عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

فارس حامد: مبدأ التناسب في القانون

"أداة لتحقيق العدالة والتوازن بين السلطة والحقوق"

أولاً- مفهوم مبدأ التناسب: يُعد مبدأ التناسب من المبادئ القانونية والفلسفية الأساسية التي تقتضي الموازنة بين الوسائل المستخدمة والغايات المراد تحقيقها، بحيث لا تكون القيود أو الأضرار الناتجة عن الإجراء القانوني مفرطة مقارنة بالمصلحة أو الفائدة المتحققة منه.

ويهدف هذا المبدأ إلى تحقيق العدالة ومنع التعسف في استعمال السلطة، بما يضمن التوازن بين الحقوق والمصالح المتعارضة.

وقد تبلور هذا المبدأ بصورته الحديثة في القضاء الإداري الألماني أواخر القرن التاسع عشر، ولا سيما في أحكام المحكمة الإدارية البروسية العليا، ثم انتقل إلى القضاء الدستوري الألماني ليصبح أحد المبادئ الأساسية في الرقابة على دستورية القوانين، قبل أن ينتشر لاحقاً في مختلف فروع القانون الوطني والدولي.

ثانياً- عناصر مبدأ التناسب:

يقوم مبدأ التناسب على ثلاثة عناصر رئيسة:

1- الملاءمة: أن تكون الوسيلة المختارة صالحة ومناسبة لتحقيق الهدف المشروع.

2- الضرورة: اختيار الوسيلة الأقل تقييداً للحقوق والأقل إضراراً بالمصالح من بين جميع الوسائل المتاحة التي تحقق الهدف ذاته.

2- التناسب بالمعنى الضيق: إجراء موازنة دقيقة بين المنافع المتحققة والأضرار الناجمة عن الإجراء، بحيث لا يُضحّى بمصلحة جوهرية من أجل تحقيق مصلحة أقل أهمية.

ثالثاً- مبدأ التناسب في القانون الدستوري وحقوق الإنسان:

أصبح مبدأ التناسب أحد أهم أدوات الرقابة الدستورية على القوانين والقرارات الإداريةالتي تمس الحقوق والحريات العامة.

ويُعرف في الفقه الدستوري بـ "اختبار التناسب" الذي يتضمن عادة أربعة شروط:

1- وجود هدف مشروع.

2- أن تكون الوسيلة ملائمة لتحقيقه.

3- أن تكون الوسيلة ضرورية ولا يوجد بديل أقل تقييداً للحقوق.

4- تحقيق توازن معقول بين المصلحة العامة والحقوق الفردية.

وتستند المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ومحاكم الاتحاد الأوروبي إلى هذا الاختبار عند تقييم مشروعية القيود المفروضة على الحقوق والحريات الأساسية.

تطبيق قضائي: (الموازنة بين الحياة الخاصة وحرية التعبير)

الحكم: محكمة النقض الفرنسية، الدائرة المدنية الأولى، 8 ديسمبر 2021 (رقم 20-13.560).

الوقائع: نشرت صحيفة "لوموند" مقالاً تضمن فحوى محادثات هاتفية بين وزير سابق وابنته، تم تسجيلها أثناء إجراءات قضائية كانت جارية ضده. بناءً على ذلك، رُفعت دعوى قضائية للمطالبة بتعويض عن الأضرار الناتجة عن انتهاك الحق في احترام الحياة الخاصة.

المبدأ القضائي: أكدت محكمة النقض على قاعدة جوهرية وهي:

أن الحق في احترام الحياة الخاصة والحق في حرية التعبير يتمتعان بقيمة قانونية متساوية، ولا يطغى أحدهما على الآخر بصفة مطلقة مسبقاً.

وبناءً على هذا التساوي، يقع على عاتق "قاضي الموضوع" إيجاد التوازن بينهما عبرمسارين:

التوفيق: محاولة الموازنة بين المصلحتين المتعارضتين.

المفاضلة: لتحديد الحق الأَوْلى بالرعاية، أي إعطاء الأولوية للحق الذي يحمي المصلحة الأكثر مشروعية في ضوء ظروف الدعوى وملابساتها.

