عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

عامر عبد زيد الوائلي: في رحاب المعنى من أطلس الوشم إلى أطلس العبور

مقدمة: لا يظهر الجسد العراقي في الوشم بوصفه جسدًا واحدًا، ولا يمكن قراءة علاماته خارج الأمكنة التي نشأت فيها والبيئات التي احتضنتها والذاكرات التي منحتها معناها؛ فالجنوب ليس الوسط، والبادية ليست المدينة، والجبل ليس السهل، وأن العلامة التي تبدو متشابهة في شكلها قد تحمل في كل بيئة تاريخًا مختلفًا من الدلالة والاستعمال. غير أن الاختلاف الجغرافي لا ينبغي أن يحول الجسد العراقي إلى خريطة ثابتة لتوزيع الرموز، لأن الجغرافيا نفسها ليست ثابتة، والثقافة لا تقيم داخل حدود المكان إقامةً نهائية، بل تتحرك معه وعبره، فتنتقل العلامات بين الجماعات، وتغادر سياقاتها الأولى، وتدخل في سياقات جديدة تعيد تشكيل معناها.

من هنا يقترح هذا المقال الانتقال من أطلس الوشم إلى أطلس لعبور المعنى؛ أي من سؤال: أين يظهر هذا الرمز؟ إلى سؤال: كيف يتحرك هذا الرمز داخل الجغرافيا العراقية؟ وكيف تنتقل العلامة من بيئة إلى أخرى، ومن جماعة إلى أخرى، ومن الذاكرة المحلية إلى الذاكرة الفردية؟ فالجنوب، بما يحمله من علاقة كثيفة بالماء والخصوبة والأنوثة والذاكرة المحلية، لا يقدم مجرد مجموعة من الزخارف، بل يكشف عن نمط خاص في تكثيف المعنى؛ في حين تكشف مناطق الشمال والوسط والبادية عن علاقات أخرى تتصل بالجبل والقبيلة والانتماء والحركة والاختزال. وفي الحالتين لا تكون الجغرافيا خلفية للوشم، وإنما تدخل في إنتاج معناه.

وسيتحرك هذا المقال في بيئة الجنوب حصرا؛ للكشف عن الكثافة الرمزية التي تتمثل عند تقاطع الماء والخصوبة والذاكرة المحلية، فان البحث في الجنوب من العراق لا بوصفه مجرد إقليم جغرافي، بل بوصفه بنية حسية ورمزية تمثلت فيها علاقة الإنسان بالماء والجسد والإنجاب والأرض والمقدس، وهي علاقة ستتيح لنا لاحقًا الانتقال من جغرافيا الجنوب إلى رموزه، ومن الرمز إلى الجسد، ومن الجسد إلى الوشم، من غير أن نفترض استمرارية خطية بين القديم والمعاصر، بل نبحث عن قابلية الرمز للعبور والتحول.

1. الماء والأنوثة والخصوبة

إذا أردنا أن نبدأ من الجنوب، فلا ينبغي أن نبدأ من المدن وحدها، ولا من المعابد والقصور والنصوص التي حفظتها الكتابة، وإنما من ذلك العنصر الذي كان يسبق المدينة ويحيط بها ويمنحها إمكان وجودها: الماء. فالجنوب الرافديني لم يكن أرضًا مستقرة تنتظر الإنسان لكي يسكنها، وإنما كان فضاءً مائيًا متحركًا، تتداخل فيه الأنهار والفروع والمستنقعات والقصب والطين والفيضانات، وتتغير فيه الحدود بين اليابسة والماء بحسب المواسم وحركة النهر وتبدلات المناخ ومستوى البحر، ولذلك فإن الإنسان الذي نشأ في هذا المجال لم يكن يواجه الطبيعة بوصفها خلفية صامتة لحياته، بل كان يعيش داخل وسط متحرك يفرض عليه أن يفهم الماء بوصفه شرطًا للحياة، ومصدرًا للخطر، ومجالًا للرزق، ووسيطًا بين الأرض والخصوبة والمقدس.

وهنا تكتسب منطقة الأهوار الجنوبية أهمية تتجاوز الجغرافيا؛ فقد كانت أجزاء واسعة من السهل الرسوبي الجنوبي، منذ عصور مبكرة، بيئة مائية ومستنقعية ارتبطت بها مدن أور وأوروك وإريدو وغيرها، وتشير المعطيات الأثرية والبيئية إلى الأهوار وهي ليست «مكانًا» بالمعنى الساكن، وإنما نتيجة علاقات. النهر يدخل فيها، والريح تدخل فيها، والصحراء تدخل فيها، والكائنات الحية تدخل فيها، والمواد الكيميائية تدخل فيها، ثم تعيد الأهوار نفسها إنتاج مواد جديدة. ومن ثم فأن الأهوار لم تكن هامشًا بالنسبة إلى نشوء المجتمعات الجنوبية، بل كانت جزءًا من المجال الذي تمثلت فيه أنماط اقتصادية واجتماعية ودينية أساسية، حتى إن اليونسكو تؤكد أن الأهوار كانت مركزًا أساسيًا للاقتصاد والتصورات الدينية والرؤية الكونية لدى الثقافات المتعاقبة في جنوب بلاد الرافدين. ومن هنا يصبح الماء أكثر من مورد طبيعي؛ إنه وسط وجودي تمثلت داخله علاقة الإنسان بالأرض وبالجسد وبالخصوبة.

