سمعتها منذ زمن بعيد. قيلت عن رجل كان يعبر الشارع وفي يده كيس صغير. كان يمشي ببطء وينظر إلى الأرض، كأن شيئاً هناك يخصه وحده. لم أعرفه. لم أعرف من أي مدينة جاء، ولا ماذا قرأ، ولا ما إذا كان ينام سريعاً أو يقلب الوسادة طويلاً قبل أن يغفو.
قال أحدهم خلفه: «معيدي». فضحك رجل آخر.
الرجل لم يلتفت. واصل طريقه، وبقيت الكلمة في الهواء لحظة أطول مما ينبغي.
ربما لهذا تذكرتها. لم تكن الكلمة كبيرة، لكنها فعلت شيئاً كبيراً. أغلقت سيرة رجل لم تبدأ أمامنا أصلاً. أخذت مكان اسمه، ومدينته، وأمه، والبيت الذي خرج منه، ثم قدمته لنا في صورتها هي.
منذ ذلك الوقت صرت أسمع هذه الكلمات كما أسمع طقطقة خفيفة في جدار قديم. «معيدي»، «شروكي»، «معدان»، «فلاح»، «صعيدي»، «بدوي»، «كاولي»، «نَوَري»، «عجمي»، «رافضي»، «ناصبي»، «مجوسي». لا تجتمع كلها في بلد واحد، ولا تحمل الثقل نفسه، لكنها تتشابه في لحظة بعينها: اللحظة التي يصبح فيها الاسم أسرع من صاحبه.
في جنوب العراق، حيث الماء يدخل في تفاصيل الحياة كما يدخل الغبار في مدن أخرى، عاشت كلمات كثيرة قبل أن تصل إلى بغداد. «المعيدي» واحدة منها. وراءها قصب طويل، ومشحوف يهتز تحت قدمين، وجاموس يصعد من الماء وجلده أسود لامع، وامرأة توقد ناراً في بيت من القصب، ورجل يعود وثوبه مبتل إلى الركبتين.
حين وصلت الكلمة إلى المدينة حملت معها شيئاً آخر. عند بعض الناس صارت خشونة، وقلة تعليم، وطريقة في الجلوس أو الكلام. خفت صوت الماء وبقي الحكم.
أتذكر أحياناً كيف تُختصر البيئات حين تدخل المدن. يأتي الرجل من مكان كامل، من طفولة وروائح وأصوات وأسماء موتى، ثم يلتقط الآخرون منه علامة واحدة. لهجة، مشية، حرفاً يخرجه من حلقه بطريقة مختلفة. تكفي العلامة لكي يعود كل شيء إلى صفه القديم.
«شروكي» عاشت الرحلة نفسها تقريباً، لكنها حملت معها طبقات أكثر. جهة جغرافية، هجرة من الريف، جنوب، فقر، ثم دخلت السياسة والطائفة في بعض استعمالاتها. صار من الممكن أن تُقال الكلمة في مجلس ويعرف السامعون مقدار السم الذي وضعه القائل فيها من نبرة صوته وحدها.
أما «معدان» فكانت عند كثيرين أقرب إلى صورة جاهزة من كونها اسماً. يُقال الاسم، فيظهر الرجل في المخيلة قبل أن يظهر في الواقع. الملابس، اللكنة، الفقر، قلة التعليم، وربما رائحة المكان. صورة مسبقة تمشي وحدها.
كثيرون ممن جاءوا إلى بغداد تعلموا بسرعة أن الفم يفضح الطريق. يمكن تبديل القميص والحذاء، وحفظ أسماء الشوارع، والجلوس في المقهى كما يجلس أهل المدينة، لكن كلمة واحدة قد تعيد صاحبها إلى قريته. «جا» في العراق لا تحمل إهانة في ذاتها، غير أن النبرة، وطريقة نطق القاف والجيم والكاف، كانت أحياناً تكشف ما حاول الثوب الجديد أن يخفيه.
لهذا رأيت أبناء قرى يخففون لهجاتهم كما يخفف المرء حملاً عن كتفه. كانوا يعرفون أن الكلمة الأولى قد تصنع مسافة قبل أن يبدأ الحديث الحقيقي.
وأفكر هنا في مفارقة الريف والمدينة عندنا. المدينة تستيقظ كل صباح على ما يأتيها من خارجها: الخبز، الخضار، الحليب، اللحم، الأيدي التي تبني، والأجساد التي تنظف وتخدم وتحمل. ثم قد تنظر إلى تلك الأيدي نفسها كما لو أنها جاءت من طبقة أدنى في الطبيعة.
