كما يقال إن كثيرًا من التحولات العظيمة التي حدثت في التاريخ، وكانت وراء بناء حضارات شامخة، جاءت في أعقاب صدمات كبيرة وانعطافات خطيرة، بل حتى أشهر الفنون التي خلدها الزمن وُلدت من رحم المعاناة. ومن أقرب الأمثلة التي ما زالت تحفظها الذاكرة ما حدث لليابان بعد القنبلتين اللتين أطاحتا بالبلد، وخلّفتا وراءهما بقايا حضارة متوجعة.
لكن…
هل حقًا كل صدمة وتجربة مؤلمة تخلّف نموًا ووعيًا؟
وهل فعلًا يمكن للإنسان أن يخرج من التجربة أكثر نضجًا، أم أن هذه الفكرة أحيانًا تتحول إلى ضغط إضافي على المتألم؟
وإذا كان هذا صحيحًا، فكيف نفسر كل تلك الندوب والجروح التي خلفت نفوسًا متوحشة، كانت سببًا في دمار البشرية؟ وإذا تجاوزنا ذلك إلى أولئك الذين انكسروا ولم ينهضوا، وأدخلهم الفقد في نفق لا مخرج منه، وإلى الأسر التي تحطمت نتيجة آباء وأمهات كانوا هم أنفسهم نتاج صدمات وآلام لم تُشفَ؟
قبل مدة يسيرة، شدتني عبارة تقول:
«إذا بقي الإنسان يرفض زيارة العيادة النفسية، تحت ادعاء أنه بخير، رغم كل الناصحين، فستمتلئ العيادة بمن كان سببًا في ذهابهم.»
ويبقى السؤال: من أنا بعد الألم؟
ربما لا تستطيع الفلسفة وحدها أن تجيب عن هذا السؤال.
فماذا يحدث للإنسان نفسيًا عندما يتعرض لصدمة تقلب عالمه الداخلي؟ وهل يمكن أن تترك المعاناة، إلى جانب جراحها، إمكانية لنمو جديد؟
من أهم علماء النفس الذين تناولوا أثر الألم والصدمة فرويد، الذي يرى أن الألم النفسي والصدمة لا ينتهيان بمجرد انتهاء الحدث، بل قد تبقى آثارهما في النفس، خصوصًا عندما يعجز الإنسان عن استيعاب التجربة والتعبير عنها. فما نعجز عن مواجهته نفسيًا لا يختفي بالضرورة، بل قد يعود إلينا في صورة أخرى؛ فقد يُدفع إلى اللاوعي، ثم يظهر في سلوكياتنا وأحلامنا وأعراضنا النفسية.
والكبت، في المنظور التحليلي، لا يعني أن التجربة قد اختفت، بل إن ما لم يُعالج قد يستمر في التأثير في الإنسان بصورة غير مباشرة. ولذلك يصبح فهم التجربة والتعبير عن المشاعر المرتبطة بها جزءًا من طريق التعافي، بدل أن تبقى غامضة ومكبوتة.
فرويد، إذن، يركز أكثر على أثر الألم غير المعالَج وكيف يمكن أن يستمر في النفس حتى بعد انتهاء الحدث.
بينما يرى عالم النفس السويسري كارل يونغ أن مواجهة الجوانب المؤلمة والمظلمة في النفس يمكن أن تكون جزءًا من رحلة الإنسان نحو الوعي بذاته. فالمعاناة، في المنظور اليونغي، ليست مجرد شيء ينبغي التخلص منه، بل قد تكشف للإنسان جوانب من ذاته لم يكن يراها من قبل، وتدفعه إلى مواجهة نفسه وإعادة بناء علاقته بها.
وكأن الألم، في بعض الأحيان، لا يغير ما حولنا فقط، بل يكشف لنا ما كان مختبئًا في داخلنا.
كما أشار علم النفس المعاصر إلى إمكانية أن يتحول الألم، بعد معالجته واستيعابه، إلى إعادة بناء ونمو نفسي.