إن الجنوب، بهذا المعنى، لا يُفهم من خلال ثنائية اليابسة والماء، لأن الماء لم يكن نقيضًا للأرض بقدر ما كان أحد الشروط التي تجعل الأرض قابلة للحياة. فالفيضان لا يعني الماء وحده، وإنما يعني الرواسب والتربة وتجدد المجال الزراعي، والمستنقع لا يعني الماء الراكد فقط، وإنما يعني القصب والأسماك والطيور والحيوان وطرق الحركة والسكن والعمل، والنهر لا يعني مجرى مائيًا فحسب، وإنما يعني شبكة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والرمزية. وقد أظهرت الدراسات البيئية للأهوار الجنوبية أن دور الفيضانات الموسمية كان يتجاوز إمداد المنطقة بالماء إلى تجديد خصوبة التربة وترسيب الرواسب والتقليل من تراكم الأملاح، أي أن الماء كان يدخل مباشرة في دورة إنتاج الحياة.

ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين الماء والخصوبة بوصفها علاقة بنيوية قبل أن تكون علاقة رمزية؛ فالخصوبة لا تظهر في المخيال الرافديني من فراغ، وإنما تنبني فوق خبرة بيئية طويلة أدرك فيها الإنسان أن الحياة في الجنوب مرتبطة بحركة الماء، وأن الأرض لا تكون خصبة في ذاتها بصورة مطلقة، بل تصبح كذلك من خلال علاقتها بالماء. ولهذا فإن انتقال الماء من النهر إلى الحقل، ومن الحقل إلى النبات، ومن النبات إلى الحيوان والإنسان، كان يمكن أن يتحول في المخيال الديني إلى شبكة رمزية تجعل الماء جزءًا من قصة الخلق والتجدد والإنجاب.

وهنا تظهر الأنوثة داخل هذه البنية لا باعدها مجرد وصف بيولوجي للمرأة، وإنما بوصفها إحدى الصور الرمزية التي جرى من خلالها التفكير في القدرة على الإنبات والولادة والتجدد. غير أن الحذر المنهجي ضروري هنا؛ فلا ينبغي أن نختزل الأنوثة الرافدينية في صورة «الأم الكبرى» وحدها، ولا أن نفترض أن كل تصور للخصوبة كان مؤنثًا بصورة مطلقة، لأن النظام الديني الرافديني كان أكثر تعقيدًا، وكانت قوى الماء والنبات والخصوبة موزعة بين آلهة متعددة ووظائف متداخلة، كما أن إنانا، على سبيل المثال، لم تكن إلهة للخصوبة وحدها، بل ارتبطت أيضًا بالحب والسلطة والحرب والنجمة والكثير من الوظائف المتحولة داخل المخيال الرافديني.

ومع ذلك فإن العلاقة بين الأنوثة والخصوبة تظهر بقوة في عدد من التقاليد الرافدينية، خصوصًا عندما تصبح العلاقة بين إنانا ودوموزي جزءًا من تمثيل دورة الحياة والنبات والإنجاب والتجدد. وقد أظهرت الدراسات الأثرية للنقوش واللقى في مقبرة أور الملكية أن رموز الوفرة والخصوبة كانت حاضرة في الثقافة المادية، وأن بعض العناصر النباتية، مثل التمر وتجمعات الثمار والنخيل، ارتبطت رمزيًا بإنانا والوفرة والخصوبة. وهنا لا يكون الرمز مجرد صورة للطبيعة، بل يصبح طريقة ثقافية لإعادة صياغة العلاقة بين الطبيعة والحياة والجسد.

إن ما يهمنا في هذا السياق ليس أن نقول إن «الماء أنثى» أو إن «المرأة هي رمز الماء»، فهذه الصياغة ستكون تبسيطًا مفرطًا لتاريخ رمزي معقد، وإنما أن نبحث عن كيفية انتقال التجربة البيئية إلى اللغة الرمزية. فالإنسان الذي يعيش في بيئة يكون فيها الماء شرطًا للزرع والحياة، ويرى الأرض تستجيب للماء بالنبات، ويرى الحيوان والإنسان داخل الدورة نفسها، يمكن أن يعيد بناء هذه الخبرة في صور رمزية تجعل الخصوبة شبكة من العلاقات بين الماء والأرض والنبات والمرأة والآلهة. وهنا يبدأ العبور من الطبيعي إلى الثقافي.

فالماء في الطبيعة ليس رمزًا في ذاته؛ إنه ماء، لكنه يصبح رمزًا عندما يدخل في شبكة من المعاني التي يصنعها الإنسان. وكذلك المرأة ليست «رمزًا للخصوبة» بصورة طبيعية؛ إنما تصبح الأنوثة مرتبطة بالخصوبة عندما تقوم الثقافة بإدخال الجسد الأنثوي في منظومة رمزية أوسع تجعل الحمل والولادة والتجدد عناصر لفهم العالم نفسه. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: لماذا رمز الماء بالأنوثة؟ وإنما: كيف عبرت خبرة الماء والإنبات والولادة إلى بنية رمزية جعلت الخصوبة لغة لفهم العالم؟

هذه النقلة مهمة جدًا بالنسبة إلى فلسفة العبور، لأنها تكشف أن الرمز لا يولد جاهزًا في الطبيعة، وإنما يتشكل عند الحد الفاصل بين الإنسان والعالم. فالطبيعة تقدم المادة الحسية، والإنسان يمنحها القدرة على الدخول في شبكة من الدلالات، ثم تعود هذه الدلالات لتعيد تمثيل فهم الإنسان للطبيعة. إنها حركة ذهاب وإياب، الماء يؤثر في الإنسان، والإنسان يؤول الماء، والتأويل يعيد تشكيل صورة الماء في الثقافة.

