خاص بالمثقف: الحلقة السابعة، مع الأديبة المبدعة الأستاذة سعاد الراعي، ضمن مدارات حوارية، وحوار شامل أجراه معها الأستاذ مراد غريبي، حول تجربتها الإبداعية وأعمالها الأدبية وآفاقها الفكرية، فأهلاً وسهلاً بهما:
الكتابات الأدبية والسياسة: الذاكرة، النسيان والأثر
س36: أ. مراد غريبي: بوّدي في هذا المحور الجديد أن نقارب محطة حساسة من محطات مسيرة الأديبة المبدعة الاستاذة سعاد الراعي، "يُقال إن حركة الأنصار لم تكن نسخا جديدا لمسيرة الشهيد سلام عادل، والبعض يرى انها كانت «إعادة اختراع» للثورية العراقية في ضوء هزائم اليسار التقليدي.
إلى أي حدّ ترين هذا الوصف دقيقًا؟ وأين تقع «القطيعة» وأين يقع «الاستمرار» في تجربتكِ الخاصة؟
ج 36: أ. سعاد الراعي: بالقطع، لم تكن "نسخة جديدة".. بل كانت "إعادة اختراع" في سياق مختلف:
حين نتأمل حركة الأنصار (1979–1988) في مرآة مسيرة الشهيد سلام عادل، والتي اعقبت استشهاده، نجد أنفسنا أمام تجربتين تفصل بينهما مسافة فكرية حقيقية لا مجرد اختلاف في الظرف الزمني.
فسلام عادل، بحسب ما توثقه كل المصادر، لم يتبنَّ الكفاح المسلح خيارًا نضاليًا على الاطلاق. كان صوتًا للانضباط الثوري، وللنضال السلمي الإنساني، ولبناء الجبهات الوطنية الجامعة. ففي كتاب "سلام عادل سيرة مناضل" لزوجته ثمينة ناجي (يرد نص رسالته الداخلية لـ اللجنة المركزية والتي عارض فيها بوضوح قاطع التوجه نحو اغتيال أفراد من الفئة الحاكمة آنذاك، ومنهم نوري السعيد).
وقد اشرت بدوري الى هذا الموقف وغيره في كتابي "الإنسان الذي سبق الثورة، الجوانب الإنسانية في سيرة سلام عادل"، حيث تجلّى هذا الموقف بشكل خاص إثر العصيان المسلح في قضاء الحي، الذي جاء على إثر انتفاضة تشرين. وفي تلك الرسالة، رفض سلام عادل النزعات الفوضوية الداعية إلى الاغتيالات، واصفًا إياها بأنها فخّ ومستنقع أعمى يُفرغ الثورة من روحها ومعناها الإنساني.
أما عند الحديث عن حركة الأنصار، فقد وُلدت في سياق مغاير تمامًا:
سياق انكسار اليسار التقليدي، وانهيار جبهة (1973–1979)، وتصاعد القمع البعثي ضد الحزب، حينها وجد الحزب نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما:
الذوبان في حزب البعث، أو الصعود إلى الجبال.
من هذا المنظور، يمكن القول إن حركة الأنصار مثّلت "إعادة اختراع" للثورية العراقية في ضوء تلك الهزائم:
تحوّلًا من الجبهة إلى الجبل، ومن النضال السلمي إلى الكفاح المسلح، ومن التحالفات الوطنية إلى المواجهة المباشرة مع النظام. وهكذا شكّلت الأنصار فصلًا جديدًا في ملحمة اليسار العراقي، لكنه فصل مختلف جوهريًا عن فصل سلام عادل: فصل كتبته الهزيمة، لا الثورة.
وفي النهاية، بالتأكيد لا يمكننا أن نفصل هذه الأحداث وتداعياتها عن تجربة كل رفيق في الحزب، بما فيها تجربتي الخاصة.