ومن هذه الأفكار ما طرحه باحثا علم النفس ريتشارد تيديشي و كالهون في بداية التسعينات حول ظاهرة تُسمى النمو ما بعد الصدمة.
حيث وجدا أن بعض الأشخاص، بعد تجارب شديدة القسوة، لا يكتفون بالتعافي والعودة إلى ما كانوا عليه، وإنما يشعرون بأن التجربة أدت إلى تغيرات عميقة في حياتهم، مثل: تقدير أكبر للحياة، وعلاقات أكثر عمقًا، واكتشاف قوة داخلية لم يكونوا يعرفونها، وتغير في الأولويات، وفهم روحي مختلف.
لكن هذا لا يعني أن الألم والتجارب القاسية شيء جيد، أو أننا نسعى إليها، بل يعني أن الإنسان قد يجد، بعد وقوعها ومعالجتها واستيعابها، إمكانية للنمو من خلالها.
فالتعافي ليس بمحو التجربة القاسية، ولا بالتظاهر بأنها لم تحدث، بل بفهمها واستيعابها، والاستمرار في النمو بوجودها كجزء من تجربتنا.
ولابد أن نتعلم من الطبيعة كيف ننسجم مع قوانين الحياة بدل مقاومتها. وهذه هي النتيجة التي أثارت كل هذه التساؤلات في ذهني، وشدتني إلى البحث والتنقيب، حين قرأت يومًا في الفلسفة الصينية القديمة عن لاوتسه وفلسفة الطاوية.
فالطاوية ترى أن الحياة في حالة تغير دائم؛ الأشياء تولد، ثم تتغير، ثم تزول، والإنسان نفسه ليس ثابتًا. لذلك فإن كثيرًا من معاناتنا قد تأتي من محاولتنا التشبث بما نحب، أو مقاومة ما حدث، أو الإصرار على أن تسير الحياة وفق الصورة التي رسمناها لها.
إنها تدعو إلى المرونة لا الصلابة؛ فليس كل ما يعترض طريقنا يحتاج إلى مقاومة وانتصار. فقد تكون القوة، في بعض الأحيان، في ألا نقاوم، وأن نكون كالماء؛ يستمر في الجريان مهما واجهته الصخور، لا يحاربها، بل يلتف حولها ويستمر حتى يجد له طريقًا للعبور.
الطاوية لا تقول إن الألم «جيد»، ولا تطلب منا إنكار الحزن، وإنما تقول، بصورة أعمق، إن الألم جزء من حركة الحياة، وإن مقاومته المستمرة قد تضيف ألمًا إلى الألم.
دعه يعبرك بهدوء.
ولا يعني هذا الدعوة إلى السلبية أو عدم الحركة، بل يعني المرونة؛ أن نتعلم كيف ننسجم مع قوانين الطبيعة، وأن نعرف ما يستحق المقاومة، وما الأصلح أن نتركه يمر بهدوء.
فالألم لا يمر بنا دون أن يترك أثرًا، كما أن الفقد لا يأخذ منا شيئًا دون أن يعيد تشكيل شيء آخر في داخلنا.
نحن لا نخرج من التجارب كما دخلناها.
ربما لا تكمن القوة دائمًا في أن نقاوم الألم، ولا في أن نتظاهر بأننا أصلب منه، وإنما في أن نسمح لأنفسنا بأن نشعر به، وأن نعبر خلاله دون أن نفقد أنفسنا.
فالحياة ليست وعدًا بالأمان، ونحن لسنا بمنأى عن تقلباتها. والإنسان، في نهاية الأمر، لا يملك أن يمنع الريح، لكنه يستطيع أن يتعلم كيف يقف بعدها.
وربما لا يكون السؤال الحقيقي:
كيف أعود كما كنت؟
بل:
من أنا الآن، بعد كل ما حدث؟.
***
منى الصالح








