عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

رحيم الساعد:‫ التغيير بين الغنى والفقر ‬

تصفح لاهزوجة: "من جنه فگور اتخاوينه"

نحتاج لتطبيق الموروث او الادب الشعبي على حوادث التاريخ، وقد تبنيت سابقا مفهوم فلسفة التاريخ الشعبي، وطبقت الحوادث الشعبية على نظريات هيجل ومارل ماركس وتوينبي وشبنكلر ومحمد باقر الصدر.

هذه الاهزوجة ذكرتها امراة ساعدية من اقاربنا، للدلالة على تبدل الحال يقود الى اضعاف الاخوة، وقد يقال ان الفقر لا ينتج الأخوة بالضرورة؛ فقد يؤدي أيضًا إلى النزاع والحسد والتنافس، خصوصًا عندما تكون الموارد شحيحة.

ولكن يجب مناقشة، مفهوم (من جنه فگور تخاوينه) والتي لا اعدها اهزوجة فقط، بل هي مسير تاريخ، وقاعدة اجتماعية لها ارتباط بالراهن وبالزمان والبيئة والمجتمع وعلم النفس، ويمكن تفسير قضية الفقر الذي يقود الى المودة وحصره بثلاثة عوامل منها:

وحدة الحاجة: وذلك عندما يتساوى أفراد الجماعة في الفقر، فانه تقل الفوارق المادية بينهم. بل يقل التكلف واثارة التحاسد والبغض، وينعدم التعالي والاستكبار لدى الطرف الاخر، الذي يشعر بنوع من الامن الكاذب.

التكافل الضروري: فالفرد يحتاج إلى أقاربه في الزيارة والغذاء والسكن والحماية والعمل، والافراح والاحزان، فيصبح التعاون حاجة لا مجرد قيمة أخلاقية.

ضعف الفوارق الطبقية: الثراء قد يُنشئ تفاوتًا في المكانة والنفوذ داخل العائلة أو القبيلة، بينما الفقر المشترك قد يقرب المسافات بينهم.

و هناك مفارقة مهمة: إذا خرج بعض أفراد الجماعة من الفقر وأصبحوا أغنياء، فقد يزداد التفكك إذا لم تبقَ روابط القيم والقرابة قوية.

واحيانا يصبح الفقر فضيلة لانه يصنع مصيرا مشتركا.

وعموما هذه ليست دعوة للفقر بقدر ما هي اشارة الى الذين يتغيرون في حال الانتقال الى الثروة والغنى .

واذا ما طبقنا ذلك على مناهج فلاسفة التاريخ نجد ان ابن خلدون عندما يطرح مفهوم العصبية والذي يقوم على التماسك والشعور بالمصير المشترك، فهو يرى أن الجماعات التي تعيش حياة خشنة وتحتاج إلى التعاون تكون عصبيتها أقوى، بينما يؤدي الترف والاستقرار والتمتع بالمنافع تدريجيًا إلى ضعف العصبية.

وقد نجد عند توينبي ما يعزز هذه القضية، فالمحنة عند توينبي تصنع استجابة جماعية وهي صيغة أخرى أكثر ملاءمة لفكرة الأمم والحضارات وتلخص نظرية التحدي والاستجابة التي قال بها توينبي، فاتصور ان استجابة الاغنياء لترفهم ولذاتهم قاد الى انتصار التحدي عليهم، ويمكن وصف التحدي هنا لما يشبه الاختبار الذي يسلط على سلوك الفرد في هذه الحياة.

والحضارة تواجه تحديًا أو ضغطًا، فإذا استطاعت الجماعة أن تستجيب له استجابة خلاقة، أدى ذلك إلى نموها. وتوينبي يرى أن التحدي المعتدل يمكن أن يكون محفزًا، بينما التحدي المفرط قد يسحق الجماعة.

ومن الشواهد انه خلال حصار العراق بعد 1990، حدث انهيار شديد في مستوى المعيشة وارتفاع واسع في الفقر وسوء التغذية.

وفي هذه الظروف، عادت قطاعات من العراقيين إلى الاعتماد بصورة أكبر على العائلة والعشيرة والجماعة المحلية نظرا لاهمال الدولة وللثراء الفاحش بين طبقات المجمتع. وتذكر دراسة عن الحماية الاجتماعية في العراق أن التضامن الاجتماعي أخذ شكلين أساسيين (التضامن العائلي والتضامن العشائري) وأن بعض الصناديق العشائرية كانت تُستخدم لمساعدة أفراد العشيرة في الأزمات، ومنها تكاليف الوفاة ومراسمها.

***

د. رحيم الساعدي

في المثقف اليوم