عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

اخترنا لكم

وائل كريم: من مركزية القرآن إلى هيمنة الرواية

قراءة نقدية في تحولات الوعي الإسلامي بين القيم المؤسِّسة وإغراق التفاصيل

مقدمة: حين نزل القرآن الكريم، لم ينزل بوصفه كتاب طقوس مغلقة، ولا موسوعة تفصيلية لإدارة الجزئيات اليومية، بل نزل مشروعًا لتحرير الإنسان من التبعية العمياء، وبناء وعي قائم على التدبر، والعقل، والمسؤولية الأخلاقية.

لقد كانت الرسالة القرآنية في جوهرها ثورةً على أنماط التفكير الجامد، وعلى تحويل الدين إلى ميراث اجتماعي يُتبع دون فهم.

فالقرآن لم يكتفِ بالدعوة إلى الإيمان، بل جعل من التفكير شرطًا للإيمان الحقيقي، ومن مراجعة الموروث مدخلًا للتحرر الوجودي. ولذلك تكررت فيه آيات مثل:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾

﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾

﴿أَفَلَا يَتَفَكَّرُونَ﴾

غير أن المتأمل في مسار الحضارة الإسلامية يلاحظ تحوّلًا تدريجيًا من مركزية القرآن بوصفه مرجعية قيمية وتشخيصية، إلى هيمنة الرواية والسرديات التفصيلية، حتى غرق العقل الإسلامي في كمٍّ هائل من القصص والأحاديث والخلافات الجزئية، بينما تراجعت القيم القرآنية الكبرى في الواقع العملي.

ومن هنا يبرز السؤال الإشكالي:

كيف انتقل الوعي الإسلامي من مشروع قرآني تحرري إلى بنية مذهبية يغلب عليها التلقين والتفاصيل والطقوس؟

وهل كان هذا التحول نتيجة تطور طبيعي للمجتمع الإسلامي، أم نتيجة عمليات اختراق ثقافي وسياسي ومعرفي شاركت فيها عوامل داخلية وخارجية؟

أولًا: القرآن كمشروع لتحرير الوعي

إن القراءة المتأنية للقرآن الكريم تكشف أن معركته الأساسية لم تكن مع “الوثنية الحجرية” فقط، بل مع آلية التقليد الأعمى ذاتها.

فالقرآن انتقد الذين يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم دون تدبر:

﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾

وبذلك أسّس لمفهوم الإيمان القائم على الاقتناع لا الوراثة، وعلى البحث لا التسليم الاجتماعي.

ولهذا كانت “الحنيفية” في جوهرها خروجًا من أسر الموروث نحو حرية الوعي.

فالإنسان القرآني ليس تابعًا للجماعة، بل مسؤولًا عن قراره المعرفي والأخلاقي:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾

ومن هنا فإن مركزية القرآن لا تعني مجرد تلاوته، بل جعله المرجعية العليا في بناء القيم والوعي والسلوك.

ثانيًا: التحول من النص المؤسس إلى الرواية المؤسِّسة

بعد وفاة النبي ﷺ، دخل العالم الإسلامي مرحلة توسع سياسي واجتماعي هائل، فاختلطت الثقافات، ودخلت أمم متعددة بخلفياتها الفكرية والدينية والأسطورية.

وفي هذا السياق نشأت حاجة متزايدة إلى:

* تفسير النصوص،

* تنظيم السلطة،

* تبرير الصراعات السياسية،

* إنتاج شرعية دينية للأنظمة،

* والإجابة عن الأسئلة الجديدة.

وهنا بدأت الرواية تتحول تدريجيًا من أداة شرح إلى سلطة موازية للنص المؤسس.

فبدل أن يبقى القرآن هو المركز، أصبحت آلاف الروايات تحيط بالعقل المسلم من كل جانب، حتى بات الوصول إلى النص القرآني يمر أحيانًا عبر طبقات كثيفة من التفسير والموروث والمذهبية.

ومع مرور الزمن، انتقل الدين من:

* “افهم ثم آمن”،

    إلى:

* “سلّم ثم لا تسأل”.

ثالثًا: الإسرائيليات وإغراق الوعي بالتفاصيل

من أبرز الظواهر التي أثّرت في الوعي الإسلامي ما عُرف بالإسرائيليات، وهي الروايات المنقولة عن بعض من أسلموا من أهل الكتاب، أو التي تسربت من التراث اليهودي والمسيحي إلى كتب التفسير والسرد الديني.

ولا يعني هذا أن كل ما نُقل كان مؤامرة منظّمة، بل إن جزءًا كبيرًا منه جاء نتيجة:

* الانبهار بالقصص،

* الحاجة إلى التفاصيل،

* الفراغ المعرفي،

* والرغبة الشعبية في تحويل المجمل القرآني إلى مشاهد سردية مفصلة.

