عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

عماد خالد رحمة: حين انشقَّ الفجر عن نور الرسالة

في مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومعنى الاحتفاء بالنبوة

ليست بعض اللحظات في التاريخ محكومةً بمقياس الزمن؛ فالزمن، وإن كان يمرّ على الأشياء جميعاً، لا يستطيع أن يساوي بين لحظةٍ وأخرى، ولا بين مولدٍ ومولد، ولا بين فجرٍ يطلع على مدينة، وفجرٍ يطلع على الإنسانية. ثمة لحظات لا تُقاس بالساعات، لأنها تُقاس بما تُحدثه في الوعي من انقلاب، وفي الروح من يقظة، وفي التاريخ من انتقالٍ من حالٍ إلى حال.

وفي مثل تلك اللحظة، انشقَّ فجر مكة عن نورٍ لم يكن نوراً عابراً في سماء الجزيرة، بل كان إيذاناً بميلاد الرسالة الخاتمة؛ فكان مولد محمد صلى الله عليه وسلم في الوجدان الإسلامي أعمق من أن يُختزل في تاريخ، وأكبر من أن يُحاصر في طقس، وأبقى من أن يكون مجرد ذكرى تُستعاد كل عام ثم تنطفئ أنوارها بانطفاء الاحتفال.

لقد وُلد محمد صلى الله عليه وسلم في بيئةٍ أنهكتها الوثنية، وتنازعتها العصبية، واستبدّت بها القسوة، فجاءت رسالته لتعيد ترتيب علاقة الإنسان بنفسه، وبربه، وبالآخر، وبالكون. ولذلك فإن الحديث عن مولده لا ينبغي أن يقف عند لحظة الولادة، بل ينبغي أن يتجاوزها إلى السؤال الأعمق: ما الذي وُلد مع صلى الله عليه وسلم ؟

وُلدت رسالةٌ جعلت التوحيد تحريراً، والعلم عبادةً، والرحمة مبدأً، والعدل ميزاناً، والإنسان مكرّماً لكونه إنساناً. وُلد مشروعٌ أخلاقي وحضاري امتد أثره في التاريخ، وغيّر وجه الجزيرة، ثم تجاوز حدودها إلى آفاق العالم.

وهنا يصبح مولده صلى الله عليه وسلم، ليس مجرد حادثة في الماضي، بل سؤالاً للحاضر: ماذا بقي فينا من محمد؟ وماذا بقي من رسالته في أخلاقنا، وفي عدالتنا، وفي علاقتنا بالضعفاء، وفي صدقنا، وفي قدرتنا على أن نجعل الدين سلوكاً حيّاً لا مجرد شعار؟

المولد بين الذكرى والرسالة:

قد اختلف المسلمون في مسألة الاحتفاء بذكرى المولد النبوي؛ فمنهم من رأى فيه وسيلةً مشروعة لإظهار المحبة وتعظيم السيرة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من رأى أن تخصيص يومٍ بعينه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، فآثر الوقوف عند ما ثبت من الهدي.

وهذا الخلاف، بوصفه خلافاً فقهياً، له مجاله وأدلته ومناهجه، ولا ينبغي أن يتحول إلى ميدانٍ للتبديع المتبادل أو التشاحن أو تمزيق وحدة المسلمين.

لكن ثمة مساحةً أوسع ينبغي أن يلتقي فيها المختلفون جميعاً: محبة النبي صلى الله عليه وسلم، ومعرفة سيرته، والصلاة عليه، والاقتداء بأخلاقه، وتعظيم القرآن الذي جاء به، والعمل بهديه.

فإذا كان قومٌ يحيون ذكرى مولده، فليكن إحياؤهم قائماً على العلم والسيرة والصلاة عليه وإطعام الطعام والصدقة والأخلاق، بعيداً عن الغلو ومجاوزة ما يليق بمقام النبوة.

وإذا كان آخرون لا يرون تخصيص هذه الذكرى، فليكن رفضهم للطقس مدخلًا إلى مزيدٍ من الاتباع والاقتداء، لا ذريعةً إلى الجفاء أو الانتقاص من محبة الآخرين.

فالاختلاف في صورة الاحتفاء ينبغي ألا يحجب الاتفاق على جوهر المحبة والاتباع.

مولد الإنسان الذي صار ميلاده ميلاد رسالة:

لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم، مجرد شخصية عظيمة ظهرت في التاريخ ثم تركت أثراً وانصرفت؛ وإنما كان نبياً ورسولاً اصطفاه الله لحمل خاتمة الوحي.

ولهذا فإن أعظم ما في مولده ليس أنه وُلد رجلٌ عظيم، بل أنه كان ميلاد الإنسان الذي سيحمل أمانة الرسالة الخاتمة.

قال تعالى:

﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.

