عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أحمد فاتح محمد: سقوط الدستور بالتقادم الحمضي

دراسة في التحلل الكيميائي للنص الأسمى

إن دراسة فاعلية القاعدة الدستورية تقتضي مغادرة الفهم الجامد للنصوص بوصفها مجرد صياغات لغوية مكتوبة، والتحول نحو فهمها كـ مركبات كيميائية غير مستقرة تخضع لقوانين التفاعل والتحلل عند نزولها إلى مختبر الواقع الاجتماعي. من المنظور الفلسفي الرصين، فإن "الالتزام الدستوري" هو المادة الحيوية التي تضمن تماسك الدولة القانونية؛ إلا أن هذه المادة تصاب بـ التحلل الحمضي بفعل الممارسات الكيميائية للسلطة التنفيذية التي تعيد هندسة المجتمع داخل محاليل امتثال مصطنعة.

في الكيمياء تذوب بعض المواد تماماً في محلول معين لتفقد هويتها وتصبح جزءاً منه، بينما تترسب مواد أخرى وتتكثف وترفض الذوبان. هذا هو عين ما تبحث فيه فلسفة القانون؛ حيث تحاول السلطة التشريعية دائماً وضع المجتمع في "محلول طاعة" متجانس. المواطن البسيط يذوب ويمتثل للنصوص فوراً خوفاً من المسؤولية التقصيرية، ليتحول إلى عنصر مستهلك داخل المحلول، في حين أن مراكز النفوذ والمال تشبه العناصر الثقيلة غير القابلة للتحلل، تظل طافية فوق المحلول القانوني دون أن تتأثر بخصائصه الحامضية، بل وتمتلك طاقة ارتباط هائلة عبر روابط تساهمية  تجعل امتيازاتها الدستورية محصنة ضد التفكك مهما بلغت درجة حرارة المتغيرات الاجتماعية.

وفي المقابل يفرز الوسط الحامضي للإدارة تركيزات عالية من "القرارات الفرعية والتعاميم الفوقية" التي تعمل على تفكيك الروابط الجزيئية للحقوق الممنوحة للأفراد. هذا الوسط الحمضي الإداري لا يلغي النص الدستوري صراحة—لأن مبدأ السمو الدستوري يمنع التفكك المباشر—ولكنه يؤدي إلى إذابة فاعليته التشغيلية والتعامل مع الضمانات المقررة للمواطنين كـ مركبات سريعة التسامي تتبخر وتحتحول إلى غازات غير مرئية بمجرد ملامستها لمصالح السلطة وتحت شعارات "النظام العام" الفضفاضة. إننا أمام عملية سقوط للحق بالتقادم الحمضي، حيث يفقد المركّب الدستوري الأسمى خواصه الأساسية ويتحول إلى راسب لا أثر له في حركية التضامن الاجتماعي.

إن هذا التحلل الكيميائي لا يتوقف عند النص، بل يمتد لـ أكسدة  جهات الرقابة الدستورية نفسها. فعندما يصيب الصدأ الإداري المحاكم العليا، تفقد "قرينة البراءة" و"العدالة التقديرية" مفعولها الحيوي، وتتحول من درع لحماية الحقوق إلى مادة خاملة كيميائياً لا تفيد في لجم انحراف السلطة وتمرير الغش التدليسي. إن كيمياء التشريع تؤكد حتمية علمية: إن استمرار تركيز الأحماض الإدارية على البناء الدستوري، وعزل عناصر المجتمع الضعيفة داخل محاليل الإكراه، سيقود حتماً إلى تجاوز نقطة التشبع المعياري، وعندها سينفجر المحلول الاجتماعي بأكمله نتيجة لغياب توازن المعادلات الحاكمة للعدالة.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

في المثقف اليوم