في مصر تكفي كلمة «فلاح» لكي نرى المسألة من زاوية أخرى. رجل يقف في أرض رطبة قبل شروق الشمس، يختبر التراب بيده، يعرف من لون السماء إن كان اليوم صالحاً للسقي، ويعود إلى بيته بثياب عليها شيء من الحقل. الاسم، في أصله، واضح كالمهنة. لكن المدينة أعادت صناعته في بعض البيئات، وأضافت إليه السذاجة وقلة الذوق والخشونة.
يصل الخبز إلى الطاولة نظيفاً. لا يصل معه الطين الذي التصق بالقدم، ولا الظهر الذي انحنى فوق الأرض.
والصعيدي عاش طويلاً داخل النكتة. ملايين الناس اختُصروا في رجل واحد عنيد، سريع الغضب، قليل الحيلة أمام دهاء المدينة. الطفل يسمع هذه الشخصية قبل أن يرى الصعيد. وحين يكبر يكون قد حفظ ملامح إنسان لم يلتقه قط.
حتى النسب الجغرافية الصغيرة قد تحمل هذه العدوى. «شرقاوي» أو «قروي» أو «جبلي» يمكن أن تكون مجرد إجابة عن سؤال: من أين أنت؟ ثم تأتي النبرة فتنقلها إلى مكان آخر. يصبح موقع البيت دليلاً على الذكاء أو السلوك أو الذوق.
و«بدوي» واحدة من أكثر الكلمات التي تتغير وهي تعبر الأفواه. عند صاحبها قد تحمل نسباً، وذاكرة صحراء، وأسماء أجداد، ونجوماً عرف بها الطريق. في فم آخر تصبح خشونة وبعداً عن المدينة. ثم ينظر البدوي إلى الحضري فيراه ليناً، مدللاً، لا يعرف الأرض ولا يحتمل العطش. كل واحد منهما يرى الآخر من وراء زجاج صنعه له.
في بلاد الشام تُسمع الحكاية بطريقة أخرى. ابن قرية، ابن ضيعة، ابن جبل، ابن مخيم. أسماء تبدو صغيرة، لكنها تحمل معها أحياناً ترتيباً اجتماعياً كاملاً. المخيم خصوصاً يوجعني في هذه المسألة. رجل يصل إليه لأن التاريخ اقتلع عائلته من مكان آخر، ثم يُحاسَب بعد سنوات على العنوان الذي أُلقي فيه.
في بعض بيئات الخليج تتداخل الجنسية بالمهنة والطبقة. يُقال «الهندي» أو «البنغالي» أحياناً ويكون المقصود أكثر من بلد الولادة. أرى العامل واقفاً تحت برج شارك في بنائه، خوذته في يده، والناس يعرفون جنسيته قبل أن يعرفوا اسمه. وربما يظل الاسم الحقيقي هو الشيء الأقل استعمالاً في يومه.
هناك كلمات أثقل من الجغرافيا لأنها جاءت محملة بقرون من الجدال. «العجم» واحدة منها. استُعملت لغير العرب، وخصوصاً الفرس في سياقات كثيرة، واقترنت العجمة بعدم الفصاحة. المشهد في أصله إنساني وبسيط: رجل يسمع لغة لا يفهمها. الأصوات تصل إليه متشابكة. وبعد زمن طويل ينتقل العجز من أذنه إلى صاحب اللغة.
ثم يسخر التاريخ بطريقته. كثير ممن وُصفوا بالعجم شاركوا في بناء علوم العربية والفلسفة والطب والإدارة. كانت الكلمة تدفعهم إلى الهامش، بينما كانت كتبهم تتحرك نحو القلب.
«الموالي» تفتح باباً آخر. في فترات من التاريخ الإسلامي لم يكن الاسم مجرد لفظ عابر. دخل في العلاقات الاجتماعية، وفي القرب والبعد من القبيلة والسلطة، وفي نظرة الناس إلى العربي وغيره. يمكن للكلمة أن تكون جزءاً من ترتيب الحياة نفسها، لا تعليقاً عليها.
ومع «رافضي» و«ناصبي» يصبح الهواء أثقل. هاتان الكلمتان خرجتا من تاريخ مذهبي طويل، ثم وصلتا إلى الشارع والبيت والمقهى. رجلان قد يسكنان الحي نفسه، يشتريان الخبز من الفرن نفسه، ويقلقان على أبنائهما من المرض نفسه، ثم تدخل كلمة قديمة بينهما فتتغير المسافة على الطاولة.
هذه الأسماء لا تحتاج دائماً إلى شرح. تكفي النبرة.