فالقرآن حين يذكر قصة موسى أو نوح أو أصحاب الكهف، يركّز على البعد القيمي والوجودي، بينما اتجه العقل الروائي لاحقًا إلى أسئلة مثل:

* ما لون كلب أصحاب الكهف؟

* كم كان طول سفينة نوح؟

* كيف كان شكل الجنة والنار بالتفصيل الحسي؟

* ماذا قال فلان لفلان؟

وهكذا تحوّل الدين تدريجيًا من مشروع وعي إلى مشروع سرديات.

وهنا تتجلى خطورة “إغراق الوعي بالتفاصيل”، لأن كثرة التفاصيل تستهلك طاقة العقل في الجزئيات، وتمنعه من إدراك المقاصد الكبرى.

رابعًا: السلطة السياسية وتكريس الوعي النقلي

لا يمكن فهم تضخم الروايات دون فهم دور السلطة السياسية في ذلك.

فالحاكم يحتاج دائمًا إلى:

* إنتاج طاعة،

* تقليل مساحة السؤال،

* وتحويل الدين إلى منظومة استقرار اجتماعي.

ومن هنا ازدهرت روايات:

* السمع والطاعة المطلقة،

* تحريم الخروج،

* تقديس السلف،

* وتحويل الاختلاف إلى تهديد ديني.

ومع الوقت، أصبح التفكير الحر خطرًا، بينما تحوّل النقل إلى فضيلة بحد ذاته.

فكلما تراجع العقل النقدي، أصبح المجتمع أكثر قابلية للقيادة الأيديولوجية.

خامسًا: الطقوس بدل القيم

أخطر نتائج هذا التحول كانت انتقال مركز التدين من القيم إلى الطقوس.

فالقرآن ركّز على:

* العدل،

* الأمانة،

* تحرير الإنسان،

* إطعام الفقير،

* رفض الظلم،

* تحريم أكل أموال الناس بالباطل،

* والصدق في التعامل.

لكن جزءًا كبيرًا من الخطاب الديني انشغل لاحقًا بـ:

* شكل اللباس،

* عدد الحركات،

* التفاصيل الشكلية،

* مسائل الاختلاف الفقهي الجزئي،

* والهوية المذهبية.

حتى أصبح الإنسان قد يؤدي الطقوس بدقة، لكنه يمارس الظلم والفساد والكراهية دون شعور بالتناقض.

وهنا انفصل الدين عن مقصده القرآني الأصلي.

سادسًا: هل المشكلة في اليهود أم في قابلية العقل للاستلاب؟

إن اختزال أزمة الوعي الإسلامي في “اليهود” وحدهم يُنتج قراءة تبسيطية للتاريخ، ويُعفي الذات من مسؤوليتها.

فالقرآن نفسه يرفض التعميم:

﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾

كما أن كل حضارة تحمل داخلها قابلية للجمود حين تتحول المعرفة إلى سلطة مغلقة.

لذلك فإن الأزمة الحقيقية ليست وجود “آخر” يحاول التأثير، بل استعداد العقل للتخلي عن مسؤوليته النقدية.

فالاستلاب يبدأ عندما:

* يخاف الإنسان من السؤال،

* يقدّس الموروث،

* ويستبدل التدبر بالتلقين.

سابعًا: العودة إلى القرآن بوصفه مشروع وعي

إن استعادة مركزية القرآن لا تعني إلغاء التراث أو إعلان الحرب على التاريخ، بل تعني إعادة ترتيب العلاقة معه.

فالقرآن يجب أن يبقى:

* المرجعية العليا،

* والمعيار القيمي،

* والميزان الذي تُعرض عليه الروايات والأفكار.

كما أن التدبر لا يعني الفوضى الفكرية، بل تفعيل العقل ضمن القيم القرآنية الكبرى.

فالقرآن يريد إنسانًا:

* يفكر،

* يبحث،

* يراجع،

* يصحح مساره،

* ويتحمل مسؤولية وعيه.

ولهذا فإن النهضة الإسلامية الحقيقية لن تبدأ بتكثير الطقوس، بل بإعادة بناء الإنسان القادر على التفكير الحر ضمن أخلاق الوحي.

خاتمة

إن التحول من مركزية القرآن إلى هيمنة الرواية لم يكن حدثًا بسيطًا، بل مسارًا تاريخيًا طويلًا تشابكت فيه السياسة بالموروث بالسلطة بالثقافة الشعبية.

وقد أدى هذا التحول إلى إغراق العقل الإسلامي في بحر من التفاصيل والسرديات، حتى تراجعت القيم القرآنية الكبرى لصالح الطقوس والانقسامات والهويات المغلقة.

لكن القرآن ما زال حاضرًا بوصفه مشروعًا مفتوحًا لتحرير الإنسان من الخوف والتبعية والجمود.

فالعودة إلى القرآن ليست عودة إلى الماضي، بل عودة إلى الوعي

***

د. وائل كريم

عن صفحته الشخصية بالفيسبوك.