تعلمنا التجارب السياسية والإنسانية، أن المجتمعات المتعددة والمتنوعة، لا يمكن أن تحافظ على وحدتها الداخلية وصيانة استقرارها الداخلي إلا بخيار المواطنة.. لأنه الخيار الوحيد الذي يتعالى على كل الانتماءات التقليدية والتاريخية لصالح الانتماء الوطني..
والمجتمعات التي تعاني من مشاكل وصعوبات في علاقات المكونات والتعبيرات الاجتماعية مع بعضها، تعود في تقديرنا كل هذه الصعوبات، إلى غياب المشروع الوطني الذي يدفع جميع المواطنين، للتعالي أو الارتفاع عن انتماءاتهم النوعية لصالح الانتماء القادر على جمع كل المواطنين بصرف النظر عن أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم لصالح انتماء واحد يشعر جميع المواطنين بالانتماء إليه والدفاع عنه ألا وهو الانتماء الوطني..
وأي قصور في بلورة وصياغة مشروع الانتماء الوطني المستند في نظام الحقوق والواجبات على مبدأ المواطنة بوصفها هي جسر العبور من انتماءات ما قبل الدولة الحديثة إلى الانتماء الذي ينسجم ومفهوم الدولة الحديثة..
فالدول الحديثة في كل الدنيا، لا يقوم انتماءات شعبها ومجتمعها على الانتماء الديني أو المذهبي أو القبلي أو الجهوي، وإنما يقوم على حقيقة المواطنة التي تجمع الجميع وتعبر عن حساسية الجميع..
والشيعة في المملكة العربية السعودية، لا يخرجون في آمالهم وطموحاتهم الجماعية عن مفهوم المواطنة، الذي لا يفرق بين مواطن وآخر على كل المستويات فالجميع سواسية أمام القانون وأمام الفرص المختلفة المتوفرة في الحياة الوطنية..
فهذا المكون الاجتماعي الأصيل يتطلعون إلى وحدة وطنهم من خلال مبدأ المواطنة المتساوية.. ولكي يصل الجميع إلى انجاز كل عناصر الحمولة القانونية والدستورية لمفهوم المواطنة المتساوية فإنهم كغيرهم من شركاء الوطن يعملون من أجل الأفكار التالية :
1- جميع المواطنين آحادا ومكونات، يعتزون بخصوصياتهم الثقافية والدينية، ويعتبرون هذه الخصائص من الروافد الأساسية التي تغني حياتهم الاجتماعية والوطنية.. ويتطلعون إلى بناء وحياة وطنهم بعيدا عن التنوعات الدينية والمذهبية والجهوية.. فبمقدار اعتزازهم بتنوعاتهم المذهبية، بذات القدر يعتزون بوطنهم حينما لا يجعل من نظام الحقوق والواجبات في وطنهم قائما على هذا التنوع المذهبي وإنما قائما على مواطنيتهم المتساوية..
2- إن المجتمعات المتنوعة، لا يمكن أن تصون وحدتها الداخلية إلا باحترام تنوعها وتعددها المذهبي والقبلي.. فالوحدة التي تبنى على احترام التعدد والتنوع، أكثر صلابة وتحصينا من أي شكل وحدوي آخر.. لذلك يتطلعون الشيعة في المملكة، أن يتم التعامل مع انتماءهم المذهبي ليس بوصفه عيبا ينبغي إخفاؤه، وإنما هو جزء من ثروات الوطن المعنوية والثقافية، والذي ينبغي أن يحظى باحترام وتقدير عميقين..
3- جميعنا كمواطنين نعتقد أن التطرف المذهبي والعداء المذهبي، يدمر المجتمعات ويخرب أسس استقرارها الاجتماعي.. لذلك ثمة ضرورة في وطننا للوقوف معا ضد كل نزعات التطرف في ظل حقائق التنوع الذي يعيشها مجتمعنا، يفضي إلى توتير العلاقة بين مختلف المكونات والتعبيرات..
واستقرارنا الوطني والاجتماعي، مرهون إلى حد بعيد، على كفاحنا الوطني المتواصل من قبل الجميع لتفكيك كل عناصر الغلو والتطرف المذهبي..
وحينما نتحرر من كل نزعات الغلو والتطرف، سنكتشف جميعا أن تنوعنا الاجتماعي هو أحد عناصر قوتنا.. ولا خيار فعال أمامنا إلا احترام تنوعنا وحمايته قانونيا وسياسيا، حتى يتحول إلى إضافة نوعية في حياتنا الاجتماعية والوطنية..
***
محمد محفوظ








