عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

نهاد الحديثي: الاخ الأكبر.. ضرورة تراعي العقل والفطرة والمسؤولية

إنَّ بناء الأسرة والحفاظ على الروابط التي بينها من أهم المواضيع التربوية التي أعلنها بها النظام الإسلامي في منهجه التشريعي والتربوي. والروايات الواردة في الحفاظ على الرابطة الأخوية كثيرة تنبثق من الإيمان أنَّ لها أثرًا معنويًّا كبيرًا في إيجاد جو من المحبة والإيثار والعطاء بينهم داخل المنزل وخارجه، بل تمتد في مساحات مهمة أخرى، وهذا الإخوة مسألة عظيمة فطرية يؤمن العقل بأهميتها، وحاجة الإنسان إليها، وعلينا أنْ نراعي العقل والفطرة في صيانتها ,, ضرورة أنْ يعلم الابن الأكبر أنه كبير في التفكير والمحبة والعاطفة والتحارب على إخوته، وليس بالعمر فقط فهو لا يغني شيئًا في بعض الأحايين، وهذا يحتاج إلى مزيد من المعرفة والأخلاق بالإيثار في كل بيتٍ، ثمة إنسان يكبر قبل أوانه، وتحمل سنواته المبكرة شيئًا من وقار الكبار، حيث يقف قريبًا من الأب، ويظل قلبه معلقًا بإخوته، حتى تصبح المسؤولية جزءًا من ملامحه ومن طريقته في الحياة. ذلك هو الأخ الأكبر؛ أول من يتعلم تأجيل رغباته، وأول من يفهم أن المحبة مواقف تُعاش، ويدٌ تمتد في الوقت المناسب، وصدرٌ يتسع حين تضيق الأيام. مع ميلاد الأخ الأكبر يولد في البيت عزوةٌ وسندٌ جديد، ويبدأ فصل كامل من تاريخ الأسرة. تكبر الأسرة معه قبل أن يكبر فيها. تمر الأيام، فتستقر على كتفيه أدوار لم يطلبها، وهموم جاءت إليه بحكم موقعه وقربه من الجميع، فيعرف متاعب البدايات، ويجرب الطريق قبل إخوته، ثم يعود إليهم بخبرةٍ تخفف عنهم عثراته! واستقرت للأخ الأكبر مكانة رفيعة في الوجدان العربي، لتمتد صورته إلى معنى السند، وقربت منزلته من منزلة الأب؛ فكان ملاذًا عند الشدائد، وصاحب الكلمة التي تهدأ بها القلوب حين تضطرب الأحوال. وتختصر الآية الكريمة هذا المعنى بأبلغ صورة: "سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ"، فالعضد يحمل معنى القوة، ويحمل معه الطمأنينة والثبات ورفقة الطريق وأكثر. علم الاجتماع يفسر هذه المكانة بطريقة لافتة، فقد أشار عالم النفس النمساوي ألفرد أدلر إلى أن ترتيب الميلاد يسهم في تشكيل أنماط الشخصية، وأن الابن الأكبر يميل إلى تحمل المسؤولية والقيادة والمحافظة على استقرار الأسرة أكثر من غيره. ورغم اختلاف الباحثين حول مدى تأثير ترتيب الميلاد، فإن دراسات حديثة تؤكد أن الأبناء الأكبر سنًا غالبًا ما يتحملون أدوارًا أسرية إضافية، خاصة في البيئات التي تقوم على الترابط العائلي، فيتحولون إلى مصدر للدعم النفسي والاجتماعي لإخوتهم. ثم اتسع ميدان البحث إلى ما بعد ترتيب الميلاد، حيث تشير دراسات علم نفس النمو إلى أن الأخ الأكبر يؤدي دور "النموذج الأول" داخل الأسرة؛ يراقب الإخوة طريقته في الحديث، وأسلوبه في التعامل، واستجابته للمواقف اليومية، فتتشكل كثير من السلوكيات بالتقليد قبل التوجيه. وتزداد هذه المكانة وضوحًا في المجتمعات التي تقوم على قوة الروابط الأسرية، حيث يشارك الأخ الأكبر الوالدين جزءًا من التربية والاحتواء وصناعة القرار. وتفتح دراسات العلاقات الأسرية بابًا آخر للتأمل؛ فالعلاقة بين الأشقاء تمتد عبر معظم مراحل حياة الإنسان، حيث يمضي الوالدان، وتتبدل الصداقات، وتتغير المدن والوظائف، ويبقى الأخ شاهدًا على الطفولة، وذاكرةً تحفظ تفاصيل السنوات الأولى التي يعرفها هو وحده. ويصف علماء النفس فقد الأخ بأنه فقد لجزء من الهوية الشخصية؛ فبرحيله تغيب ذاكرة مشتركة يصعب تعويضها. وعندما يرحل الأخ الأكبر، يتغير إيقاع البيت كله، تكبر المقاعد، ويطول الصمت في المناسبات، وتستيقظ الذكريات من أماكن بعيدة، فيلتفت الإخوة إلى تفاصيل عبرت أمامهم سنوات طويلة، ثم تظهر قيمتها كاملة بعد الغياب: مكالمة عابرة، سؤال متكرر، عتاب دافئ، يد سبقت الحاجة، وموقف حفظ للبيت تماسكه. تمضي الأعوام هادئة، ثم تأتي لحظة تعيد ترتيب العمر كله، ليعود الإنسان إلى طفولته من طريق غريب، ويجد أخاه الأكبر واقفًا في أول المشهد؛ يحمل عنه شيئًا من الخوف، ويطمئنه عند ارتباك البدايات، ويفرح لنجاحه كأن النجاح يخصه. كان يسبق الجميع إلى التجربة، ويستقبل كثيرًا من صدمات الحياة، ثم يعود بخبرتها هديّةً لإخوته.

***

نهاد الحديثي

في المثقف اليوم