عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أكرم عثمان: من يلوك أخبار الناس ليس كمن يصنع الأفكار والتغيير

يمكن للإنسان أن يكشف عن مستوى وعيه ومعرفته وثقافته وانشغالاته واهتماماته من خلال موضوعات حديثه في مجالسه؛ فالكلمات ليست مجرد أحاديث عابرة أو أصوات نتحدث بها دون تفسير أو تحليل، وإنما هي مرآة لما يشغل فكرنا وعقولنا وقلوبنا. ومن يتأمل أحاديث الناس يجد تفاوتاً واضحاً وبيناً في اهتماماتهم ونقاط التركيز في حياتهم؛ فمنهم من يعيش في عالم الأشخاص، ويدور في فلكه، ويشغل همه ووقته، ومنهم من يعيش في عالم الأحداث ومجرياتها ومشكلاتها وهمومها التي تكثر يومًا بعد يوم، ومنهم من يرتقي إلى عالم الأفكار والمعرفة والحكمة، فيشغل همه بالأحاديث المفيدة والمعبرة التي تترك بصمة واضحة في صناعة الأثر والإيجابية، وفي المعرفة والمهارات والقيم والتوجهات الإيجابية التي تبني عالماً من النفع والخيرية. وهذا لا يعني أن الناس ثلاثة أصناف جامدة لا تتغير، وإنما هي درجات في الاهتمام وطريقة النظر إلى الحياة.

الصنف الأول: من ينشغل بالأشخاص

هذا الصنف يجعل الناس محور حديثه؛ يتابع أخبارهم وأحوالهم، ويتحدث عن تصرفاتهم وأفعالهم، ويرصد حركاتهم وعلاقاتهم، ويعرف تفاصيل حياتهم كأنه يعيش معهم وبينهم، ثم يحمل ذلك إلى المجالس في صورة نقد أو حكايات أو تعليقات أو روايات. وقد يتحول هذا الانشغال بالناس إلى غيبة ونميمة وسوء ظن وتتبع لعورات الآخرين، ولذلك جاء التحذير القرآني واضحاً: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾  الحجرات: 12]

فالإنسان الذي يجعل حياته مراقبة للآخرين يهدر جزءاً كبيراً من عمره في الانشغال وارتكاب السلبيات والسيئات، فيما يعجز عن تهذيب شخصيته وتنميتها بكل ما فيه الخير والمنفعة له؛ فهو لا يضيف إلى معرفته، بل قد يورطه في حقوق الآخرين وآثام اللسان والجوارح، بل يشعر بالهم والغم والشعور باليأس والاكتئاب النفسي من جراء ما ينشغل به من واقع الناس، يلوك بهم لسانه وينسى نفسه التي تحتاج إلى تهذيب وتربية وتنقية من درن الأفعال السلبية، وتجنب مراقبة الناس والخوض في شؤونهم الخاصة والتطاول عليهم.

فالأولى أن يهذب نفسه، ويلجمها عن الخوض في أعراض الأشخاص، والتحدث عنهم بما لا يليق بهم أو لا يقبله على نفسه. وليس معنى ذلك أن الحديث عن الناس مرفوض دائمًا، فهناك حديث مشروع ونافع تدعو إليه الحاجة، عندما يتحدث شخص بامتداح تصرفات وأفعال أناس آخرين، أو عندما يشعر بمظلمة فمن حقه أن يطلب رد حقه، وينصفه أحد، ويدعمه ويساعده. لكن المشكلة أن يصبح الآخرون مادة الحديث الدائمة، ومحور الاهتمام المستمر، دون طائل من هذه الأفعال والمسلكيات التي تضر ولا تنفع.

الصنف الثاني: من ينشغل بالأحداث

وهذا الصنف أكثر اتساعاً في اهتمامه من سابقه، وأكثر إيجابية من الصنف الأول؛ فهو يتابع ما يحدث في المجتمع والعالم، ويتحدث عن الأخبار والوقائع والتغيرات، ويقول: حدث كذا، ووقع كذا، وقالوا كذا، وتغيرت الأمور. ولا شك أن الوعي بالواقع ومعرفة ما يجري أمر مهم، فالإنسان لا ينبغي أن يعيش منفصلًا عن مجتمعه وعصره. إنما الوعي بالأحداث لا يعني أن يتحول الإنسان إلى مجرد ناقل للأخبار دون الاستفادة منها وتوظيفها بشكل جيد ونافع في شؤون الحياة ومواقفها.

فالقرآن الكريم يعلمنا التثبت من الأخبار والتبين منها، مخافة ألا تكون صادقة أو حقيقية، فينقل المرء شائعات تحدث فوضى وبلبلة في واقع المجتمع، وتزيد من الهلع والخوف، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]

وقال النبي ﷺ: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع» رواه مسلم. فليس المهم أن تعرف كل خبر، وإنما المهم أن تعرف ما يستحق أن تعرفه أو يتم التعرف إليه، وأن تتحقق مما تسمعه من الآخرين، وأن تفهم ما وراء الحدث، وأن تستفيد منه.

