عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

فارس حامد عبد الكريم: فارقة الديمقراطية والتقدم

إن وجود نظام ديمقراطي لا يعني بالضرورة تحقيق التقدم؛ فالديمقراطية قد توفر آلية لتداول السلطة والتمثيل السياسي، لكنها لا تنتج وحدها مؤسسات كفوءة أو اقتصاداً منتجاً أو إدارة نزيهة.

 ويحدث التراجع عندما تنفصل الممارسة الديمقراطية عن سيادة القانون والكفاءة والمساءلة وحسن إدارة الموارد.

أدى اعتماد التوافق والمحاصصة الطائفية والحزبية في توزيع المناصب والمؤسسات إلى إضعاف معيار الكفاءة والمواطنة، وتحويل بعض مؤسسات الدولة إلى ساحات للتوازنات السياسية بدلاً من أن تكون أدوات لخدمة المصلحة العامة.

إن المشكلة، في جوهرها، ليست في الديمقراطية بوصفها مبدأً، وإنما في الفجوة بين الديمقراطية كإجراء والديمقراطية كمؤسسات وثقافة سياسية.

فالانتخابات تستطيع أن تنتج سلطة سياسية، لكنها لا تكفي وحدها لإنتاج دولة قوية. والديمقراطية التي لا تستند إلى سيادة القانون، واستقلال المؤسسات، والكفاءة، والمساءلة، وحماية المال العام، قد تتحول إلى مجرد آلية لإعادة إنتاج النخب السياسية.

كما لا تستقيم الدولة بمجرد وجود النصوص القانونية، وإنما تحتاج إلى ثقافة اجتماعية ومؤسسية تحترم القانون وتؤمن بأن الحقوق تقابلها واجبات، وأن المساواة أمام القانون هي الأساس في بناء الثقة بالدولة.

ومن هنا يمكن القول إن التراجع رغم الديمقراطية ليس تناقضاً بالضرورة؛ لأن الديمقراطية شرط مهم للتقدم، لكنها ليست شرطاً كافياً له.

فالتقدم يحتاج إلى دولة مؤسسات، واقتصاد منتج، وإدارة كفوءة، وثقافة قانونية، ومجتمع يؤمن بأن الدولة ملك لجميع مواطنيها وليست غنيمة تتقاسمها القوى السياسية.

إشكالية بطء الديمقراطية مقابل سرعة التقدم

تمثل إشكالية بطء الديمقراطية مقابل سرعة التقدم واحداً من أبرز التحديات الفلسفية والسياسية في العصر الحديث.

فالأنظمة الديمقراطية قائمة بطبيعتها على التداول، والتشاور، وبناء التوافقات، وهي عمليات تستغرق وقتاً طويلاً. في المقابل، يتحرك التقدم التكنولوجي، والاقتصادي، والعلمي بسرعة فائقة تتجاوز غالباً قدرة القوانين والتشريعات على المواكبة،

 مما يجعل القوانين والتشريعات الديمقراطية دائماً متأخرة عن الواقع، مما يدفع البعض لتفضيل النظام الرئاسي ومبادراته السريعة في اتخاذ القرار لتحقيق النمو.

ولهذا فإن السؤال الأهم ليس فقط: هل لدينا ديمقراطية؟، وإنما: هل تحولت الديمقراطية إلى دولة مؤسسات قادرة على صنع القرار الكفوء ومواكبة سرعة التقدم؟.

***

فارس حامد عبد الكريم

في المثقف اليوم