ومن هنا يمكن فهم مكانة إريدو في تاريخ الجنوب الرافديني؛ فقد ارتبطت المدينة بإِنكي، إله المياه العذبة والحكمة والنظام، وكان الـ«أبسو» في التصورات الرافدينية مجالًا للمياه العذبة البدئية. وتشير المادة المتعلقة بتراث الأهوار إلى أن إنكي ارتبط بالمياه العذبة والأهوار والكائنات الحية التي تسكنها، بما يجعل الماء هنا جزءًا من تصور كوني وليس مجرد عنصر اقتصادي. وفي هذه النقطة يصبح الجنوب فضاءً تتداخل فيه البيئة والميتافيزيقا: فالماء الذي يشربه الإنسان ويسقي به أرضه يمكن أن يتحول في المخيال إلى أصل كوني للحياة.

ولا ينبغي أن نفهم هذا التحول باعده انتقالًا بسيطًا من «الطبيعة» إلى «الدين»، لأن الدين نفسه كان جزءًا من الطريقة التي كان بها المجتمع ينظم علاقته بالطبيعة. فالطقس، والأسطورة، والاحتفال، والزراعة، والسلطة، والمدينة، كلها كانت تتفاعل داخل منظومة واحدة، ولذلك فإن الماء يمكن أن يظهر في آن واحد بوصفه موردًا اقتصاديًا، وعنصرًا طقوسيًا، ورمزًا كونيًا، ومادة أساسية في الحياة اليومية.

ومن هنا أيضًا يمكن فهم الأنوثة بوصفها وسيطًا رمزيًا بين الماء والأرض والخصوبة. فالمرأة، في التجربة الإنسانية المباشرة، ترتبط بالولادة، لكن الثقافة تستطيع أن توسع هذه التجربة لتجعلها نموذجًا لفهم ولادة النبات، وتجدد الأرض، وعودة الحياة بعد الجفاف، ولذلك تصبح الأنوثة في بعض السياقات الدينية صورة للقدرة على الإنبات وإعادة إنتاج الحياة. غير أن هذه الصورة لا تظل ثابتة، بل تدخل في شبكة من علاقات السلطة والقرابة والمدينة والملك والطقس.

وهنا تظهر أهمية إنانا؛ فهي لا تمثل «المرأة الخصبة» في صورة أحادية، بل تكشف أن الأنوثة الرافدينية نفسها كانت فضاءً للقدرة والتحول. إنانا تجمع بين الحب والحرب والسلطة والخصوبة، وبين الرغبة والعنف، وبين الحياة والموت، ولذلك فإن حضورها يحررنا من القراءة الساذجة التي تجعل الأنوثة مرادفًا للولادة فقط. إن الأنوثة هنا قدرة على التحول، والخصوبة ليست مجرد إنتاج بيولوجي، وإنما قدرة على نقل العالم من حالة إلى حالة.

ولهذا فإن علاقتها بدوموزي تصبح ذات أهمية خاصة؛ فالثنائية ليست مجرد قصة حب إلهية، بل تدخل في تمثيل العلاقة بين النبات والموت والتجدد، وبين دورة الطبيعة ودورة المجتمع والطقس. وفي سياقات من «الزواج المقدس» ارتبط اتحاد إنانا ودوموزي بتجدد الخصوبة والنبات، بما يجعل الجسد والعلاقة الجنسية والإنبات الزراعي والشرعية الملكية أجزاء من بنية رمزية واحدة.

لكن الأهم بالنسبة إلى فلسفة العبور أن هذه البنية لا تعمل باتجاه واحد؛ فالطبيعة لا تتحول فقط إلى رمز، بل الرمز نفسه يعيد تنظيم رؤية الإنسان للطبيعة. عندما تصبح دورة الماء والنبات والولادة جزءًا من قصة كونية، فإن الإنسان لم يعد يرى الماء مجرد ماء، ولا الأرض مجرد تربة، ولا الجسد مجرد جسد؛ لقد أصبحت الأشياء محمولة على طبقات من المعنى. وهنا يظهر الجسد للمرة الأولى داخل هذا المسار بوصفه نقطة التقاء بين الماء والخصوبة والرمز.

فالجسد الإنساني نفسه مائي في تكوينه، وهو جسد يحتاج إلى الماء، وينمو من الغذاء، ويتغير مع الزمن، ويتكاثر، ويمرض ويشفى ويموت، ولذلك فإن التجربة الجسدية كانت من أقرب المجالات التي يمكن للإنسان من خلالها أن يفهم دورة الحياة. وإذا كان الجسد الأنثوي يحمل تجربة الحمل والولادة، فإن الثقافة تستطيع أن تنقل هذه التجربة إلى مستوى كوني، فتصبح الأرض «تلد»، والمياه «تحيي»، والنبات «يولد»، والخصوبة دورة تتجاوز الإنسان لتشمل العالم.

