوله ويعكس ما يحتويه فيه.
فلن يتوقع نابغة بيننا الإسناد والتشجيع من مجتمعه، مهما حاول أو تصور، فمجتمعنا لا يريد أعلاما بل أقزاما، ويحرق أعلامه ويبارك مناهج أقزامه، وتلك معضلة مخلة بروح اية خطوة ذات منحى إرتقائي منير.
المجتمعات المتقدمة تنقب عن الجواهر المطمورة فيها، ومجتمعاتنا تطمر الجواهر اللماعة البراقة المتلألئة في دروبها، وتكره جواهرها المعاصرة وتدفنها في تراب إنفعالاتها وأطيان ضلالاتها.
وتحية للجهود المنقطعة النظير التي تتحدى هذه العاهة وتبترها من جذورها، وتزرع مكانها بذور تفاخر وتكاتف وتلاحم وتفاعل إبداعي رائع المنطلقات والتطلعات، فبالإصرار والتحدي المتواصل حتما نكون!!
ذَخائِرُ ذاتِنا ذهَبَتْ لغيْرِ
نُحاربُها ونَنعتُها بكُفرِ
أ كلُّ جَديدةٍ حُسِبت ضَلالا
فعِشنا ليلَنا مِنْ دونِ فَجْرِ
هيَ الألبابُ إنْ فعلتْ أجادَتْ
تَفاعُلها سيُطلقُها بعَصرِ
***
د. صادق السامرائي







