"القلم طوزه"، لا أعرف متى استقر هذا الاسم، يتداوله أهل مدينة الحرية حتى صار دلالة على المكان. ربما كان تحريفاً شعبياً لـ "اليوكالبتوس" الشجرة الطويلة، المتسامقة، بمواجهة عيادة الدكتور قاسم. يسميها الناس البسطاء أحياناً " القلن طوزه" وحيدة ترفع أغصانها فوق الطريق عند ملتقى الطرق الثلاثة في مدينة الحرية كانت تقف، أو هكذا ما زالت تقف في ذاكرتي. لم تعد موجودة الآن. اختفت الشجرة، وبقي الاسم. وهذه واحدة من أكثر مفارقات المدن حزناً: أن يظل اسم المكان حياً بعد أن يموت المكان نفسه.
كان الشباب يلتقون هناك. لم تكن المدينة تحتاج إلى خرائط دقيقة كي نهتدي إلى بعضنا. كنا نقول: "نلتقي عند القلم طوزه"، كانت الشجرة عنواناً، وإشارة، وموعداً، وذاكرة صغيرة معلّقة في الهواء. كانت محطة صغيرة للحياة. تتوقف عندها السيارات التي تحمل الطلبة إلى المدارس والكليات، والموظفين إلى دوائرهم، والعمال إلى مصانعهم، والصبايا يحملن أسرارهن بين النهود. في الصباح تمتلئ بالحركة، بالحقائب والكتب، بوجوه لم تكن تعرف أن الأيام ستفرّقها بعد ذلك.
كان للحب نصيب من المكان أيضاً. هنا تتبادل بعض القلوب رسائلها السرية، ونظراتها الخجولة، وردة صغيرة تختبئ في يد، أو موعد بريئ يصعب البوح به. "القلم طوزه" تعرف أسرار البدايات: نظرة تطول قليلاً، ابتسامة تأتي في موعدها، وفتاة تلتفت من نافذة السيارة قبل أن تبتعد.
لم تكن السيارات تنقل الناس وحدهم، بل كانت تنقل أحلامهم الصغيرة أيضاً.
قريباً منها.. كان مقهى نجلس فيه، نتحدث ونراقب المارة ونؤجل العودة إلى البيوت. وفي الجوار كان صالون حلاقة غرناطة لبلبل الكحلاء سامي مناتي البهادلي، وحلاقة مهدي. أسماء أخرى كانت جزءاً من المشهد، مثلما كانت الشجرة جزءاً منه..
لم يكن غريباً أن يصبح محل سامي الذي عرف بـ (سامي كمال) واحداً من الأمكنة التي نلتقي فيها. لم نكن نذهب إليه دائماً من أجل الحلاقة. بل لأن صوته كان يجعل للمكان حياة أخرى.
كان الصالون صغيراً، بمرآة واسعة تتوسط الجدار، وكرسي حلاقة يدور ببطء، ومناشف بيضاء معلقة بعناية، رائحة الصابون والكولونيا تختلط برائحة الشعر المقصوص. على الرفّ أمشاط ومقصّات وعبوات صغيرة من العطور الرخيصة، وفي زاوية قريبة كان العود ينتظر، كأنه زبون آخر تأخر دوره.
صوت سامي، أقرب إلى الريفي، فيه حزن خفي لا تستطيع أن تعرف من أين جاء. تدرّب على آلة العود، يأخذه حين يهدأ المحل، أو حين يقل الزبائن، يجلس بيننا. نلتف حوله (منهل العارضي، موسى فنجان، رياض عيسى غيدان- قبل ان يختصر اسمه إلى رياض رمزي-، نزار الخشيمي، رشاد هاشم، أحمد الكناني، رستم، صباح كردي، أنا). كان يغني لنا أغاني عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش، ويترك صوته يمضي في المكان.
بدأ سامي في كورس الإذاعة، ينتظر دوره. يراقب المطربين الذين بدأوا يصعدون إلى الضوء، ويتابع خطوات فاضل عواد وحسين نعمة، ويرى في نجاحهما احتمالاً يشبهه.. كان يتأمل أن يغني لحناً لكوكب حمزة. ثم جاءت الأغنية (أفّيش بروج الحنيّة..أفّيش..أفّيش) التي كنا نظن أنها ستفتح له الباب، لكن اللحن ذهب إلى سعدون جابر، كانت خيبة أمله كبيرة. عشناها معه، لم يكن سامي يتحدث كثيراً عن الأمر. وهذا ما جعل حزنه أكثر وضوحاً.
كان سامي كمال واثقاً من صوته يرى في صوته ما يكفي، مشكلته أنه جاء في زمن ازدحمت فيه الأصوات. أخيراً ارتضى بأغنية "بويه عينه شكبرها"، من ألحان محمد عبد المحسن. غنّاها بصوته الذي كنا نعرفه، علّق عليها شيئاً من أمله القديم، لكنه اكتشف أن الأغنية وحدها لا تصنع الشهرة، وأن الصوت الجميل يحتاج إلى لحظة، وإلى لحن يفتح له الطريق. لم تحقق الأغنية ما كان ينتظره سامي.
وشيء في داخله يقول: إن الفرصة قد تأتي غداً، لكن البلاد نفسها كانت تضيق. مسوّرة بطوابير أسلحة الموت، والبلاد تبرعم فيها الدماء، كان زمن الديكتاتورية يثقل على الناس، يجعل حتى الأحلام الشخصية تبدو ترفاً مؤجلاً. اختار سامي المنفى. يبحث عن بلاد تضمّ رفاته، يهرب من قاتل يتوعده. تاركاً خلفه محل الحلاقة، و"القلم طوزه"، والمقهى، والأصدقاء، وكل ذلك العالم الصغير الذي كنا نظنه ثابتاً مثل الشجرة. كان يغني:
رايح يا رايح وين، يويلي يا بويه
نفتقد زاوية الشارع، عتبة الدكان، صوت صاحب المقهى، رائحة الشاي، الكرسي الخشبي، كنا نظن أن المدينة تحفظنا.
بيد أن المكان الذي كانت تمثله الشجرة أخذ يتلاشى معها. لم تقتلع وحدها، بل غاب المشهد كله: التفاصيل الصغيرة، معها الوجوه التي كانت تتقاطع عند ملتقى الطرق الثلاثة.
وحين تمحى المدن من ذاكرتنا، يبدأ المحو الأكثر خطورة: محو الوطن.
رحل أبو فريد، مات في السويد، وبقي صالون غرناطة في الذاكرة، وصوته يتردد في مكان لم يعد كما كان. بعد سنوات اختفت الشجرة أيضاً. لم تعد "القلم طوزه" سوى اسم يدلّ على مكان كانت فيه شجرة، مقهى، محل حلاقة، كان شباب المدينة يلتقون ويتحدثون عن الأغاني والكتب والأحلام.
لكنني كلما مرّ اسم "القلم طوزه" في ذاكرتي، أسمع شيئاً من صوت سامي.
***
جمال العتّابي