غير أن فلسفة العبور لا تتوقف عند التشابه بين الجسد والأرض، بل تسأل عن الحركة التي صنعت هذا التشابه. كيف انتقل معنى الولادة من الجسد إلى الأرض؟ كيف انتقل معنى الخصوبة من النبات إلى الجسد؟ كيف انتقل معنى الماء من مورد طبيعي إلى صورة كونية؟ وكيف عاد هذا كله ليظهر في الطقس والرمز والصورة والجسد؟ إنها سلسلة من العبور المتبادل، لا يمكن فيها تحديد نقطة بداية نهائية ونقطة نهاية نهائية.

ولهذا فإن الجنوب الرافديني يمكن قراءته بوصفه مختبرًا مبكرًا للرمزية البيئية؛ ليس بمعنى أن سكان الجنوب امتلكوا «فلسفة بيئية» بالمفهوم الحديث، وإنما بمعنى أن حياتهم كانت شديدة الارتباط بالوسط المائي بحيث أصبح هذا الوسط جزءًا من الاقتصاد والدين والخيال والذاكرة. فالطبيعة لم تكن خارج الثقافة، والثقافة لم تكن منفصلة عن الطبيعة، بل كانتا تدخلان في علاقات متبادلة أعادت تمثيل كل منهما؛ لكن هذا الاستمرار لا ينبغي أن يُفهم باعده دليلًا على أن كل ممارسة معاصرة هي بقايا مباشرة لممارسة سومرية؛ فمثل هذه الدعوى تحتاج إلى إثبات تاريخي مستقل، لكن ما يمكن قوله بثقة أكبر هو أن الوسط البيئي نفسه كان قادرًا على إعادة إنتاج أنماط من العلاقة بين الماء والعمل والجسد والذاكرة. وهنا نصل إلى مفهوم مهم في مشروعنا: الجنوب بوصفه وسطًا عابرًا.

فالجنوب ليس مكانًا ثابتًا تنتقل داخله الرموز فحسب، بل هو وسط تتحرك فيه المياه والطمي والقصب والأسماك والناس والسلع والأفكار والآلهة والطقوس. إنه مجال تكون فيه الحدود نفسها متحركة؛ فاليابسة تتغير، والماء يتراجع ويتقدم، والجزيرة تظهر وتختفي، والقناة تتغير، والمستنقع يتسع وينكمش، ولذلك فإن الثقافة التي تتمثل داخله تكون أكثر قابلية لتصور العالم بوصفه دورة وحركة وتجددًا. ومن ثم يمكن أن نفهم الخصوبة لا بوصفها «كثرة الإنتاج» فقط، بل باعدها قدرة العالم على الانتقال من حالة إلى حالة. الماء يعبر. والبذرة تعبر إلى نبات. والنبات يعبر إلى غذاء. والغذاء يعبر إلى جسد. والجسد يعبر إلى نسل. والنسل يعبر إلى جماعة. والجماعة تعبر إلى ذاكرة. ثم تتحول الذاكرة إلى رمز. وبذلك تصبح الخصوبة، في أعمق مستوياتها، شكلًا من أشكال العبور.

ومن هذه الزاوية يمكن إعادة قراءة العلاقة بين الماء والأنوثة والخصوبة بعيدًا عن التفسير الرمزي؛ فالماء ليس مجرد «رمز للحياة»، والأنوثة ليست مجرد «رمز للولادة»، والخصوبة ليست مجرد «كثرة النسل»، وإنما تتمثل هذه العناصر داخل منظومة أوسع يكون فيها الوجود نفسه عملية انتقال وتجدد.

وهذا يقربنا من جوهر فلسفة العبور: فالحياة لا تكون حية؛ لأنها تحافظ على صورتها، وإنما لأنها تستمر عبر التحول. والماء هو المثال الأكثر وضوحًا؛ فهو لا يبقى ماءً بالطريقة نفسها، بل يتبخر ويتكاثف وينزل ويتحرك ويدخل الأرض والنبات والجسد ثم يعود إلى الدورة من جديد. ولذلك فإن الماء يقدم، قبل أن يصبح رمزًا، نموذجًا طبيعيًا للوجود بوصفه حركة.

وإذا كان الجسد في يظهر بوصفه حاملًا للأثر ووسيطًا للعبور، فإن الجنوب يتيح لنا أن نعيده إلى بيئته الأولى: الجسد الذي يعيش من الماء، ويتمثل داخل دورة الخصوبة، ويتحول إلى رمز كما يتحول الماء إلى حياة.

ومن هنا يصبح الوشم، جزءًا من سلسلة أطول بكثير من مجرد تاريخ الزخرفة الجسدية؛ إذ إن الرمز الذي يصل إلى الجلد لا يصل إليه مباشرة من الماضي، وإنما يمر عبر طبقات من الطبيعة والثقافة والدين والذاكرة والهوية. وما يهمنا ليس إثبات أن وشمًا معاصرًا هو «وشم سومري» أو أن رمزًا حديثًا هو نسخة من رمز قديم، بل اكتشاف الكيفية التي يستطيع بها الرمز أن يعبر من عالم إلى آخر، ومن بيئة إلى جسد، ومن ذاكرة جماعية إلى هوية فردية. وهنا يمكن تثبيت النتيجة الأولى:

الماء في الجنوب لم يكن مجرد مادة للحياة، بل كان وسطًا تمثلت داخله تصورات الخصوبة والتجدد؛ والأنوثة لم تكن مجرد صورة بيولوجية للولادة، بل أصبحت في بعض البنى الرمزية وسيطًا للتفكير في قدرة العالم على إنتاج الحياة؛ أما الخصوبة فلم تكن مجرد كثرة، بل كانت صورة مبكرة للصيرورة، أي لقدرة الموجود على أن يعبر من حالة إلى حالة. وبذلك يصبح الجنوب؛ إنه أصل جغرافي لفكرة العبور نفسها.

