أقلام حرة
محسن الأكرمين: لكي نسعى نحو بدايات جديدة
كلٌّ منَّا يتذكر البدايات الناعمة وذات الإحساس اللطيف في الوقع على الذات العليلة بالمتغيرات. نعشق ما يلمع من مظاهر البهجة الآتي من الماضي والذي قد يُخفي المسكوت من العوائق حينذاك. الكلُّ يَعْلقُ تيمنا في شباك فخ البدايات المثيرة بالفرحة، ولن يسطع التخلص منها مهما تفنن في صبغها بألوان تُظهر النهايات المفزعة التي قد تكون. من تم فإذا كانت البدايات جميلة إلى هذا الحد المُغْرِي بالتَّذكر، فلما لا نسعى نحو بدايات جديدة، وكل يوم نستأنس فعلا بحياة البدايات لا النهايات.
هيهات هيهات ... فلن يتجمد أحد منَّا بِبنج البدايات فقط، ولا يبرح استهلاك مراحل الحياة كما هي في فرحها ومآسيها وعمرها المكاني وسُلمها الزمني. عندها ستبدو لنا الحقيقة خيالا حالما فاتنا، واليقظة تبقى من الحلم فَزعا مُهلكا للذات والتذكر، من تم فهل البدايات بهذا الحسن والنهايات بهذا البؤس؟ منذ الآن ستبدو لكم كلماتي بها نبرة من حلم ذكريات البدايات، والتي قد أُفْزعها يقظة عند المناداة عنها بالإتيان وبلا منشطات محظورة.
الماضي يُوصف بالجميل والذهبي، رغم أنِّي أكره التمييز ما بين الحاضر والماضي، وحتى المستقبل منهما والذي سيأتي لاحقا بما يخفيه سرُّ الغيب. في البدايات أذكر عندها أرض جدي رحمه الله (الحاج عبد الكريم) الفلاحية، في البلاد المسمات العويجة خارج باب كبيش بمدينة مكناس السلاطين. أذكر الخضر والفواكه المتنوعة ذات الجودة (البيولوجية/ Bio/ العضوية) والخالية من المبيدات الكيميائية. أذكر نعناع أبي (رحمه الله) الذي كان عِشقا حصريا في ربوع الوطن وخارجه. أذكر سواقي وادي بوفكران التي كانت تزود فلاحي العويجة بالماء المتدفق عبر (السلوقية) بين الأسوار. أذكر كيف كانت المياه تُوزع بين سواقي المسلمين وساقية النصارى في ( بَداَلْ الكِيدُونات)، وما أشد الظلم عندما كانت مياه ساقية النصارى تُعادل الثلثين (2/3) ولا يجرأ أحد على مَسِّ استغلالها من فلاحي المسلمين. أذكر عساس الماء الواقف والحاكم بأمره على توزيع (النوبة المائية) بباب كبيش من أبا امبارك والصديق وبا محمد ... رحمهم الله جميعا. أذكر كيف كانت (نوبة الماء) توزع بين الفلاحين بالعدل وحسب مساحة الحقول، وحصص التناوب بين الليل والنهار. أذكر رسما حبسيا من الوقف الإسلامي ورثناه من جدي رحمه الله، وكان بمثابة ظهير ملكي موقع من طرف المرحوم السلطان محمد الخامس (طيب الله تراه) يُقِرُّ بوقف حبسي لنصيب من الماء المتدفق من واد بوفكران باتجاه أرض العويجة وعراصي الزيتون والروى وبالمجان.
أقف عند الزمن الماضي، وكأني أعود بعقارب الساعة نحو الخلف. لكن وُقوفي هذا لا يروم نحو التذكير بأحداث وأمكنة وتلك التغيرات الموضعية اللاحقة التي طرأت على المكان والناس، بل نحو امتلاك متغيرات أشد أناقة من البدايات. نعم أريد ما أمكن من أنبش عن بعض التحولات التي طرأت على بلاد العويجة وحي الزيتون والروى...، وعن وجوه عمرت الأراضي الفلاحية، وكانت بحق التاريخ والتأريخ، ومن بين كثافة أزهار المكان والذكريات الراسخة. بحق كان الخير فياضا، وكل من مرَّ (بالبَحِيرة) الفلاحية، إلا ويجني قسطا من نعيمها، ويتذوق من فواكهها خاصة أشجار التين (الكرموس).
مرت سنوات بالتتابع ولازال الشوق نحو البدايات يتسلل لقلبي بغير النهايات، لازال عشق رائحة تراب أرض الأجداد والآباء حاضرا، ومجموعة من الذكريات لازالت عالقة بالمخيلة، وأتنفس بهوائها الطيب. تلك الأرض الطيبة (العويجة) شهدت أجيالا متعاقبة من الأجداد ومن الخلف، والآن من خلالها عُدت أكره النهايات الفزعة.
حين أتجول في بلاد العويجة، أتأسف عن المآلات غير المريحة، لكني رغم ذلك أؤمن بسنن المتحولات والمتغيرات، لحظتها أذكر الماضي بخير ولم أذكر فيه البكاء بل بهجة المكان والزمن، وإذ كنت أرى في نهاية الخضرة واحتباس مياه وادي بوفكران وبالا قاسيا على مدينة مكناس التي تحولت كثمرة بلح من الآجور في أيدي مقاولات الجشع العمراني. تلك الحكايات لأرض معطاء لازالت حاضرة في ذاكرة ساكنة الزيتون والروى، هي العويجة قديما وحديثا.
***
محسن الأكرمين






