عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

منى الصالح: ماذا يحدث لنا عندما نصل؟

لماذا نشعر بالكآبة والوحدة والغربة بعد تحقيق نجاح طالما حلمنا به؟ عبارات التهنئة، باقات الأزهار، الهاتف والرسائل التي لا تتوقف، ومن ثم كل شيء يصمت، وكأن هذا لم يكن هو ما نطمح إليه؟!

مثل منزل كان بهيًا مزهوًا بالحضور، تتعالى فيه الضحكات وتتراقص جدرانه على أهازيج الأفراح، وموائد تُمدّ، تتشارك الفرحة قبل الطعام؛ فهاهنا حياة تُقام، وأمنية أمّ تتحقق، والجهد فيه يدغدغ المشاعر، وما بين مهنئ وراقص تتسربل اللحظات، ويومًا بعد يوم تنتهي المراسم، ويعود المنزل ليسكنه الصمت، وتغزو قلوب ساكنيه وحشة وكآبة لا يُعرف لها سبب.

هل جربت شعور العودة بعد رحلة منتظرة، خططت لها أيامًا وليالي، وحلمت بطرقاتها قبل أن تطأ قدماك أرضها، وشممت رائحة مقاهيها، وأخذتك مخابزها حيث تشدك رائحة الخبز حين خروجه من الفرن ساخنًا، مستعدًا للقضمة الأولى، لتعود بعد كل هذا تتصفح الصور، حيث كل ما بقي ليواسي اغترابك وشعورك بالوحشة والاكتئاب؟

هل حقًا، كما يقال، إن القمة خُلقت ليس للعيش فيها، بل لتكون محطة للوصول، ومنها للانطلاق؟

هل يكون هذا الإحساس طبيعيًا، ووراءه البحث من جديد نحو معنى آخر وقمة جديدة؟ أي: هل هو دافع حقيقي لمعنى وجودي؟!

حديثًا برز مصطلح بات يُضرب به مثل لكل مثل هذه الحالات:

متلازمة ما بعد الأولمبياد، وهي حالة نفسية وعاطفية قد يمر بها بعض الرياضيين بعد انتهاء الألعاب الأولمبية، خصوصًا بعد سنوات من التدريب والتضحية والتركيز على هدف واحد، ثم يشعر بالحزن والفراغ بعد تحقيق أكبر حلم في حياته.

فخلال سنوات التحضير، يخضع لنظام محدد بالغذاء والنوم وساعات التدريب، فتكون حياته منظمة حول هدف واحد.

ثم ينتهي الحدث فجأة، فيختفي الهدف الذي كان يعطي الحياة اليومية معناها واتجاهها، فنجده بعدها حزينًا، قلقًا، قد يبكي بلا سبب، ويعاني من اضطراب النوم وفقدان الشهية. فقد كان توقعه أن السعادة في تحقيق الحلم، ثم ينتهي كل شيء.

هذا الإحساس يتملكنا في كثير من وقفات حياتنا: التخرج، التقاعد، بعد نشر أول كتاب، بعد العودة من رحلة جميلة. ولا أعلم، قد تكون هذه الحالة هي ما تشير إلى ما يصيب المرأة بعد الولادة. لا أتحدث عن حالة الاكتئاب المرضية المعروفة طبيًا، ولكن تلك الحالة التي تنتاب أغلب النساء بعد الولادة وشهور من الترقب والانتظار والاستعداد، حيث الشعور بالخواء والفراغ والوحدة والحزن غير المبرر.

ماذا يحدث لنا عندما نصل إلى الشيء الذي جعلناه غاية حياتنا؟!

سؤال نفسي وفلسفي مهم، قد يوصلنا لسؤال أهم، والذي قد يتضح حين نفهم لماذا لا تصلح القمة للعيش، وكل من اعتلى القمم الشاهقة يوضح أنه لا يقوى على البقاء سوى لحظة لا تتجاوز الثواني، لكنها ثقيلة بالميزان الوجودي.

فيبرز السؤال الأهم:

هل الإنسان يحتاج للوصول أم للرحلة نفسها؟!

هل يمكن أن تختزل الحياة بهدف نصل إليه وقمة نعتليها، أم أن هناك ما هو أكبر؟

فهل نحن، كما يقول شوبنهاور، نعيش في حركة مستمرة بين الرغبة وعدم الإشباع؟ فعندما نرغب بشيء نشعر بالنقص، وعندما نحصل عليه ينتهي التوتر الذي كان يحركنا، فنعود إلى حالة من الملل أو الفراغ، ونبحث عن رغبة جديدة؟

أم نحن، كما يقول فيكتور فرانكل، مؤسس العلاج بالمعنى (Logotherapy)، الذي يرى أن الإنسان يحتاج إلى معنى يعيش من أجله، وإذا امتلك الهدف دون معنى أوسع، فإن تحقيق الهدف قد يتركه فارغًا؟

لكن نيتشه يقدم قراءة نوعًا ما مختلفة:

الحياة عنده ليست مجرد الوصول إلى حالة نهائية من الاكتمال، وإنما تجاوز مستمر للذات.

ومن هنا يمكن القول إن الأزمة تحدث عندما يتعامل الإنسان مع الإنجاز باعتباره نهاية القصة، بينما يحتاج إلى تحويله إلى بداية لمرحلة جديدة من إعادة خلق الذات، أي هناك فرق بين من يعتبر صعود القمة هو الهدف، وبين من يعتبرها انطلاقة لمرحلة جديدة.

هناك التفاتة نفسية مهمة قد تفيدنا، وهي الاعتياد على الأشياء التي كان يعتقد أنها حلمه وهدفه وفيها سعادته، وبعدها تصبح عادية، فيفقد الدافعية ويشعر بالخواء والفراغ.

قد نحتاج إلى تحول بالوعي يعيد تعريف الوصول، وبالتالي يساعدنا على فهم ما نمر به.

أجمل مثال هو فريد الدين العطار في منطق الطير.

الطيور تنطلق بحثًا عن السيمرغ، وفي النهاية تكتشف أن المطلوب لم يكن شيئًا منفصلًا عنها كما ظنت.

وهنا تكمن الفكرة الجميلة جدًا:

الغاية الحقيقية للرحلة ليست امتلاك ما تبحث عنه، وإنما أن تصبح شخصًا آخر أثناء البحث.

فهل نحن نبحث عن المعنى في ذواتنا أثناء كل هذا؟.

***

منى الصالح

في المثقف اليوم