عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

سعد عبد المجيد: الشراهة.. حين تتعدى الرغبة حدودها

من أجمل الصفات التي يتحلى بها الإنسان فضيلة القناعة؛ فهي التي تمنحه الطمأنينة، وتجعله قادرًا على التمييز بين ما يحتاج إليه حقًا وما يرغب فيه لمجرد إشباع نزوة عابرة. وفي المقابل، تُعد الشراهة من الصفات التي ذمّتها الأديان والحكماء والفلاسفة، لأنها تجعل الإنسان أسيرًا لرغبات لا تنتهي، فتسلبه راحته وصحته واستقراره.

رافق مفهوم الشراهة الإنسان منذ القدم. ففي التراث العربي والإسلامي عاب الحكماء الإفراط في الأكل، وعدّ الإمام الغزالي شره الطعام من منابع الشهوات التي تجرّ الإنسان إلى كثير من الرذائل. وفي الفكر المسيحي في العصور الوسطى صُنّفت الشراهة ضمن الخطايا السبع المميتة، لأنها تعكس عجز الإنسان عن ضبط رغباته. كما لم يغفل الأدب العالمي هذا المعنى؛ فجسّدها شكسبير رمزًا للطمع والفساد في بعض شخصياته، بينما ظهرت في عدد من الروايات الكلاسيكية بوصفها تعبيرًا عن فراغ روحي أكثر منها حاجة جسدية. وهذا الامتداد التاريخي يؤكد أن الشراهة حالة إنسانية تتكرر كلما تجاوزت الرغبة حدود الاعتدال.

يمكن تعريف الشراهة بأنها الإفراط وتجاوز الحد في الاستهلاك أو التعلق بشيء ما. ويرتبط المصطلح غالبًا بالنهم في الطعام وتناول كميات كبيرة من دون وجود جوع حقيقي، وقد يصل في بعض الحالات إلى اضطراب الأكل القهري، حيث يفقد الإنسان قدرته على التحكم فيما يتناوله.

كما أن الشراهة تشمل كل رغبة تتجاوز حدود الحاجة المعقولة. فقد تكون في الاستهلاك والشراء، أو في استخدام وسائل التواصل والشاشات، أو في العمل، أو في طلب الاهتمام، أو في جمع المال والسلطة والشهرة. والقاسم المشترك بين هذه الصور جميعًا هو فقدان القدرة على الاكتفاء والسيطرة على الذات، حتى تتحول الرغبة من وسيلة لخدمة الإنسان إلى قوة تستعبده.

وربما تكون أبرز صور الشراهة هي شراهة الطعام. فقد يشعر الإنسان بالشبع، لكن عينيه ولسانه يدفعانه إلى المزيد، حتى تتحول المائدة إلى ساحة لإشباع الشهوة لا لسد الجوع. وقد أثبتت الدراسات الطبية أن الإفراط في الطعام يرتبط بالسمنة، وداء السكري، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، واضطرابات الجهاز الهضمي، وغيرها من الأمراض التي أصبحت من أبرز أسباب الوفاة في العالم.

وأصبحت الشراهة في عصرنا ثقافة استهلاكية تغذيها الإعلانات ووسائل التواصل الاجتماعي. فكم منا يدخل متجرًا ليشتري غرضًا واحدًا، ثم يخرج محملًا بأشياء لم يكن بحاجة إليها أو ينوِ شراءها! وكم من أسرة تستنزف دخلها في الكماليات تحت تأثير التخفيضات والعروض، ووهم أن امتلاك المزيد هو الطريق إلى السعادة.

وربما يغفل كثير منا ما تقوم به الشركات الكبرى التي تستعين بعلماء النفس قبل خبراء التسويق، لتعرف كيف تخاطب عاطفة الناس، وتثير شعورهم بالنقص، وتوهم الإنسان بأن قيمته الاجتماعية تزداد كلما امتلك أكثر. وهكذا تتحول الرغبة إلى حاجة متوهمة، ثم تتحول الحاجة إلى إدمان على الاستهلاك.

وتمتد آثار ذلك إلى الأسرة والمجتمع؛ فالإسراف في الإنفاق يربك ميزانية المنزل، ويزيد الضغوط المالية، ويوقع بعض الأسر في الديون، ويخلق خلافات بين الزوجين بسبب سوء إدارة الموارد. والحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن كل دخل، مهما ارتفع، يبقى محدودًا إذا كانت الرغبات بلا حدود.

وللشراهة صور أخرى قد تكون أشد خطرًا من شراهة الطعام والشراء. فهناك شراهة جمع المال، حين يتحول المال من وسيلة للعيش الكريم إلى غاية في ذاته، فيسعى صاحبه إلى جمعه بأي وسيلة، مشروعة كانت أم غير مشروعة، حتى لو كان ذلك على حساب الضمير والقيم. وكثير من قضايا الفساد المالي والاختلاس والرشوة ليس سببها الفقر، وإنما الجشع الذي لا يعرف الاكتفاء.