وطبقت المحكمة اختبار التناسب من خلال الموازنة بين الحقين المتعارضين، مستندةً إلى معايير متعددة، منها:

مدى مساهمة النشر في نقاش يهم الرأي العام، وصفة الشخص المعني، وطبيعة المعلومات المنشورة، وسياق النشر وآثاره.

وانتهت المحكمة إلى أن نشر تلك المعلومات كان متناسباً مع الهدف المشروع المتمثل في إطلاع الجمهور على مسألة ذات أهمية عامة، وأن التقييد الواقع على الحق في الحياة الخاصة لم يكن مفرطاً مقارنة بالمصلحة العامة المتحققة.

رابعاً- مبدأ التناسب في القانون الجنائي

يقوم مبدأ العدالة الجنائية على ضرورة تناسب العقوبة مع جسامة الجريمة المرتكبة،فلا تكون العقوبة أشد من مقتضيات الردع والعدالة، ولا أخفَّ بما يخلّ بحمايةالمجتمع، ويتجسد ذلك بما يأتي.

1- كتاب "في الجرائم والعقوبات":

شكّل مؤلَّف الفقيه الإيطالي سيزار بيكاريا نقطة تحول مهمة في الفكر الجنائي الحديث،إذ دعا إلى ربط العقوبة بمدى خطورة الفعل الإجرامي، ورفض العقوبات المفرطة والقاسية التي كانت سائدة في الأنظمة القديمة.

2- التناسب في الدفاع الشرعي: يظهر المبدأ بصورة واضحة في حالات الدفاع الشرعي؛ إذ يُشترط أن تكون القوة المستخدمة متناسبة مع الخطر المهدِّد، فلا يجوز -كأصلعام- استخدام قوة مميتة لمواجهة اعتداء غير مميت، إلا إذا كان ذلك هو الوسيلةالوحيدة اللازمة لدفع خطر حالٍّ يهدد النفس أو الغير.

خامساً- مبدأ التناسب في القانون المدني:

يُعد مبدأ التناسب من المبادئ التوجيهية التي تحكم العلاقات المدنية، ويظهر ذلك فيتطبيقات قانونية متعددة:

1- الدفاع الشرعي عن النفس أوالمال.

2- المسؤولية التقصيرية والتعويض: يجب أن يكون التعويض متناسباً مع حجم الضررالفعلي الذي لحق بالمضرور، بما يجبر الضرر تماماً دون أن يؤدي إلى إثراء غير مشروعأ وانتقاص من حقوق المتضرر.

3- العقود وحسن النية: يفرض مبدأ حسن النية أن تكون الالتزامات التعاقديةوالشروط الجزائية متناسبة مع طبيعة الالتزام ومحل العقد، وألا تنطوي على تعسف أو استغلال للطرف الضعيف.

4- إجراءات التنفيذ والتقاضي: يجب أن تكون الإجراءات التحفظية والتنفيذية متناسبةمع قيمة الحق المطلوب حمايته، وألا يترتب عليها ضرر للمدين يفوق المنفعة المرجوة للدائن.

سادساً- مبدأ التناسب في القانون الإداري:

يُعد مبدأ التناسب من أهم الضمانات القانونية المقررة للموظف العام، إذ يحمي الوظيفة العامة من الإفراط في التشدد أو التساهل عند توقيع الجزاءات التأديبية.

وتخضع العقوبة التأديبية لرقابة القضاء الإداري من خلال "نظرية الخطأ الظاهر (أو الجسيم) في التقدير"، والتي تسمح للقاضي بالتدخل عندما يكون تقدير الإدارة للمخالفة أو العقوبة مشوباً بعدم تناسب واضح.

معايير التناسب في العقوبة التأديبية

1- المعايير الموضوعية: وتشمل طبيعة المخالفة، درجة جسامتها، حجم الضرر الناتجعنها، وأثرها في سير المرفق العام.

2- المعايير الشخصية: وتشمل السيرة الوظيفية للموظف، تاريخه التأديبي، ظروفه الشخصية، والملابسات المحيطة بارتكاب المخالفة.

سابعاً- مبدأ التناسب في القانون الدولي الإنسان

***

فارس حامد عبد الكريم

 

في المثقف اليوم