عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

سعد عبد المجيد: من كَلّة القند إلى الرولكس

حكاية الهدية في المجتمع العراقي

كان العراقيون، وما زالوا، يتبادلون الهدايا في مناسباتهم الاجتماعية: في الأفراح والأحزان، وفي الزيارات والعودة من السفر والحج، وعند الزواج والختان والمرض، وسائر المناسبات التي تجمع الناس على المحبة والمجاملة. وكانت الهدية، في أصلها، على نوعين: هدية رمزية تعبّر عن المودة، وتشارك الآخر فرحته أو تخفف عنه حزنه؛ وأخرى مادية يكون المقصود منها تقديم العون والمساندة.

وما سأرويه هنا بعضٌ مما بقي في الذاكرة من الماضي القريب، قبل أن تتغير وظيفة الهدية في بعض الأوساط، فتتحول من تعبير عن المحبة والوفاء إلى وسيلة لتحقيق مصلحة، أو إلى ما يشبه الرشوة حين تُقدَّم إلى مسؤول أو صاحب نفوذ لقاء خدمة أو امتياز. أما ساعات «رولكس» و«باتيك فيليب»، والسيارات الفارهة والعقارات، وما هو أغلى وأبعد من ذلك، فهي قصة أخرى من قصص زمننا الذي اختلطت فيه الهدية بالمصلحة والفساد.

أثار في ذاكرتي تعليقُ الأخ الدكتور فلاح ناجي على مقالتي السابقة عن «الصوغة»، عندما ذكر ما كنا نسميه «الفضل»، أي الهدية التي ينبغي أن تُرد في مناسبة مماثلة. وكان «الفضل» في كثير من الأحيان يتكون من «كَلّات من القند».

ولعل الجيل الجديد لا يعرف ما هي «كَلّة القند». وهي قالبٌ من السكر الصلب، مخروطي الشكل تقريبًا، يبلغ طوله نحو عشرين سنتيمترًا، ومغلف بورق أزرق داكن، وكانت من الهدايا المعروفة في العراق. وتذكر مصادر عن العادات العراقية أن كَلّة القند كانت تُرسل هدية في الأعراس، كما ارتبط القند بطقوس الزواج القديمة.

وكانت كَلّة القند تأتي أحيانًا مع قناني الشربت، ومن أشهر من ارتبط اسمه في الذاكرة البغدادية بصناعة الشربت والمرطبات والحلويات «جواد الشكرجي». وكانت الهدية تُرتب في صينية، وتُغطّى بقطعة قماش، وتُحمل إلى بيت أصحاب المناسبة أو إلى المستشفى عند زيارة المريض. وكان عدد الكَلّات وقناني الشربت يتناسب مع مكانة الشخص الذي تُقدَّم إليه الهدية، ومع قدرة مقدمها. كما كانت الفاكهة للمريض، وبخاصة البرتقال والنومي الحلو، من الهدايا المحببة لدى الكثير من العراقيين. لم تكن قيمة الهدية هي الأساس، وإنما كان حضورها ومناسبتها هما الأهم.

ومع تحسُّن مستوى المعيشة وتوسع الأسواق العراقية، أخذت طبيعة الهدايا تتغير تدريجيًا، ولا سيما منذ منتصف القرن العشرين، عندما بدأت السلع الاستهلاكية والمنزلية تدخل البيوت العراقية بصورة أوسع.

وكان لأوروزدي باك، الذي ظهر في بغداد في عشرينيات القرن العشرين، دورٌ مهم في تغيير علاقة العراقيين بالسلع الحديثة؛ فقد كان يعرض طيفًا واسعًا من البضائع، من الملابس والأقمشة إلى الأدوات المنزلية والأجهزة، والمواد الغذائية، والعطور، وغيرها. ثم شهدت هذه المؤسسة تحولات في الملكية والإدارة خلال الستينيات والسبعينيات، إلى أن أصبحت الأسواق المركزية مؤسسة حكومية تابعة لوزارة التجارة.

