عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

وسام حسين العبيدي: الملعب الذي أنصف يامال

والسياسة التي تقتل كل يامال

ليس أجمل ما في نهائي كأس العالم أن إسبانيا رفعت الكأس، ولا أن الأرجنتين خسرتها، بل بما أعادت تذكيرنا به من حقيقةٍ كثيرًا ما تغيب خارج الملاعب؛ وهي أن الحياة، حين تُترك لقوانينها العادلة، لا تعترف بالأسماء مهما كبرت، ولا بالتاريخ مهما عظم، وإنما تعترف بمن يستحق أن يكون الأفضل في تلك اللحظة.

دخل "ليونيل ميسي" المباراة وهو يحمل تاريخًا لا ينازعه فيه أحد، ودخل "لامين يامال" وهو يحمل موهبةً تبحث عن لحظتها. ومع صافرة النهاية، لم تنتصر الأسماء، بل انتصر الأداء. ولم يمنح التاريخ صاحبه دقائق إضافية، ولم تُضف البطولات السابقة هدفًا إلى النتيجة. ففي الرياضة لا يستطيع الماضي أن يلعب بدل الحاضر، ولا تستطيع الأسطورة أن تمنع ميلاد أسطورة جديدة.

وهذا هو سر جمال الرياضة؛ إنها تُكرم التاريخ، لكنها لا تسمح له أن يحتكر المستقبل. غير أن هذه الصورة المشرقة سرعان ما تنقلب حين نغادر الملعب إلى عالم السياسة. فهناك، لا تكفي الموهبة، ولا تكفي الكفاءة، ولا يكفي الإخلاص للوطن كي يجد الإنسان مكانه في المشهد العام. فالمباراة لا تُدار بالقواعد نفسها، بل بقواعد المال السياسي، وشبكات النفوذ، والإعلام الموجَّه، والصفقات، والقدرة على شراء الولاءات وإسكات الأصوات. وهنا يحضرني بيت الجواهري، وكأنه يقرأ واقعنا السياسي قبل عقود طويلة، حين قال:

شابَ الشبابُ الطيبونَ وبُدِّلتْ***فيها شبيبةُ شِيخةٍ أشرارِ

لم يكن الجواهري يرثي أعمار الشباب، وإنما كان يرثي وطنًا جعل شبابه يشيخون وهم ينتظرون فرصةً لا تأتي، بينما منح شبابًا أبديًا لطبقةٍ لا تتجدد إلا بوسائل الالتفاف على إرادة المجتمع. فالشيخوخة في بيت الجواهري ليست عدد السنين، وإنما شيخوخة المشاريع والأفكار، أما الشباب فليس حداثة العمر، بل القدرة على التجدد، والإبداع، وصناعة المستقبل؛ ولذلك فإن الفرق الجوهري بين الملعب والدولة هو أن الملعب يسمح ليامال أن يولد، بينما تعمل السياسة الفاسدة على قتل كل يامال قبل أن يصل إلى الجمهور، فحيتان الفساد لا تكتفي بالبقاء في المشهد، بل تجعل بقاءها مشروعًا دائمًا. فهي تدرك أن ظهور كفاءةٍ جديدة يعني نهاية امتيازاتها، ولذلك تحاصر كل مشروع وطني حقيقي، وتغلق المنافذ أمام العقول الشابة، وتحوّل المال السياسي إلى جدارٍ يعزل أصحاب الخبرة والنزاهة عن المجتمع، فيما تتكفل وسائل الإعلام المأجورة بتلميع الوجوه نفسها، حتى يبدو الوطن وكأنه عاجز عن إنجاب البدائل.

وهكذا تتحول السياسة إلى نقيض الحياة؛ فبدل أن تكون ساحةً لتداول النخب، تصبح ساحةً لاحتكارها. وبدل أن تكون المؤسسات طريقًا لصعود الأكفأ، تصبح أداةً لإعادة إنتاج الطبقة نفسها، مهما تراكمت إخفاقاتها، ومهما أثقلت الوطن بملفات الفساد والفشل. فالأمم لا تموت لأنها تفتقر إلى الشباب، وإنما تموت حين تحاصر شبابها، وتُبقي مستقبلها رهينةً لطبقةٍ لا تعرف إلا البقاء. فالأوطان لا تُبنى بالأسماء الكبيرة وحدها، وإنما بقدرتها على صناعة أسماء جديدة، ومنحها فرصة المنافسة العادلة.

لقد أنصف الملعب "لامين يامال" لأنه لم يسأله عن حجم تاريخه، بل عن حجم عطائه. أما السياسة الفاسدة، فإنها تسأل القادم الجديد أولًا: كم تملك من المال؟ ومن يقف وراءك؟ وأي شبكة مصالح تحميك؟ فإذا لم يجد جوابًا، بقي خارج الملعب، مهما بلغت كفاءته. ولعل هذه هي الرسالة الأعمق التي حملها نهائي كأس العالم: ليست العدالة أن يبقى الكبار في أماكنهم إلى الأبد، وإنما أن يُفسح لهم التاريخ مكانًا في الذاكرة، ويُفسح للأحياء مكانًا في صناعة المستقبل. فالأمم التي تتقدم ليست تلك التي تعبد الماضي، ولا تلك التي تهدمه، وإنما تلك التي تحترمه دون أن تسمح له بأن يصادر حق الأجيال الجديدة في أن تكتب تاريخها هي أيضًا.

***

د. وسام حسين العبيدي

في المثقف اليوم