أما الصنف الثالث، فهو الصنف الأرقى: من ينشغل بالأفكار والمعرفة

هذه الشخصية لا تتوقف عند الأشخاص، ولا تكتفي بترديد الأحداث، وإنما تتجاوز ذلك إلى السؤال عن المعاني والدروس والحلول. وتتناول الأفكار النافعة والعلوم التي تجلب المنفعة للمجتمع، وتصنع التغيير الملائم الذي يحدث قفزة كبيرة، ويحدث تعديلاً في عقول الناس ونفوسهم. وإذا وقع حدث، لا يكون سؤاله فقط: ماذا حدث؟ بل يسأل: لماذا حدث؟ وما الذي يمكن أن نتعلمه منه؟ وكيف نستفيد من التجربة؟ وما الذي يمكن أن نفعله حتى يكون المستقبل أفضل؟

وهنا يتحول الإنسان من مستهلك للأحداث إلى قارئ ومحلل لها، ومن ناقل للأخبار إلى صاحب رؤية ورسالة، ومن متابع للحياة إلى مشارك في صناعة أثرها وبصمتها الإيجابية. وهذا قريب من المنهج القرآني في النظر إلى الأحداث واستخراج العبرة منها، قال تعالى:﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾[الحشر: 2]

فالقرآن لا يريد من الإنسان أن يمر على الأحداث مرورًا عابرًا دون هدف أو عبرة، وإنما يريد منه أن ينظر ويتأمل ويتفكر ويعتبر. ومن هنا يمكن القول إن هناك فرقاً بين شخص يتحدث عن الحدث، وشخص يفهم الحدث، وشخص يستخرج من الحدث فكرة ودرسًا يجلب به النفع لنفسه والآخرين من حوله.

إن الشخصية الراقية لا تعني أنها لا تعرف أخبار الناس، ولا تعني أنها لا تتابع الأحداث والمواقف اليومية، وإنما تعني أن هذه الأمور ليست هي عالمها كله. فهي تعرف الناس دون أن تنشغل بعيوبهم، وتتابع الأحداث دون أن تغرق فيها، وتقرأ الواقع بعين مبصرة وواعية، ثم تعود إلى عالم الأفكار والقيم والمعرفة والعمل بها حتى تتحقق الفائدة المرجوة. وقد قال الله تعالى:﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾

 [ق: 18] ،،، وقال رسول الله ﷺ:«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» متفق عليه.

وهنا تكمن عظمة الإنسان: ليس في كثرة كلامه، وإنما في نوعية كلامه.فقد يجلس الإنسان ساعة كاملة ويتحدث عن فلان وفلان، ثم ينصرف من مجلسه دون أن يضيف شيئاً إلى عقل أحد أو قلبه إلا الآثام والمعاصي وارتكاب الأخطاء. وقد يجلس آخر فيتحدث عن حدث من أحداث الحياة، فينقل خبرًا وينتهي الأمر دون أن يكون له حضور وبصمة يتناول آثاره وتأثيره على نفسه والناس من حوله، وقد قيل: «إن لم نعتبر مما حدث، فكيف نصلح شؤوننا وأحوالنا؟»

لكن هناك إنساناً ثالثاً قد يتحدث دقائق معدودة، فيزرع فكرة، أو يقدم معرفة، أو يفتح باباً للأمل والتفكير، أو يوقظ همة ويحفز من حوله ويدفعهم، أو يقدم تجربة فينفع بها غيره، أو يستخرج حكمة من موقف فيصنع شيئاً صالحاً، وهذا هو الإنسان الذي تصبح مجالسه إضافة، وحديثه قيمة، ووجوده أثراً.

إن الرقي الحقيقي لا يظهر فقط في المظهر أو الشهادة أو المنصب، وإنما يظهر في مستوى التركيز والاهتمام، وعمق التفكير، ونوعية الحديث وطريقة تناوله وسرده. فكلما ارتقى الإنسان، انتقل من مراقبة الناس وشؤونهم إلى فهم الحياة والارتقاء بها، ومن متابعة الأحداث إلى تحليلها، ومن نقل المعلومات إلى إنتاج المعرفة، ومن الحديث الذي يستهلك الوقت إلى الحديث الذي يصنع الوعي، فيزيل الجهل والظلمة المستشرية في النفوس والعقول.

ولذلك فلنسأل أنفسنا دائماً: ما أكثر شيء نتحدث عنه؟ هل نلوك أخبار الناس، ونتطاول عليهم، ونتتبع آثارهم وخصوصياتهم وشؤونهم؟ أم نستهلك الأحداث وتستهلكنا المشكلات والهموم؟ أم نتبادل الأفكار والمعارف والتجارب التي تبني الإنسان والمجتمع؟ إن الإجابة عن هذا السؤال قد تكشف لنا شيئًا مهمًا عن مستوى نضجنا الفكري ومستوى الوعي الذي نمتلكه.

وفي النهاية، ليس المطلوب أن نترك الحديث عن الناس، بل أن نمتدح أجلهم وأفضلهم، ولا أن نهجر الأخبار، بل أن نستلهم منها المواعظ والدروس، وإنما المطلوب أن نرتقي بحديثنا؛ فإذا تحدثنا عن الأشخاص تحدثنا بالخير والعدل، وإذا تحدثنا عن الأحداث تحدثنا بوعي وتثبت دون مبالغة أو تهويل، وإذا وصلنا إلى الأفكار جعلناها وسيلة للمعرفة والبناء والإصلاح.

فطوبى لمن إذا تكلم نفع، وإذا علم أفاد، وإذا رأى حدثاً اعتبر، وإذا حضر مجلسًا أضاف إليه، وكان كالمطر إذا وقع نفع، وإذا غادره ترك وراءه فكرة جميلة، أو كلمة طيبة، أو أثراً حسناً ومميزاً.

فمستوى الإنسان لا يقاس فقط بما يعرف، بل بما يشغله، وبما يتحدث عنه، وبما يتركه من أثر وحضور.

***

د. أكرم عثمان

21-8-2026

في المثقف اليوم