**
س37: أ. مراد غريبي: عفوا أستاذتنا الفاضلة سعاد الراعي، في لحظة الالتحاق بحركة الأنصار الشيوعية، هل كنتِ تبحثين عن «تنظيم» يملأ فراغًا سياسيًا، أم عن «مشروع معنى» يعيد صياغة العلاقة بين الذات والعالم؟ وبأي لغة داخليّة برّرتِ لنفسك عبور العتبة من الكتابة إلى السياسة؟
ج 37: أ. سعاد الراعي: أشكرك على هذا السؤال!
في تلك اللحظة، لم أكن أقف على عتبة تردّد، بل كنت أصغي إلى قرار نضج في داخلي منذ زمن: أن ألتحق بالأنصار، كما التحق زوجي ورفاقي، وأن أمضي معهم الطريق ذاته. لكن الحزب رأى غير ذلك "رغم اكتمال جميع الاستعدادات بما فيها التدريب العسكري".. كنت يومها أمًّا لطفل رضيع، والحزب لم يشأ أن يُعرّض تلك البراءة النائمة في حِجري لمصير قاسي. لهذا ابقاني، خارج الالتزام.
أما عن السؤال الأعمق - هل كنت أبحث عن تنظيم يملأ فراغًا، أم عن معنى يعيد صياغة علاقتي بالعالم؟ فالحقيقة أبسط وأعمق مما تحمله الثنائية نفسها:
لم يكن ثمة فراغ لأملأه، ولا معنى غائب أبحث عنه خارج ذاتي. لأني كنت، جزءًا من هذا التنظيم، وكان المعنى ساكنًا فيّ قبل أن يُطرح كسؤال، فانتمائي لم يكن خيارًا لحظيًا أُقدم عليه في منعطف، بل قناعة راسخة رافقتني كظلٍّ لا يفارق صاحبه، تغذّت من إيماني العميق بمبادئ الحزب.
وأما "اللغة الداخلية" التي بها بررت عبوري من الكتابة إلى السياسة، كما جاء في السؤال، فأود ان أؤك: بأني لم أكن يومها كاتبة أصلًا لأحتاج إلى تبرير كهذا. الكتابة، كما أوضحتُ في إجابات سابقة، اتت متأخرة. أما تلك المرحلة، فكانت مثقلة بأعباء أخرى:
دراسة تُنجَز، ووظيفة تُؤدَّى، وعمل حزبي لا يهدأ. لم يكن هناك عتبة أعبرها من عالم إلى عالم، بل حياة واحدة، بأبعاد متعددة، أعيشها كلها في آنٍ معًا.
**
س38: أ. مراد غريبي: في لحظة قرار الحزب عدم التحاقكِ الميداني بحركة الأنصار، رغم اكتمال تدريبكِ واستعدادكِ وإصراركِ، هل تلقّيتِ ذلك بوصفه حمايةً تقتضيها مسؤولية الأمومة، أم بوصفه إقصاءً من حقّكِ في المشاركة؟ وكيف قرأتِ هذا القرار وماذا كانت رؤيتكِ لعلاقة الفرد بالقرارات التنظيمية وبالشرعية الثورية في البدايات؟
ج 38: أ. سعاد الراعي: أشعر أن الأسئلة، وهي تتوغّل في هذا المسار، قد جرّتنا خطوةً إلى محور السياسة أكثر مما أبقتنا في رحاب الأدب. ولكن، لا بأس، سأجيب بما يكفي من القول بحق السؤال، دون أن أُثقل الحوار بما ليس أوانه.
نعم، تلقّيت ذلك القرار حماية، لا إقصاءً. حماية تقتضيها مسؤولية الأمومة، التي لا تقلّ قداسةً عن مسؤولية النضال، بل تلتحم بها في لحظة واحدة لا انفصام فيها.
