أقلام حرة
عبد الأمير الركابي: القصور العقلي وشمولية الانهيار (1)
يعيش العراق منذ مايزيد على الربع قرن حالة انهيار تاريخي شامله مجتمعيا وكيانيا، الجانب الاخطر والاهم فيها القصور دون وعيها، لدرجه اعادة تكريس موضوعاتها، والعناصر التي هي مصدر ومسبب الانهيار الراهن، وبالذات تلك التي كانت حامله مشروع الكيانيه "الوطنيه" الحديثة كما فرضت مع عشرينات القرن المنصرم، برانيا، بما هي حالة الحاق كينونة العراق بالنموذجية الغربية، وصيغتها التوهمية "العصرية/ الحديثة"، من باب البداهة والمسلم به، انصياعا لاشتراطات النهوض الغربي الالي وغلبته الانية على المعمورة، بغض النظر، ومن دون اية محاولة تحر ذاتي، او تطلع في الكينونه والبنيه غير العادية والحاضرة بقوة على مستوى البدئية البشرية المجتمعية، والتوسطية، ماقد اعتبر بلا ادنى تلبث من قبيل "الماضي" غير الجدير بالتوقف، الا بصفته كذكرى، مادام الزمن تغير وانقلب، مع ان الحاصل عالميا لم يكن بالاحرى سوى مفتتح وبداية تحولية، من اليدوية الى الاليه، كانت لاتزال ابعد من ان تكون مكتمله التشكل.
وهنا على وجه التحديد يواجه هذا الموضع من المعمورة معضلة تاريخية خارج الحل، تظل فعاله وداله على مصدرها غير المحدد بعد، عرف اخيرا بمثابة قصور عقلي بشري شامل بازاء الظاهرة المجتمعية ودينامياتها على مدى التاريخ المجتمعي، كما حصل مع الاعلان عن القصور المذكور ابان المتغيرات الاليه الواقعه في اوربا مع القرن التاسع عشر، ساعة وقع الانتباه وقتها الى الجانب غير المدرك عقليا، والقاصربازاء الظاهرة المجتمعية، ليظهر من يومها ماعرف ب "آخر العلوم"، الذي لم يتعد هو الاخر كونه خطوة ابتدائية على طريق مايزال طويلا، الكشف عن كينونة العراق المجتمعية، وبنيته الابتداء، اهم، لابل الشرط الذي عنده ومعه يصل العقل لحظة تجاوز قصوريته التاريخيه الطويلة المشار اليها.
فالعقل ملزم كي يعي ذاته بان يميط اللثام عن ظاهرة "الازدواج المجتمعي" التي بها فقط تصير المجتمعية ماهي، هذا مع شرط النوع ( اللاارضوي / الارضوي) الحاكم للثنائية الازدواجية المنوه عنها، ذلك علما بان مناسبه من قبيل اكتشاف "الصراع الطبقي" الازدواجي الاوربي، قد جعلت اهم منظرية يقرر وقتها بان (تاريخ المجتمعات ماهو الا تاريخ صراع طبقات) دون ان يكون قادرا على ادراك تدني مستوى ومدى فعالية الازدواج "الطبقي" الذي هو منه، مقارنه بالازدواج الاساس الاصل والمطابق للحقيقة الكبرى"المجتمعية"، بحيث يتوجب تحويل موضوعته الشهيرة السابق ذكرها، من حالتها التي وضعت عليها، الى: (ان تاريخ المجتمعات ماهو الا اصطراع مجتمعات، مادتها وخليتها الحية الكائن البشري مزدوج الكينونة اصلا "جسدية/ عقليه") مع مايترتب على اقرار كهذا من ضرورات نظر في القانون الناظم للتاريخ المجتمعي، مع التعيين اللازم للهدف الكامن وراء العملية المجتمعية، مثلما فعل ماركس من جهته وعلى قدر استيعابه ضمن شروطه، ب "المادية التاريخيه"، والقول بالمراحل التاريخيه وصولا لنهايتها التي هي عود على بدء، لا من "الشيوعيه البدائية" الى " الشيوعيه الالية" بل من "اللاارضويةغير القابلة للتحقق" الى "التحقق اللاارضوي" بعد اكتمال الشروط المادية والاعقالية الضرورية اللازمه.
ولاشك بان ديناميات الازدواج المجتمعي اعلى واكثر استعصاء حتى مع اللحظة والشروط الابتدائية الاليه، وماقد تسببت به من تسارع في الديناميات، وفي المقاربات العقلية لمختلف الشؤون الحياتيه والوجودية، فلم يحدث ان تسببت نظرية "الاصطراع الطبقي" الاوربية كمثال، في لفت الانتباه الى "الازدواج المجتمعي" في ارضه، مع ان اولئك الذين تبنوا افكار ماركس في العراق قد وجدوا انفسهم مشمولين بزخم الاصطراع اللاارضوي مع الارضوية البرانيه الافنائية بصيغتها الاليه الابتدائية، بينما هم يصرون على اعتماد توهمية الطبقات، وقوانين "المادية التاريخيه" في موضع ازدواجي فريد، القانون الناظم لتاريخه ووجوده، قانون " الدورات والانقطاعات" التي يقعون اليوم تحت وطاة الشوط الانقطاعي المستمر الاخير منها، والموصول الى 1258 مع سقوط بغداد عاصمة الامبراطورية الازدواجية الثانيه، بعد الاولى بابل، وماقد حل بعدها من انقطاع استمر حتى الفتح الجزيري في لبقرن السابع.