فالماء يعبر الأرض، والأرض تستجيب للماء، والخصوبة تنشأ من العلاقة، والجسد يدخل في الدورة، والرمز يمنح هذه الدورة قابلية للذاكرة.

ومن الماء تبدأ الحكاية، لا لأن الماء هو «الأصل الوحيد» لكل شيء، وإنما لأنه يكشف لنا أن الجنوب الذي ستظهر فيه المدينة والكتابة والمعبد والأسطورة لم يكن فضاءً ثابتًا، بل عالمًا متحركًا، وأن الإنسان الجنوبي لم يبنِ رموزه فوق أرض صامتة، وإنما داخل بيئة كان عليه أن يتعلم فيها، منذ البداية، كيف يعيش مع ما يعبر.

2. الذاكرة المحلية

في هذه النقطة ينبغي ألا نتعامل مع «الذاكرة المحلية» بوصفها مجرد بقايا من الماضي أو مخزونًا من الرموز الشعبية، بل بوصفها ذاكرة حية يعاد إنتاجها داخل المكان والجسد والممارسة، ومن ثم نرى من الضروري ان لا تُفهم الذاكرة المحلية بوصفها صورة محفوظة لماضٍ انتهى، ولا بوصفها مستودعًا مغلقًا للرموز والعادات التي تنتظر من يستعيدها، وإنما بوصفها شكلًا من أشكال الحضور المتجدد للماضي داخل الحياة اليومية، حيث تستمر الأشياء لا لأنها بقيت على صورتها الأولى، وإنما لأنها وجدت طرقًا جديدة للظهور والتداول وإعادة المعنى. وفي هذا السياق يكتسب الوشم أهميته بوصفه واحدًا من المواضع التي يمكن أن تتجسد فيها الذاكرة المحلية، لأن العلامة التي تستقر على الجسد لا تحمل الماضي خارج سياقه، بل تدخل به في علاقة جديدة مع الحاضر، فيصبح الجسد نفسه وسيطًا بين ما كان وما هو كائن، وبين الذاكرة التي جاءت من الجماعة والمعنى الذي يعيد الفرد إنتاجه داخل تجربته الخاصة.

فالذاكرة المحلية لا تسكن الأمكنة وحدها، وإن كانت مرتبطة بها ارتباطًا عميقًا، وإنما تسكن أيضًا الأجساد واللغات والطقوس والأسماء والأشكال والعلامات. والمكان، في هذا المعنى، ليس مجرد مساحة جغرافية تستضيف الذاكرة، بل هو أحد الشروط التي تمنحها شكلها ودلالتها. فالعلامة التي تظهر في بيئة معينة لا تنفصل عن تاريخ تلك البيئة، ولا عن طبيعة علاقاتها الاجتماعية، ولا عن صور الحياة التي تمثلت فيها، ولذلك فإن قراءة الوشم المحلي لا تبدأ من السؤال عن شكله فقط، وإنما من السؤال عن الذاكرة التي جعلت هذا الشكل ممكنًا، وعن التجارب التي منحته قابليته لأن يصبح علامة قابلة للحفظ والتداول.

وفي السياق العراقي، تكتسب الذاكرة المحلية تعقيدًا خاصًا بسبب تعدد البيئات التاريخية والاجتماعية التي تمثلت داخلها التجربة الثقافية؛ فذاكرة الجنوب ليست نسخة من ذاكرة الشمال، وذاكرة الريف لا تتطابق مع ذاكرة المدينة، كما أن الذاكرة العشائرية أو النسوية أو المهنية أو العائلية يمكن أن تنتج لكل منها طرائق مختلفة في تمثيل الماضي واستحضاره. وهذا لا يعني وجود ذواكر منفصلة بصورة تامة، وإنما يعني أن الذاكرة الواحدة يمكن أن تتخذ أشكالًا متعددة بحسب المكان والجماعة والتجربة. ومن هنا فإن الوشم المحلي ينبغي أن يُقرأ ضمن شبكة من العلاقات التي تجعل العلامة جزءًا من ذاكرة مكانية واجتماعية، لا بوصفها رمزًا معزولًا يمكن تفسيره خارج البيئة التي أنتجته.

ولذلك يمكن النظر إلى الوشم في بعض سياقاته التقليدية بوصفه ذاكرة مجسدة؛ فهو قد يحمل أثر الانتماء، أو يستعيد رمزًا ارتبط بالجماعة، أو يعبّر عن علاقة بالمكان، أو يخلّد تجربة شخصية، أو يمنح الجسد قدرة على الاحتفاظ بشيء تخشى الذاكرة الشفوية أن تفقده. غير أن هذه الوظيفة لا تعني أن الوشم يحفظ الذاكرة بصورة كاملة، لأن العلامة نفسها تختار وتختزل وتعيد ترتيب ما تريد أن تحتفظ به. وما يُكتب على الجسد ليس الماضي كله، وإنما جزء منه جرى تحويله إلى صورة قابلة للحمل. ومن هنا يصبح الوشم فعلًا من أفعال انتقاء الذاكرة بقدر ما هو فعل من أفعال حفظها.