فالنبوة المحمدية ليست مجرد حلقة أخرى في التاريخ الديني؛ إنها خاتمة النبوات، ورسالة موجهة إلى الناس كافة.

ومن هنا لا يكون تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم، في تحويله إلى أسطورةٍ خارقة للإنسانية، وإنما في فهم عظمة ما اصطفاه الله له، وفي الاقتداء بكماله الأخلاقي والإنساني في حدود ما شرعه الله.

من «اقرأ» بدأ التحول:

ربما كان من أعمق المفاتيح لفهم الرسالة المحمدية أن أول الوحي بدأ بالأمر:

﴿اقْرَأْ﴾.

لم يبدأ المشروع الحضاري المحمدي بتقديس الجهل، ولا بإلغاء العقل، ولا بإغلاق أبواب السؤال؛ وإنما بدأ بالكلمة التي فتحت أبواب المعرفة.

ولذلك فإن الأمة التي تريد أن تحتفي برسولها حقاً لا ينبغي أن تجعل علاقتها بالقراءة علاقةً موسمية، ولا بالعلم علاقةً هامشية.

إن من مقتضيات الانتساب إلى الرسالة أن نعيد الاعتبار إلى:

العلم، والكتاب، والتفكير، والتدبر، والنقد، والبحث، وإعمال العقل.

فالاحتفاء بالنبي صلى الله عليه وسلم، لا يليق أن يتحول إلى لحظة عاطفية خالية من المعرفة؛ لأن الرسول الذي جاء بالوحي جاء أيضاً بمنظومةٍ معرفية وأخلاقية أعادت تشكيل الإنسان.

الرسالة المحمدية: تحرير الإنسان من الإنسان:

كان التوحيد في الرسالة المحمدية أكثر من قضية عقدية؛ كان انقلاباً في بنية الوجود الإنساني.

حين يقول الإنسان: لا إله إلا الله، فإنه لا يعلن إيمانه بالله فحسب، بل يتحرر من تأليه البشر، ومن الخضوع المطلق للأصنام، ومن تقديس القوة والثروة والنسب.

ولهذا كان الإسلام، في جوهره، دعوةً إلى تحرير الإنسان من كل عبوديةٍ تُذله لغير الله.

ومن هنا جاءت الرسالة لتعيد تعريف الكرامة:

لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لقوي على ضعيف، ولا لغني على فقير بسبب القوة أو المال، وإنما المعيار الأخلاقي هو التقوى والعمل الصالح.

وهذه ليست فكرةً تاريخيةً انتهى زمانها؛ إنها ما تزال سؤالًا ملحاً في عالمٍ تتسع فيه الفوارق، وتتعاظم فيه سلطة المال، ويُختزل الإنسان أحياناً في قدرته الشرائية أو موقعه الاجتماعي.

الرحمة: الوجه الأعمق للرسالة:

قال تعالى في كتابه العزيز:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.

ولم يقل: رحمةً للمسلمين وحدهم، وإنما قال: للعالمين.

وهنا تكمن عظمة المفهوم.

فالرحمة المحمدية ليست انفعالًا عابراً، بل أخلاقٌ وممارسةٌ ومسؤولية.

أن ترحم الضعيف.

أن تحفظ حق اليتيم.

أن تصون كرامة المرأة.

أن تحسن إلى الجار.

أن تعفو حين تقدر.

أن تعدل حين تختلف.

أن تكون رحيمًا بالحيوان.

أن ترفض الظلم ولو كان واقعًا على من تخالفه.

وأن تدرك أن قوة الإيمان لا تظهر في ارتفاع الصوت، وإنما في انخفاض الأذى.

ومن أعظم صور الاحتفاء بالنبي صلى الله عليه وسلم، أن تتحول سيرته فينا من نصٍّ محفوظ إلى سلوكٍ معاش.

محمد صلى الله عليه وسلم، والإنسان قبل الانتصار

إن قراءة السيرة قراءةً عميقة تكشف أن عظمة النبي صلى الله عليه وسلم، لم تكن في الانتصار وحده؛ بل في الطريقة التي تعامل بها مع الإنسان في النصر والهزيمة، في القوة والضعف، في الخلاف والصلح.

لقد كان قادراً على أن يجعل من القوة انتقاماً، لكنه جعلها في مواضع كثيرة عفواً.

وكان يستطيع أن يجعل من الاختلاف ثأراً، لكنه جعل منه في مواضع أخرى باباً للحوار.

وهنا ينبغي أن نعيد اكتشاف السيرة بعيداً عن القراءة التي تختزلها في الغزوات والأحداث العسكرية وحدها؛ فالسيرة أيضاً مدرسة في بناء الإنسان.

كان الرسوم محمد صلى الله عليه وسلم زوجاً، وأباً، وصاحباً، وقائداً، وقاضياً، ومعلّماً، ومصلحاً؛ وفي كل هذه الأدوار كان الإنسان حاضراً في مركز الرسالة.