«مجوسي» تحمل شيئاً آخر. اسم ديني تاريخي أصبح في بعض الخطابات الحديثة وسيلة لطرد الخصم من تعريفه لنفسه. يقول الرجل إنه مسلم أو شيعي أو إيراني أو عربي، فيمنحه خصمه اسماً آخر، كأن هويته ورقة يمكن سحبها منه وإعادة كتابتها.
وأتوقف عند «استكردني» المصرية لأنها تكشف غرابة ما تفعله اللغة حين تنسى أصلها. المعنى الشعبي واضح: أتستغفلني؟ أتأخذ حقي لأنك تظنني ساذجاً؟ جسم الكلمة يوحي بصلة بـ«كردي»، أما الطريق التاريخي الذي حملها إلى هذا المعنى فليس واضحاً بالدرجة نفسها. الروايات كثيرة، واليقين قليل.
ما يبقى في أذني هو المفارقة نفسها. اسم شعب كامل يتحول إلى فعل صغير في مشادة يومية. يقوله المتكلم ثم ينساه، بينما تبقى وراءه جبال ولغة وأغانٍ وتاريخ لم يدخل شيئاً منها في الجملة.
هناك أيضاً «كاولي» و«نَوَري» و«غجري». أسماء التصقت بجماعات عاشت طويلاً على هامش مدن كثيرة في العراق والشام ومناطق أخرى. تراكمت حولها صور الفقر والتسول والرقص والجريمة، حتى صار الاسم عند بعض الناس شتيمة تُرمى على شخص لا ينتمي إلى تلك الجماعة أصلاً.
هنا تبلغ المسألة قسوتها الصافية. جماعة بشرية تصبح تشبيهاً.
يكفي أن يرث الإنسان صورة جاهزة. لا يحتاج أن يدخل بيتاً واحداً، أو يجلس مع امرأة من تلك الجماعة، أو يسمع طفلاً يحكي له عن مدرسته. الصورة تقوم مقام المعرفة.
في المغرب العربي نجد قصة أخرى حول «بربر» و«أمازيغ». الاسم الأول عاش قروناً في مصادر كثيرة، بينما يختار كثير من أبناء هذه الشعوب اليوم اسم «أمازيغ» لأنفسهم. ويبدو السؤال هنا أبسط مما صنعه التاريخ: بأي اسم يريد الإنسان أن يُنادى؟
ثم يأتي لون الجلد، أسرع العلامات وصولاً. لا يحتاج إلى لهجة أو بطاقة أو سؤال. في مجتمعات عربية بقيت ألفاظ قديمة حملت معها شيئاً من تاريخ الرق والخدمة والفقر. يرى الإنسان الآخر من بعيد، وقبل أن يسمع صوته يكون الجلد قد تكلم عنه.
أتذكر وجوهاً رأيتها في أسواق ومدن كثيرة. رجل أسود يبتسم للبائع. امرأة تغطي شعرها وتقود طفلاً من يده. عامل آسيوي ينام في الحافلة من التعب. شخص يلفظ كلمة بطريقة مختلفة. أشياء صغيرة جداً، ومع ذلك تستطيع عين معتادة على التصنيف أن تبني منها حياة كاملة في ثوان.
كثير من هذه الكلمات عاشت طويلاً داخل النكتة. الضحك يمنحها خفة لا تستحقها. يجلس الكبار، يروون حكاية عن صعيدي أو فلاح أو بدوي أو طائفة أو قومية، ويضحكون. الطفل يسمع.
هو لا يعرف التاريخ. لا يعرف لماذا صار هذا الاسم مادة للضحك. لكنه يعرف أن الوجوه الكبيرة من حوله ابتسمت في اللحظة نفسها.
بعد سنوات قد ينسى النكتة تماماً. تبقى في مكان ما داخل رأسه صورة صاحبها.
لهذا أعود دائماً إلى الرجل الذي مر في الشارع في بداية هذه الحكاية.
لا أذكر وجهه الآن. بقي الكيس في يده، ونظرته إلى الأرض، والكلمة التي قيلت خلفه.
ربما كان قد سمعها من قبل. ربما سمعها أبوه أيضاً. وربما تعلّم منذ زمن أن بعض الأسماء تُقال للإنسان من وراء ظهره، لكنه يعرفها من طريقة نظر الناس إليه.
يولد المرء باسم تختاره عائلته. ثم تأتي أسماء أخرى: اسم للمكان، واسم للطائفة، واسم للون، واسم للمهنة، واسم للطريقة التي ينطق بها حرفاً. يتقدم في العمر، وتظل هذه الأسماء تمشي حوله.
أحياناً يدخل واحد منها الغرفة قبله.
يجلس.
وحين يصل صاحبه، يجد أن جزءاً من الحديث قد انتهى.
***
فؤاد ميرزا بغدادي