وهذا الانتقاء يكشف البعد العابر للذاكرة المحلية؛ فما ينتقل من الجماعة إلى الجسد لا يعبر دون تغيير، لأن الفرد الذي يحمل العلامة يمنحها تجربته الخاصة، وقد يكون الرمز الذي كان يدل على معنى جماعي في سياقه الأول قد اكتسب عند الفرد دلالة عاطفية أو جمالية أو شخصية جديدة. وهنا لا تختفي الذاكرة المحلية، وإنما تتغير طريقة وجودها. إنها تنتقل من الذاكرة المشتركة إلى الذاكرة الفردية، ومن المجال الاجتماعي إلى الجسد، ومن العلامة المتداولة داخل الجماعة إلى علامة تحمل سيرة صاحبها.

ولهذا فإن استمرارية الذاكرة المحلية لا ينبغي أن تُقاس بمدى تطابق العلامة الحديثة مع صورتها القديمة، لأن هذا النوع من القياس يفترض أن الذاكرة لا تستمر إلا إذا بقيت ثابتة، في حين تكشف تجربة الوشم عكس ذلك. فقد تستمر الذاكرة حتى عندما يتغير شكل الرمز، وقد يبقى أثرها حتى عندما تتغير وظيفته، وقد تنتقل دلالتها من الطقس إلى الجمال، ومن الجماعة إلى الفرد، ومن الموروث إلى الاختيار. إن ما يستمر ليس بالضرورة الشكل، وإنما القدرة على إنتاج المعنى داخل سياق جديد.

ومن هنا يمكن القول إن الذاكرة المحلية ليست شيئًا يقع خلف الحاضر، وإنما قوة تعمل داخله. إنها تظهر كلما استعاد الإنسان رمزًا من بيئته، أو أعاد استعمال شكل موروث، أو منح علامة قديمة معنى جديدًا، أو حمل على جسده أثرًا يتصل بمكان أو جماعة أو تجربة. وبذلك يصبح الجسد واحدًا من أهم مواقع الذاكرة المحلية، لا لأنه يحفظها كما تحفظ الوثيقة حدثًا تاريخيًا، وإنما لأنه يسمح لها بأن تعيش في صورة متحولة. فالوشم حين يعبر من الذاكرة الجماعية إلى الجسد الفردي لا يفقد محليته بالضرورة، بل يعيد تعريف المحلي نفسه بوصفه شيئًا يمكن أن ينتقل ويتحول.

وهنا تلتقي الذاكرة المحلية مع مفهوم الهوية العابرة، فالهوية لا تتمثل من ذاكرة واحدة مغلقة، وإنما من مسارات متعددة تعبر فيها الذات بين المكان والجماعة والتاريخ والتجربة الشخصية. والوشم يكشف هذه الحركة بوضوح، لأنه يجعل الذاكرة المحلية قابلة للحمل، ويجعل المكان حاضرًا في جسد قد يغادر المكان، ويجعل الرمز قادرًا على الانتقال من بيئته الأولى إلى بيئات جديدة دون أن يفقد بالضرورة كل علاقته بأصله.

وبذلك لا تكون الذاكرة المحلية نقيضًا للعبور، بل تكون إحدى صوره؛ فالذاكرة التي لا تستطيع العبور تتحول إلى أثر مغلق، أما الذاكرة التي تستطيع أن تنتقل من المكان إلى الجسد، ومن الجماعة إلى الفرد، ومن الماضي إلى الحاضر، فإنها تظل حية لأنها تظل قابلة لإعادة التمثيل. ومن هنا يمكن أن نفهم الوشم بوصفه إحدى تقنيات الذاكرة المحلية، لا لأنه يحفظ الماضي على الجلد، وإنما لأنه يمنح الماضي إمكانية أن يعبر إلى الحاضر في صورة جديدة.

فالعلامة المحلية لا تستمر لأنها بقيت في مكانها، وإنما لأنها استطاعت أن تتحرك دون أن تفقد قدرتها على إنتاج المعنى؛ والجسد لا يحفظ المكان كما هو، وإنما يحمل أثره إلى مكان آخر؛ والذاكرة لا تبقى حية لأنها ترفض التغيير، وإنما لأنها تجد في التغيير وسيلة جديدة للاستمرار. وهنا بالضبط تبدأ الذاكرة المحلية في التحول من مجرد ماضٍ مشترك إلى ذاكرة عابرة، أي ذاكرة تستطيع أن تنتقل بين المكان والجسد، وبين الجماعة والفرد، وبين ما ورثناه وما نعيد اختياره.

3. الرمز الكثيف

ينبغي أن تأتي هذه النقطة بوصفه ذروة مقالنا هذا؛ فإذا كانت الذاكرة المحلية هي المجال الذي يحفظ علاقة العلامة بالمكان، فإن الرمز الكثيف هو اللحظة التي تتكثف فيها طبقات متعددة من المكان والتاريخ والانتماء والتجربة داخل علامة واحدة، من دون افتراض أن لها معنى واحدًا نهائيًا.