المولد الحقيقي: حين يولد النبي محمد في أخلاقنا:

إذا أردنا أن نبحث عن المعنى الأعمق للمولد، فلعلنا لا نجده في كثرة الزينة، ولا في ارتفاع أصوات المدائح، ولا في كثرة الكلمات التي تقال عنه، وإنما في سؤال بسيط وقاسٍ:

هل وُلد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في أخلاقنا؟

إذا كنا نذكر رحمته ونحن نقسو على الضعيف، فما الذي بقي من الذكرى؟

إذا كنا نصلي عليه ثم نظلم الناس، فأين أثر المحبة؟

إذا كنا نمدحه ثم نخون الأمانة، فكيف نكون من أهل الاقتداء؟

إذا كنا نرفع اسمه في المجالس ثم نكذب في معاملاتنا، فما قيمة الاحتفاء إذا انفصل عن السلوك؟

المحبة الصادقة ليست صوتًا فقط؛ إنها أثر.

والاقتداء ليس شعارًا؛ إنه اختيار يومي.

ولهذا فإن أعظم مولد يمكن أن يحدث ليس مولداً في التقويم، بل مولداً في الضمير.

من الاحتفال بالمولد إلى الاحتفال بالمعنى

لا بأس أن تفرح القلوب بذكر النبي

صلى الله عليه وسلم، فالإنسان بطبيعته يحتفي بمن يحب، ويستعيد سيرته، ويستحضر فضائله. لكن الأجمل أن يتحول الفرح إلى عمل.

ليكن المولد مناسبةً للعودة إلى السيرة.

ومناسبةً لتعليم الأطفال أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم.

ومناسبةً لإطعام الفقراء.

ومناسبةً للصدقة.

ومناسبةً لمراجعة علاقتنا بالقرآن.

ومناسبةً للتصالح.

ومناسبةً لرد المظالم.

ومناسبةً لأن يسأل كل واحدٍ منا نفسه:

ماذا أضاف النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم إلى حياتي؟

فإذا انتهت المناسبة وبقيت الأخلاق، فقد وصلنا إلى المعنى.

أما إذا انتهت الأنوار وانتهى معها أثر الرسالة، فقد بقي الشكل وغاب الجوهر.

الرسالة التي لا تزال تحتاجها البشرية

لم ينتهِ احتياج الإنسان إلى الرسالة المحمدية بانتهاء القرن الأول، لأن مشكلات الإنسان في جوهرها لم تنتهِ.

قد تغيرت الوسائل، وتبدلت المدن، وتطورت التكنولوجيا، وصار الإنسان يحمل العالم في هاتفه، لكنه ما يزال يبحث عن معنى وجوده، وما يزال يصارع الجشع والكراهية والخوف والوحدة والظلم.

لقد امتلك الإنسان المعاصر وسائل هائلة، لكنه لم يمتلك بالضرورة حكمة استخدام الوسيلة.

ولهذا تظل الأخلاق سؤالًا مركزيًا.

وتظل الرحمة ضرورة.

ويظل العدل ضرورة.

ويظل الإنسان محتاجاً إلى أن يعرف لماذا يعيش، لا كيف يعيش فقط.

وهنا تستمر قيمة الرسالة المحمدية بوصفها مشروعًا للإيمان والأخلاق والمعنى.

الخاتمة: حين ينشق الفجر في داخلنا

ولد النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم في فجرٍ من فجر التاريخ، لكن الرسالة التي جاء بها لا تزال قادرةً على أن تشق فجراً جديداً في الإنسان.

ولذلك فإن أعظم ما يمكن أن نفعله في ذكرى مولده ليس أن نختلف طويلاً حول كيف نحتفل، بل أن نتفق على كيف نقتدي.

فلنجعل من سيرته كتاباً مفتوحاً في بيوتنا.

ومن رحمته منهجاً في علاقاتنا.

ومن صدقه ميزاناً لكلامنا.

ومن عدله معياراً لأحكامنا.

ومن تواضعه علاجاً لغرورنا.

ومن علمه دعوةً إلى المعرفة.

ومن رسالته نوراً يخرج بنا من ظلمات التعصب والكراهية والجهل.

إن محمدًا صلى الله عليه وسلم لا يحتاج إلى كثرة الاحتفالات بقدر ما تحتاج أخلاقنا إلى أن تولد من جديد.

وإذا كان الفجر قد انشق يوم مولده عن نور، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نحفظ ذلك النور من أن يتحول إلى مجرد ذكرى؛ وأن نجعل منه حياةً في العقل، ورحمةً في القلب، وعدلًا في السلوك، وصدقاً في الكلمة.

فليس أعظم المولد أن نتذكر اليوم الذي وُلد فيه النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم، بل أن نولد نحن، في كل يوم، من جديدٍ على هدي الرسالة التي جاء بها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم