أقلام حرة
ستار الزهيري: عبد الجبار الرفاعي يمنحك طريقة جديدة للنظر للعالم
رغم انشغالي هذه الأيام ببناء منزلي الجديد، وما يرافق ذلك من تعب وضيق وقت وتفاصيل لا تنتهي، إلا أنني أحاول في الوقت نفسه أن أبني شيئاً آخر أكثر عمقاً من الجدران والسقوف؛ أحاول أن أبني أفكاري ووعيي وأسئلتي، مستعيناً بما يقدمه عبد الجبار الرفاعي من قراءة مختلفة للإنسان والدين والتراث. فبعض الكتّاب يمنحونك معلومات، أما الرفاعي فيمنحك طريقة جديدة للنظر إلى العالم.
في كل مرة يقترب فيها عبد الجبار الرفاعي من التراث، لا يقترب منه بوصفه مخزناً للمقدسات الجاهزة، بل بوصفه غابة كثيفة من الأسئلة، والرموز، والأقنعة، والطبقات التاريخية المتراكمة. هو لا يدخل إلى النصوص القديمة حاملاً مطرقة الهدم، كما يتهمه خصومه، ولا يحمل مبخرة التقديس الأعمى كما يفعل حراس الموروث، بل يدخل وفي يده مصباح التأويل، محاولاً فك الألغاز التي تراكمت عبر القرون حول الدين، والإنسان، والمعنى.
لقد تعامل كثيرون مع التراث وكأنه صندوق مغلق لا يجوز فتحه، بينما رأى الرفاعي أن الأزمة ليست في النصوص وحدها، بل في العقول التي جمدت التاريخ وحولت التجارب البشرية إلى يقينيات نهائية. ولهذا كان مشروعه أقرب إلى محاولة تحرير الروح من سجون الشروح والحواشي والخوف المتراكم. حين يقرأ التصوف لا يقرأه كطقوس غامضة، بل كبحث عميق عن المعنى الإنساني. وحين يناقش الفقه أو علم الكلام، فإنه يحاول كشف اللحظة التاريخية التي أنتجت تلك الأفكار، لا تحويلها إلى قوانين أبدية فوق الزمن، إنه يفتش دائماً عن الإنسان المختبئ خلف ركام المصطلحات.
ميزة الرفاعي أنه لا يقدم إجابات نهائية بقدر ما يوقظ القلق الفكري. يعيد فتح الملفات التي أغلقتها السلطات الدينية والسياسية معاً، ويذكّر القارئ بأن الحقيقة ليست ملكاً لأحد، وأن التراث ليس متحفاً للصمت، بل مادة حية قابلة للفهم والنقد وإعادة القراءة.
بعد إعادة قراءة كتب عبد الجبار الرفاعي أكثر من مرة، يتبين أن الرجل لم يُكتشف كما ينبغي بعد، وأن كثيرين مرّوا على مشروعه الفكري مروراً سريعاً دون التوقف عند طبقاته العميقة. فكل قراءة جديدة تكشف زاوية مختلفة، وكأنك لا تقرأ كاتباً واحداً، بل عوالم متجاورة من الفلسفة، والعرفان، وعلم الكلام، وأسئلة الإنسان القلقة.
شخصياً، كلما تعمقت في نصوصه ازددت اقتناعاً أن الرفاعي ليس مجرد مفكر يكتب عن الدين، بل عقل يحاول إعادة ترميم العلاقة بين الإنسان وروحه في زمن امتلأ بالضجيج والتعصب واليقين الأعمى. ولهذا يبدو الإعجاب به ليس انبهاراً عابراً بكاتب، بل تقديراً نادراً لشخص امتلك شجاعة السؤال، وهدوء الحكيم، وجرأة العبور داخل المناطق التي يخشى كثيرون الاقتراب منها. في عالمنا العربي، حيث يُكافأ المكرر ويُحاصر المختلف، تبدو محاولة فك الألغاز التراثية مغامرة خطرة. لكن من دون هذه المغامرة سنبقى ندور داخل المتاهة نفسها، نكرر الأسئلة القديمة، ونخاف حتى من مجرد التفكير خارج الجدران التي بناها الأسلاف.
***
ستار الزهيري – كاتب عراقي