إذا كانت الذاكرة المحلية تمنح العلامة سياقها، فإن الرمز هو الذي يمنح هذه الذاكرة قابلية الظهور والانتقال، غير أن بعض الرموز لا تؤدي وظيفة الإشارة إلى معنى واحد بقدر ما تختزن في داخلها طبقات متعددة من المعاني والتجارب والذكريات، حتى تبدو العلامة الصغيرة وكأنها تحمل وراءها عالمًا ثقافيًا كاملًا. ومن هنا يمكن الحديث عن الرمز الكثيف، لا بمعنى الرمز الذي يصعب فهمه، وإنما بمعنى الرمز الذي تتراكم داخله دلالات متعددة، بحيث لا يمكن اختزاله في تفسير واحد، لأن كل قراءة له تكشف طبقة من طبقاته دون أن تستنفد إمكاناته.

والوشم، في بعض سياقاته المحلية، يقدم مثالًا واضحًا على هذه الكثافة الرمزية؛ فالعلامة التي تبدو بسيطة في شكلها قد ترتبط بالمكان والذاكرة والانتماء والجمال والأنوثة والطقس والتجربة الشخصية، وقد تتغير دلالتها بحسب من يحملها، والبيئة التي تظهر فيها، واللحظة التاريخية التي تُقرأ من خلالها. ولذلك فإن محاولة اختزال الوشم في معنى قاموسي ثابت تفقده الجزء الأكبر من قوته الثقافية، لأن الرمز لا يعمل منفردًا، وإنما داخل شبكة من العلاقات التي تمنحه دلالته وتسمح له في الوقت نفسه بأن يتجاوزها.

إن كثافة الرمز تبدأ من علاقته بالجسد. فالرمز حين يكون على ورق أو حجر أو جدار يمكن أن يُقرأ بوصفه علامة منفصلة نسبيًا عن الشخص الذي يراه، أما حين يستقر على الجلد فإنه يدخل في علاقة مباشرة مع صاحب الجسد، ويصبح جزءًا من سيرته ومن حضوره الاجتماعي. وهنا تتداخل دلالة الرمز مع دلالة الجسد نفسه؛ فلا تعود العلامة تشير إلى شيء خارجها فقط، وإنما تصبح جزءًا من تعريف صاحبها وموقعه داخل جماعته. ولهذا فإن الوشم يمكن أن يجمع في مساحة صغيرة ما لا يمكن للنص الطويل أن يجمعه بالضرورة: علامة على الانتماء، وأثرًا للذاكرة، وإشارة إلى الجمال، وتعبيرًا عن التجربة، وربما أثرًا لطقس أو معتقد.

وهذه الكثافة لا تعني أن كل من يحمل الرمز يقرأه بالطريقة نفسها. فالرمز يعيش من خلال تعدد القراءات، وما يمنحه قوته ليس امتلاكه معنى واحدًا، وإنما قابليته لأن يدخل في علاقات جديدة. قد يكون الرمز في سياقه الأول مرتبطًا بجماعة أو ممارسة معينة، ثم ينتقل إلى فرد فيكتسب دلالة شخصية، وقد يعبر إلى بيئة أخرى فيصبح علامة على الاختلاف أو الغرابة، ثم يعاد اكتشافه في سياق فني أو جمالي، فيظهر بوصفه عنصرًا من عناصر الزينة. وفي كل مرة لا يختفي المعنى السابق بالضرورة، وإنما تضاف إليه طبقة جديدة. وهنا تتكون الكثافة: المعنى لا يُستبدل دائمًا، بل يتراكم.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم الرمز المحلي باعتباره نقطة التقاء بين أزمنة متعددة. فالعلامة قد تحمل أثرًا من الماضي، لكنها تظهر في الحاضر، وقد يقرأها جيل جديد بطريقة تختلف عن قراءة الجيل السابق لها، ومع ذلك تظل هناك صلة ما بين الطبقات. إن الرمز لا يعمل كوثيقة تعيد الماضي كاملًا، وإنما كأثر يتيح للماضي أن يدخل الحاضر بصورة مجتزأة ومتحولة. ولذلك فإن ما نراه على الجلد ليس الماضي نفسه، وإنما حضورًا معاصرًا لشيء ينتمي جزئيًا إلى ماضٍ سابق. وهذه المسافة بين الأصل والحضور هي التي تجعل الرمز مجالًا للتأويل.

وإذا كان الرمز الكثيف يجمع بين المكان والتاريخ والجسد، فإنه يجمع أيضًا بين الجماعة والفرد. ففي الوشم التقليدي يمكن أن تكون العلامة جزءًا من نظام رمزي مشترك، بحيث يعرف أفراد الجماعة ما تشير إليه، وتفهم داخل منظومة من العادات والتقاليد والانتماءات. لكن حين يحملها الفرد، فإنها لا تبقى ملكًا للجماعة وحدها، لأن الجسد الفردي يعيد امتلاكها وتأويلها. وبذلك يتحول الرمز من علامة جماعية إلى علامة شخصية دون أن يفقد بالضرورة أثره الجماعي. وهذا أحد أهم أشكال العبور التي يكشفها الوشم: انتقال الرمز من الذاكرة المشتركة إلى السيرة الفردية.