ذلك مع العلم بان ان الكينونه المجتمعية الازدواجية واصطراعيتها الحالية خلال دورتها الراهنه، هي تحديدا المتطابقه مع الانقلابيه الاليه ومستهدفاتها، وليس الموضع الازدواجي الطبقي الاوربي، الذاهب للتحول بفعل الاله خارج الطبقية والبنيه الارضوية اليدوية التي انتهى زمنها في وقته، وان ظلت متبقاياتها وآليات انتهاء صلاحيتها، ساريه بعد ماعاشته تاريخيا من قرون مديده، بمايعني واقعا، تاخر حضور اللاارضوية كمحور تحولي، الى حين بلوغ الانقلابيه الاليه قمتها، وماهي مرشحة لبلوغه ككمال، عبر محطات تبدا بالالة المصنعية، وتتحول الى التكنولوجيا الانتاجية، ومن ثم التكنولوجيا العليا العقلية. ووقتها تظل اللاارضوية واقعة تحت طائلة الفعالية الارضوية الحداثية، ومايعرف ب "العصرية" المواكبه على محطتين افنائيتين للكينونه، اوربية، تتبعها وتحل محلها امريكية ساحقه متشكله خارج التاريخ المجتمعي، وبانفصال عنه، مايولد نوع اصطراعية راهنه، هي بالاحرى الاصطراعية الالية الفعلية، وليست المعروفة بالطبقية الاوربية، منها وفي اواخرها يتم الوصول الى اللاكيانيه العامه، الشامله بحكم غياب الوسيلة الضرورية لوجودها، اي " اليدوية"، وهنا تقع اهم مواطن القصور العقلي الشامله الباقية مستمرة، تلك التي تعجز عن رهن البنيه المجتمعية ونوعها بالوسيلة الانتاجية، فلا تعرف علاقة الكينونه المجتمعية الارضوية بالانتاجية اليدوية المجتمعية واشتراطاتها الموافقه والمكرسة للجسدية الحاجاتيه، مع كل مايتصل بذلك من انواع تنظيم مجتمعي وكياني، تنتهي اسباب استمراريته مع انتهاء الطور اليدوي.
ثمة اذن والحالة هذه ثغرة هائلة في النظر المعتمد اوربيا للمجتمعية وديناميات تشكلها النوعي البنيوي، تظل مهيمنه على النظر للماضي المجتمعي، ومن ثم الحالي استمرارا بما ان الاسباب الموجبه لتبديل زاوية الحكم، غير واردة بالاصل، بما يجعل من غير المتوقع القول بان المجتمعية القائمه المعروفه الى اليوم، قد انتهت اجلا، لان وسيلة الانتاج تغيرت نوعيا، بما يجعل الباقي من وجودها واستمراريتها الحالية ختام طبيعي سابق على الزوال.
ولعل جانبا هائل الحضور والدلاله، يبقى خارج الانتباه، ليس من دون تقصد افتعال التغاضي، من نوع انتهاء عملية الانتقال الالى مجتمعيا بتصدر نوع "لامجتمعية" افنائية لماقبلها، كما الحال الامريكي، وكيانيتة "الرساليه" بلا اساس، مع غلبة "الفكرة" المرتهنه لتكريس الخصوصية والتميز الالهي، في مجتمع هو الاكثر تشبعا بالنزعه الدينيه(1) ممزوجه تقصدا بالنموذجية الغربيه المعتبرة الارفع نمطا كنظام. وهو ماقد دخل اليوم ومن هنا فصاعدا ازمة وجود متعاظمة الخطورة بلا حل، بحكم انتفاء المقومات البنيوية التاريخيه، الضرورية لزوما لاجل توفير اسباب تجاوزها، بما ان المازوم راهنا نوع كيانيه مستجده بلا تاريخ، ولاسيرورة تكوينيه لا مجتمعية متلائمه مع الحاصل المتعدي للمجتمعية ابتداء وتبلورا لاارضويا، كما الحال في ارض مابين النهرين، وجنوبها السومري الباقي على مر التاريخ كنمطية مضادة للغالبة يدويا، من دون تحقق، لغياب العوامل الضرورية، تلك التي اقتربت اليوم من الحضور على مستوى المعمورة، ان لم تكن صارت حاضرة، بما يجعل المجتمعات كلها على مشارف بدئية جديده هي " عودة على بدء مجتمعي"، هي التبلور الثاني التحققي للاارضوية العقلية المؤجله المنتظرة.
ـ يتبع ـ
***
عبد الأمير الركابي







