عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

عدوية الهلالي: بعض الكلمات.. أحزمة ناسفة

بعد الإعلان عن قرب اطلاق منصة الكترونية للابلاغ عن الخطابات الطائفية في مواقع التواصل الاجتماعي او وسائل الاعلام، صار لزاماً على كل من يريد اختبار مصداقية تنفيذ هذا القرار أن يراقب ما يُنشر في وسائل التواصل الاجتماعي وما يعرض أو يُكتب في وسائل الاعلام ليرى مدى استغلال البعض لحرية التعبير التي منحتنا إياها مرحلة (التحرير) من النظام الديكتاتوري في توظيف وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي لأغراض سياسية من خلال المناداة بافكار طائفية او التعليق على منشورات تحث على الطائفية بطريقة تزيد من تأجيجها لأنهم يدركون جيداً ان الكلمات يمكن ان ترتدي أحزمة ناسفة تنفجر بوجوه الجميع من دون استثناء فتتناثر شظاياها ليسقط البعض متأثراً بجراحها وينجو البعض الآخر من تأثيرها القاتل .

يُقال ان الحروب تبدأ عادةً في أدمغة البشر، فالحروب لا تبدأ على الأرض فجأة، بل تبدأ كأفكار من التطرّف، والكراهية، والعنصرية، أو الجشع في عقول القادة وصُنّاع القرار، ثم يجري توجيه الشعوب وتفكيك وعيها وزرع الشك والخوف تجاه الآخر عبر وسائل الاعلام وحملات التضليل السياسي. وفي العصر الحديث، تحول الدماغ البشري الى ساحة معركة عبر تطويع التكنولوجيا والتلاعب النفسي لتوجيه سلوك الخصوم دون الحاجة أحياناً لصدام عسكري مباشر، وهذا ما حدث ويحدث معنا، والذي يمكن تفاديه فيما لو حصل الناس على حاجاتهم الأساسية وتمكنوا من العيش بأمان واستقرار وضمان اجتماعي لأنهم لن ينشغلوا وقتذاك بالافكار الطائفية والعدوانية وسيعملوا على حماية مصالحهم وحياتهم بعد ان اكتشفوا ان كل صراع سياسي مهما كان منشؤه لايعود عليهم الا بالمزيد من المعاناة والتضحيات فالشعب هو حطب نيران السياسة الدائم.

وفي رسالته التي وجهها لشعوب العالم في منتصف هذا العام، دعا البابا ليو الرابع عشر إلى نزع سلاح الكلام قبل نزع السلاح، لأن العنف لا ينشأ أساسًا في الأوساط الدبلوماسية، بل في الخطابات الثنائية، واستقطاب وسائل الإعلام، وازدراء الخصم. ولا يغفل البابا ليو الرابع عشر عن الفضاء الإلكتروني فهو يعلم أن حروب المستقبل ستُحسم في المقام الأول من خلال التضليل والهجمات الإلكترونية. والحل لديه ليس المزيد من التكنولوجيا، بل المزيد من القانون. فيجب أن يكون كل هجوم، وكل تلاعب، قابلاً للتتبع.

الحضارة إذن لا تُقاس بالقوة النارية، بل بالقدرة على إسكات الأسلحة والابتعاد عن الكلمات القاتلة والاستماع إلى الإنسانية، والسلام ليس أملاً ساذجاً، بل هو ثمرة العدل والإحسان الدائمة. . علينا اذن ان نكون جميعاً رقباء على انفسنا وعلى غيرنا لنقتل الكلمات المغرضة في مهدها ونبتعد أميالاً عن كل ما يؤجج الطائفية وان يتم تطبيق القانون على الجميع بلااستثناء او محاباة.. فهل ستحقق لنا المنصة ذلك؟

***

عدوية الهلالي

في المثقف اليوم