وتزداد كثافة الرمز عندما تتغير علاقته بالمكان. فالعلامة المحلية تكون في بدايتها شديدة الارتباط بالبيئة التي أنتجتها، لكن الإنسان يستطيع أن يحملها معه عندما يغادر تلك البيئة، فيتحول الجسد إلى مكان جديد للذاكرة. وهنا يحدث أمر بالغ الأهمية فلسفيًا: المكان لا يعود شرطًا وحيدًا لبقاء الرمز، لأن الجسد يستطيع أن يصبح حاملًا للمكان. فالذي يغادر القرية أو الريف أو الجماعة لا يغادر بالضرورة كل ما كان يربطه بها؛ يمكن أن يحمل بعض آثارها معه، فتنتقل الذاكرة من جغرافيا المكان إلى جغرافيا الجسد. وبذلك يصبح الوشم وسيلة لنقل المحلي خارج محليته الأولى.

وهذه الحركة تكشف أن كثافة الرمز ليست كثافة في المعنى فقط، وإنما كثافة في مسارات العبور. فالعلامة يمكن أن تعبر من المكان إلى الجسد، ومن الجسد إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الهوية، ومن الجماعة إلى الفرد. وكل عبور يضيف إليها إمكانًا جديدًا، ولذلك لا ينبغي البحث عن «المعنى الحقيقي» للرمز كما لو كان موجودًا في نقطة أصلية ثابتة، بل ينبغي تتبع ما يحدث له في رحلته بين السياقات. إن الرمز لا يكتسب قوته من كونه مغلقًا، وإنما من قدرته على أن يحمل طبقات مختلفة دون أن يفقد قابليته لأن يُقرأ من جديد.

ومن هنا أيضًا ينبغي الحذر من إسقاط معانٍ معاصرة على رموز قديمة أو افتراض استمرارية تاريخية مباشرة لمجرد التشابه في الشكل. فالتشابه قد يكون نقطة بداية للسؤال، لكنه ليس دليلًا كافيًا على وحدة المعنى أو استمرارية الرمز. إن المنظور العابر لا يسأل فقط: هل هذا الرمز هو نفسه؟ وإنما يسأل: ما الذي حدث للرمز أثناء عبوره؟ وما الذي فقده؟ وما الذي اكتسبه؟ وأي سياق جديد منحه معنى مختلفًا؟ بهذه الطريقة يصبح التحليل أكثر قدرة على التمييز بين الاستمرار الحقيقي وبين مجرد التشابه البصري، وبين الذاكرة الثقافية وبين اختراع الذاكرة بأثر رجعي.

والرمز الكثيف، بهذا المعنى، ليس رمزًا ساكنًا تتراكم حوله المعاني من الخارج، وإنما هو بنية حية يعاد إنتاجها كلما دخلت في علاقة جديدة. إنه أشبه بنقطة تتقاطع فيها خطوط متعددة: خط المكان، وخط التاريخ، وخط الجسد، وخط الجماعة، وخط الفرد. وكلما عبر الرمز من خط إلى آخر تغيرت زاوية ظهوره، لكن ذلك التغير لا يعني بالضرورة فقدان هويته، بل يمكن أن يكون هو نفسه شرط استمرارها.

وهنا يمكن القول إن كثافة الرمز هي إحدى صور التعدد السيال للهوية الجسدية؛ فالهوية التي يحملها الجسد لا تأتي من مصدر واحد، وإنما تتكون من طبقات متداخلة من الانتماءات والذكريات والتجارب والاختيارات. والوشم يكثف هذه الطبقات في علامة واحدة، ولذلك فإن الجسد الموشوم لا يقدم لنا هوية جاهزة، بل يقدم نصًا متعدد الطبقات يحتاج إلى القراءة والتأويل. ومن ثم يصبح الرمز الكثيف مدخلًا لفهم الجسد لا بوصفه سطحًا مكتوبًا فقط، وإنما بوصفه فضاءً تتجاور داخله أزمنة وثقافات وانتماءات مختلفة.

وعليه، فإن الرمز لا يستمد قدرته على البقاء من ثبات معناه، بل من قدرته على حمل التحول. وكلما استطاع أن ينتقل من سياق إلى آخر دون أن ينغلق على قراءة واحدة، أصبح أكثر قابلية للاستمرار. ومن هنا تتأكد فلسفة العبور في صورتها الأولى داخل تجربة الوشم: العلامة المحلية لا تعيش لأنها بقيت في مكانها، والرمز لا يستمر لأنه احتفظ بمعناه الأول، وإنما لأن كليهما استطاع أن يعبر من سياق إلى سياق، وأن يحمل بعض ماضيه إلى حاضر مختلف، وأن يفتح لنفسه إمكانًا جديدًا للظهور.

فالرمز الكثيف هو في النهاية ذاكرة مضغوطة في علامة، وتاريخ متجسد في صورة، وانتماء قابل للحركة، ومعنى لا يكتمل إلا بعبوره. ومن هذه النقطة يمكن الانتقال من الجنوب بوصفه مجالًا لتكثيف الذاكرة والرمز إلى البيئات العراقية الأخرى، حيث لا تختفي العلامة، وإنما تتغير طرائق تكثيفها للهوية والانتماء والمكان، لتكشف أن الجسد العراقي لا يحمل رموزًا متعددة فحسب، بل يحمل مسارات متعددة لعبور المعنى.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

في المثقف اليوم