وهنا دخلت الهدية مرحلة جديدة. فبعد أن كانت «كَلّة القند» وقناني الشربت من الهدايا المألوفة، أخذت الهدايا تتحول تدريجيًا إلى أشياء يمكن أن تبقى في البيت وتُستعمل لفترة طويلة. فأصبح طقم فناجين القهوة واحدًا من أشهر الهدايا، ثم تبعته فناجين الشاي والصحون والأقداح وأطقم المائدة، ومنها أقداح الكريستال التي كانت تُعدّ في ذلك الوقت هدية ثمينة وجميلة.

ومن طرائف فناجين القهوة أن كثرتها في البيوت كانت تدفع البعض إلى إعادة إهدائها إلى الآخرين. وربما تستلم طقم فناجين قهوة كنت قد أهديته قبل سنتين أو ثلاث، بعد أن دار خلال تلك السنوات بين أكثر من بيت، وتداولته الأيدي، قبل أن يعود إليك، معزّزًا مكرّمًا، ملفوفًا بورق هدايا وكأنه هدية جديدة لم ترها من قبل.

ومن الطريف أن البيت العراقي كان يجمع، مع مرور السنوات، أعدادًا كبيرة من هذه الهدايا. ففي كل زواج أو ختان أو مناسبة اجتماعية يدخل إلى البيت طقم جديد، حتى تصبح الخزانة أشبه بسجل صامت للمناسبات التي مرت على الأسرة. لم تكن تلك الهدايا فاخرة بالمعنى الذي نعرفه اليوم، لكنها كانت ثمينة في نظر أصحابها؛ لأنها تحمل ذكرى الشخص والمناسبة التي جاءت منها.

ولم تكن الهدية تُفتح أمام من قدّمها، وهي عادة كانت شائعة عندنا، وربما كان فيها قدر من الحياء واحترام الخصوصية؛ فلا يريد من تلقاها أن يضع مقدم الهدية في موقف قد يكشف رضاه أو عدم رضاه عنها. أما اليوم فقد تغيرت هذه العادة في كثير من البيئات، وأصبح فتح الهدايا أمام مقدمها أمرًا مألوفًا، كما هو معروف في المجتمعات الغربية.

ثم أخذت مظاهر الحياة الاجتماعية العراقية تتأثر بصورة أكبر بالثقافة الغربية وأنماط الاستهلاك الحديثة، ولا سيما منذ النصف الثاني من القرن العشرين. فدخلت الورود وسلال الزهور إلى عالم الهدايا بصورة أوسع، وأصبحت علب الشوكولاتة من الهدايا المحببة في الزيارات والمناسبات.

وتغيّر شكل الهدية مرة أخرى. فبعد أن كانت الشوكولاتة تُقدَّم في علب كرتونية بسيطة، مثل علب «بسكولاته»، أو في علب «ماكنتوش» المعدنية الأنيقة، أصبح الوعاء الذي تُقدَّم فيه الهدية جزءًا من الهدية نفسها؛ فأصبحت الشوكولاتة تُقدَّم في أوانٍ من الكريستال، أو في صناديق خشبية فاخرة مطعّمة، وأحيانًا كان ثمن الوعاء أو الصندوق أعلى من قيمة ما يحتويه من حلوى. وهكذا بدأ الاهتمام ينتقل تدريجيًا من محتوى الهدية إلى شكلها، ومن فائدتها إلى مظهرها.

ومع مرور الزمن، ولا سيما في العقود الأخيرة من القرن العشرين، دخل المال نفسه بقوة إلى منظومة المناسبات الاجتماعية. فأصبح تقديم النقود في بعض المناسبات، وخصوصًا الأعراس، وسيلة عملية لمساعدة أصحاب المناسبة على تحمّل تكاليفها. وكان هذا النوع من الهدايا مختلفًا عن «الفضل» القديم؛ فالهدية لم تعد شيئًا يشتريه الشخص ويحمله معه، بل أصبحت مبلغًا من المال يوضع في ظرف، وقد ارتبط مقدار المبلغ بدرجة القرب والمكانة والقدرة المالية. ومع ذلك بقيت الفكرة الأساسية حاضرة: أن ترد الجميل، وأن تقف مع قريبك أو صديقك في يوم فرحه أو محنته.