والمال زينة الحياة الدنيا كما وصفه الخالق سبحانه وتعالى، وهو ضرورة لا تستقيم الحياة من دونه، لكن له حدًا تتحقق عنده الحاجة، ويبدأ بعده الترف، ثم يتحول أحيانًا إلى طغيان. وقد بلغ الجشع ببعض الناس أن جمعوا ثروات تفوق قدرتهم على الاستفادة منها، على الأقل خلال حياتهم، فأصبحت الأموال مكدسة في أكياس النفايات أو مخابئ سرية قذرة، كالمجاري مثلًا، يحرسونها أكثر مما ينتفعون بها. وهكذا يفقد المال معناه الحقيقي، ويتحول من نعمة إلى عبء، ومن وسيلة إلى هاجس. وأغلب الظن أن كثيرًا من هؤلاء محرومون من النوم بسبب خوفهم على المال، والقلق الذي يساورهم، والتفكير بعواقب أفعالهم في الدنيا والآخرة. وها هم قد أخزاهم الله في الدنيا قبل الآخرة.

وهناك أيضًا شراهة السلطة، حين يتعلق الإنسان بالمنصب ويظن أن قيمته تنبع منه، لما يشعر به من نقص لا يكتمل إلا بالسلطة، فيرفض التخلي عنها، ويقدم مصلحته الشخصية على مصلحة المجتمع. وكذلك شراهة الشهرة، التي تدفع بعض الناس إلى البحث عن الأضواء بأي ثمن، حتى لو كان ذلك بالتضحية بالمبادئ والتخلي عن القيم والأخلاق، كما نراه اليوم في كثير من مجتمعاتنا، حتى المحافظة منها. وقد تمتد الشراهة إلى العلاقات الإنسانية، فيرغب الإنسان في امتلاك الآخرين والسيطرة عليهم، أو يطلب الاهتمام والثناء بما ليس فيه، وبصورة لا تشبعها أي كمية من التقدير.

ومن صور الشراهة أيضًا الشراهة في العلاقات العاطفية والجنسية، حين لا يكتفي الإنسان بما أحلّه الله له، مهما كان ما يملكه من محبة أو استقرار أو حياة زوجية سعيدة. فهناك من يظن أن كثرة العلاقات أو تعدد الشركاء دليل على الرجولة أو النجاح، بينما هي في حقيقتها عجز عن ضبط الرغبة وعدم قدرة على الاكتفاء. ولهذا قد يلجأ بعضهم إلى الخيانة الزوجية، لا لأن شريك حياته مقصر، بل لأن شهوته لا تعرف حدًا، فيظل يبحث عن الجديد دون أن يبلغ الرضا. ومثل هذه الشراهة تمزق الأسرة، وتترك آثارًا نفسية عميقة في الأبناء، وتحوّل العلاقة الإنسانية، التي ينبغي أن تقوم على المودة والوفاء، إلى مجرد وسيلة لإشباع رغبة لا تنتهي

ومن الناحية النفسية، كثيرًا ما تكون الشراهة محاولة لملء فراغ داخلي. فبعض الناس يأكل عندما يحزن، ويشتري عندما يضيق صدره، ويجمع المال خوفًا من المستقبل، ويسعى إلى المناصب هربًا من الشعور بالنقص. ولذلك فإن علاج الشراهة لا يكون إلا ببناء شخصية متوازنة تعرف قيمة الرضا، وتستمد إحساسها بقيمتها من ذاتها لا من ممتلكاتها ولا من نظرة الآخرين إليها.

وللتربية دور محوري في الوقاية من هذه الصفة؛ فالطفل الذي يتعلم منذ صغره تأجيل رغباته، واحترام المال، والتمييز بين الحاجة والكماليات، يكبر وهو أكثر قدرة على ضبط نفسه. أما إذا اعتاد أن تُلبّى جميع طلباته فورًا، فقد ينشأ وهو يعتقد أن العالم كله وُجد لإشباع رغباته.

لقد قامت الحضارات على مبدأ الاعتدال، وكان الحكماء يرون أن الفضيلة تكمن في الوسطية، بين الإفراط والتفريط. فالإنسان يحتاج إلى الطعام، لكن دون إسراف، ويحتاج إلى المال، لكن دون أن يستعبده، ويحتاج إلى النجاح، لكن دون أن يتحول إلى هوس يلتهم حياته.

إن الشراهة فراغ في النفس وليست خواء المعدة، ولا تسدها كثرة الممتلكات، لأنها عجز عن الشعور بالاكتفاء. أما القناعة فلا تعني الزهد في الحياة أو رفض النعم، وإنما تعني أن يملك الإنسان الأشياء، لا أن تملكه الأشياء.

ولا يمكن أن نعدّ كل الرغبات الإنسانية شراهة؛ فالرغبة جزء من الطبيعة الإنسانية، ولا تقوم الحياة من دون طموح أو سعي إلى الأفضل. لكن الشراهة تبدأ عندما يفقد الإنسان القدرة على أن يقول لنفسه: «كفى»، وعندما تصبح رغباته بلا نهاية، ويغدو الشعور بالاكتفاء مستحيلًا.

ولعل الفرق الجوهري بين الإنسان الذي يقود رغباته والإنسان الذي تقوده رغباته هو القدرة على وضع حد لها. فالحضارات لم تُبنَ على إطلاق الشهوات، ولم تزدهر المجتمعات بكثرة ما امتلكت. ومن هنا، فإن الشراهة ليست انتصارًا للرغبة بقدر ما هي هزيمة للإرادة.

ولعل أجمل ما نختم به هو أن السعادة لا تُقاس بحجم ما نقتنيه، وإنما بقدرتنا على أن نعرف متى نكتفي. فالإنسان يكون غنيًا عندما لا يعود محتاجًا إلى كل شيء، وتبقى كلمة «يكفي» أقصر الطرق إلى الحرية والسلام الداخلي.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

في المثقف اليوم