كان قرارًا مسؤولًا، صدر عن حزبٍ فهم مدى استعدادي وتفانيَ اندفاعي الصادق نحو التضحية، تضحية لم تكن محصورة بزوج قدم حياته للقضية، بل كانت استعدادًا بأن أُقدّم كل شيء، دون حساب، دون تردد.
أما عن علاقة الفرد بالقرارات التنظيمية في تلك البدايات، فقد كنا جيلًا بأكمله ننفّذ قرارات الحزب انطلاقًا من مبدأ المركزية، ذلك المبدأ الذي فرضته علينا آنذاك ظروف النضال قسرًا، لا اختيارًا. كنا نمضي خلف القرار حتى حين تتلعثم القناعة، لأننا كنا نُدرك أن النضال، لا يدار بأصوات متفرقة، بل بانضباط جماعي يُغلّب مصلحة القضية على مزاج الفرد. لم يكن ذلك استلابًا للإرادة، بل كان في وعينا ثمن التضحية التي بها نُقايض راحتنا الشخصية بأمل جماعي أكبر منا جميعًا.
**
س39: أ. مراد غريبي: صحيح أن السؤال السابق يميل إلى السياسة، لكن إجابتك كأديبة عنه ستظل أدبية بالضرورة، بل أصارحكِ استاذة سعاد، جعلته توطئة لسؤالي الٱتي:
يوثّق الفصل الثالث من الجزء الأول من سيرتكِ «بين غربتين» غيابكِ عن ساحة حركة الأنصار وحضوركِ في فضاء الانتظار والفقد. كيف تحوّل الانتظار، في تلك التجربة، من حالةٍ قسرية إلى شكلٍ من أشكال المعايشة والمعرفة؟ وهل أدّت الكتابة الأدبية دور استعادة الفعل الذي تعذّر عليكِ، أم دور مساءلة الغياب وما خلّفه من رهانات وتحديات؟
ج 39: أ. سعاد الراعي: لقد اقتطع هذا السؤال من الذاكرة مسافةً زمنية بعيدة، نقلتني إلى تلك الأجواء الشجية التي عاشت فينا قبل أن نكتبها.
لم تكن كتاباتي في تلك المرحلة تنطوي على النشر، كانت مجرد رسائلَ شخصية، وخواطرَ مبتسرة، ومذكراتٍ أكتبها للتنفيس... في تلك الأيام، لم تكن الغربة أو قسوة الانتظار قادرةً على كسرنا.. كنا نعيش، نحن الرفيقات بعد سفر ازواجنا الأنصار الى ساحة النضال، في ألفة دافئة، كعائلة واحدة شديدة التماسك. نساند بعضنا، نربي أطفالنا وسط الوحشة، ونبتدع من العدم وسائطَ لكسر العزلة وترميم الغياب.
الانتظار في تجرِبتنا لم يكن شللًا، لأننا احلناه الى حركةً ومعرفة.
كنا نحول الانتظار إلى فعل نضالي يومي، ننظم المعارض والفعاليات الفنية، نخيط ونبدع بأيدينا منتجات قابلة للبيع ليذهب ريعها لدعم الحركة الأنصارية.
كنا نشعر أننا نطأ التخوم ذاتها مع رفاقنا، ونخوض معهم النضال خطوةً بخطوة، مسقطين مسافات الغياب القسري.
حين عدتُ لتوثيق هذه المرحلة في سيرتي "بين غربتين"، كانت الكتابة فعلَ استردادٍ لما عشناه بكل ما يحمل من معاني وعبر. الأدب هنا أتاح لي إعادة صياغة الفقد بوصفه نضالًا موازيًا، ومساءلةً عميقةً لفكرة الغياب وما تركه في أرواحنا من رهانات وتحديات وجودية.
الكتابة منحت ذلك الفقد صوتًا، وحولت الهامش المفروض علينا إلى حركة يفيض بالمعنى والحياة.
يتبع
***
حاورها الأستاذ مراد غريبي – المثقف
10/9/2026