ولم تكن الهدايا دائمًا أشياء تُقتنى أو تُحفظ للذكرى، بل كانت في كثير من الأحيان وسيلةً للمشاركة في تحمّل أعباء المناسبة ومصاريفها. فقد اعتاد العراقيون إقامة الولائم في مختلف المناسبات، في الأفراح والأحزان على حدّ سواء؛ في الأعراس والختان، وفي العودة من الحج، وكذلك في مجالس العزاء. لذلك كان من المألوف أن يحمل الأقارب والأصدقاء معهم أكياس الأرز والسكر وعبوات الزيت وغيرها من المواد الغذائية، لتكون هديةً ومساهمةً في إعداد الطعام وتخفيف ما تتحمله الأسرة من نفقات. وحتى الخراف التي كانت تُهدى في بعض المناسبات كانت مشاركةً مباشرةً في توفير ما تحتاجه الوليمة من لحم. وهكذا اصبح للهدية معنى أعمق من مجرد التبادل؛ فقد كانت تعبيرًا عن المودة والتكافل، وعن الوقوف إلى جانب الأسرة في أفراحها وأحزانها.

لكن، ومع الأسف، شهدت السنوات الأخيرة تحوّلًا أكثر خطورة. فمع اتساع مظاهر الثراء غير المشروع، وانتشار الفساد والسرقات والامتيازات، بدأت تظهر هدايا لا تشبه هدايا الماضي. لم تعد «كَلّة القند» هي التي تعبّر عن الكرم، ولا سلة الورد هي التي تختصر المودة، ولا حتى طقم فناجين القهوة هو الهدية الثمينة.

ظهرت هدايا يصعب على العقل أن يتصورها أو يستوعبها؛ هدايا من قبيل الساعات باهظة الثمن، والسيارات الفارهة، والمبالغ المالية الكبيرة، وأحيانًا الشقق، والفلل، والعقارات. ولم تعد هذه الهدايا مرتبطة بمناسبة اجتماعية محددة، كالزواج، أو الختان، أو زيارة المريض، أو العودة من الحج، بل أصبح بعضها يُقدَّم بلا مناسبة، ومن دون ارتباط بحدث أو تقليد اجتماعي بعينه.

وهنا تغير السؤال: هل ما زالت هذه هدية؟

فالهدية في معناها الجميل لا تنتظر مقابلًا، ولا تفتح بابًا لمصلحة، ولا تشتري قرارًا، ولا تمنح صاحبها حقًا على من تلقاها. أما عندما تصبح الهدية وسيلة للحصول على خدمة، أو عقد، أو منصب، أو امتياز، فإن اسمها قد يبقى «هدية»، لكن معناها الاجتماعي والأخلاقي يكون قد تغير.

ولعل أجمل ما في تاريخ الهدايا العراقية أنها تكشف لنا، من دون قصد، شيئًا من تاريخ المجتمع نفسه. في زمن «كَلّة القند» كانت قيمة الهدية في معناها: مشاركة وفرح وردّ للفضل. وفي زمن أطقم فناجين القهوة والأقداح كانت الهدية تجمع بين الذوق والمنفعة، وتبقى في البيت لتذكّر أصحابها بمن قدمها. وفي زمن الورود والشوكولاتة أصبحت الهدية أقرب إلى التعبير عن الذوق والمجاملة. ثم جاء زمن المال والهدايا الفاخرة، فأصبحت في بعض المناسبات وسيلة للمساعدة، أو لإظهار المكانة الاجتماعية.

أما حين تدخل الساعة الثمينة والسيارة والعقار إلى دائرة الهدية، وتكون وراءها مصلحة أو نفوذ، فإننا لا نكون أمام تطور طبيعي للهدية، وإنما أمام تحول في القيم التي تقف وراءها. وربما لهذا السبب تستحق «كَلّة القند» أن تبقى في ذاكرتنا؛ لأنها تذكرنا بزمن كانت فيه الهدية صغيرة في حجمها، لكنها كبيرة في معناها.

فقد تتغير الهدية مع الزمن، وتتغير قيمتها وشكلها وطريقة تقديمها، لكن أجمل الهدايا تبقى تلك التي لا يُنتظر منها شيء سوى أن تعبر عن مشاعرك الصادقة لمن تحب وعن مشاركتك لأفراحه وأحزانه.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

في المثقف اليوم