(مثال آخر على مبدأ معيارية الحق والخير وحياد الأشياء)
يقول المنظّر العسكري كارل فون كلاوزفيتز: الجانب الذي يشعر برغبة أقل في السلام سيحصل بطبيعة الحال على الصفقة الأفضل.
العبارة، للوهلة الأولى، وصفً قاس لكن واقعي لطبيعة الصراع والتفاوض. فمن يريد السلام بشدة يبدو مستعدًا لدفع ثمنه وتقديم التنازل، بينما الطرف الذي لا يخاف استمرار الحرب أو الصراع يستطيع أن يرفع مطالبه ويؤخر الاتفاق ويرفض التنازلات.
وهكذا، يصير السلام نفسه ساحةً أخرى للصراع، وتتحول الرغبة فيه إلى عامل قد يضعف صاحبها بدل أن يقويه.
لكن هذه الفكرة، على قوتها، تحتاج إلى تفكيك؛ لأن فيها حقيقة مهمة، وفيها في الوقت نفسه خلطًا بين مفاهيم ينبغي الفصل بينها.
إن جوهر الفكرة هو أن الحاجة تُضعف الموقف التفاوضي. فإذا كان طرفان يتفاوضان، وكان أحدهما يشعر بأنه لا يستطيع الاستمرار دون اتفاق، بينما يشعر الآخر بأنه قادر على تحمل استمرار الصراع، فإن الطرف الثاني يمتلك مساحة أوسع للمناورة والرفض وفرض الشروط؛ الأول يتفاوض تحت ضغط الحاجة، بينما الثاني يتفاوض تحت ضغط أقل.
وهنا تظهر قاعدة واقعية مهمة أنه كلما زادت حاجتك إلى الاتفاق، ازدادت قدرة الطرف الآخر على الضغط عليك.
وهذا لا يقتصر على الحرب والسلام. ففي التجارة، يكون البائع الذي يحتاج أو يضطر إلى المال فورًا أو إلى البيع، أكثر استعدادًا لتخفيض السعر. وفي العمل، يكون الإنسان الذي يحتاج الوظيفة بأي ثمن أكثر قابلية لقبول شروط لا يقبلها من يملك بدائل أخرى. وفي العلاقات الإنسانية أيضًا، قد يصبح الطرف الذي يخاف فقدان العلاقة أكثر من الطرف الآخر الطرفَ الأضعف داخلها.
إذن، هناك حقيقة لا يمكن إنكارها تتمثل في أن عدم تساوي الحاجة يخلق عدم تساوٍ في القوة.
لكن هل الطرف الذي يرغب أقل في السلام هو حقيقةً الطرف الأقوى؟ فالرغبة في شيء لا تعني بالضرورة القدرة على الاستغناء عنه. فقد يرغب طرف في السلام بشدة لسبب ما، لكنه في الوقت نفسه يمتلك قدرة كبيرة على الاستمرار في الحرب إن لم يتحقق السلام.
وقد يكون طرف آخر قليل الرغبة في السلام، لا لأنه قوي، بل لأنه متعصب يحركه الحقد والكراهية او مخدوع أو جاهل بحقيقة وضعه أو عاجز عن رؤية حجم الكارثة التي تنتظره أو طامع في شيء وهمي.
وفي هذه الحالات لا يكون عدم رغبته في السلام دليلًا على قوته، بل قد يكون دليلًا على جهله بحقيقة حاله.
ولهذا فإن الحقيقة ليست: من يريد السلام أقل يحصل على الصفقة الأفضل.
بل من يستطيع تحمّل غياب السلام أكثر، يمتلك قوة تفاوضية أكبر.
حيث ثمة فرق جوهري بين الإرادة النفسية والقدرة الموضوعية.
الإرادة النفسية تسأل: كم أرغب في السلام؟ أما القدرة الموضوعية فتسأل: ماذا يحدث لي إذا لم يتحقق السلام؟
وهنا تتغير طبيعة المسألة كلها. فالقوة التفاوضية ليست قلة الرغبة، بل قلة الحاجة والإضطرار. وليست في رفض السلام، بل في امتلاك القدرة على عدم الإرتهان إليه.
لكن حتى هذه القوة لا ينبغي أن تُفهم على أنها تراعي الحق والخير ومعيار الحق والخير. وهنا نصل إلى المشكلة الأعمق في منطق هذه العبارة. حيث إن القول بأن الطرف الأقل احتياجًا يحصل على الصفقة الأفضل هو وصف لما قد يحدث في عالم القوة، لكنه لا يقول شيئًا عن الحق والخير وعدالة ما يحدث.
فالطرف الأقوى قد يحصل على شروط أفضل، لكنه لا عن حق واستحقاق. وقد يفرض الطرف الأقدر شروطًا ظالمة لأنه يستطيع فرضها، لكن القدرة على الفرض ليست دليلًا على مشروعية هذا الفرض.
وهذا هو الفرق بين ما يمكن الحصول عليه وما ينبغي الحصول عليه وفق معيار الحق والخير.
القوة قد تحدد مقدار ما تستطيع انتزاعه من الآخرين، لكنها لا تحدد مقدار ما يحق لك أخذه منهم.
والغلبة أو النجاح أو الربح لا يعني بالضرورة تحقق الحق. قد يخرج طرف من المفاوضات رابحًا، لكن يكون ظالمًا. وقد يخرج طرف آخر خاسرًا، لكنه يكون صاحب الحق.
إن عالم السياسة والحرب والتفاوض كثيرًا ما يخلط بين هذه الأشياء. ما يستطيع الإنسان فرضه يُعامل أحيانًا كما لو كان حقًا له. وما ينجح في تحقيقه يُقدَّم كما لو كان خيرًا في ذاته. لكن بين القدرة والحق مسافة كبيرة، وبين النجاح والخير مسافة لا تقل عنها. لذلك لا يصح أن نسأل أين القوة، بل أين الحق والخير.
وتبقى مقولة كلاوزفيتز وصفًا واقعيًا لجزء من الحقيقة وبلحاظ القوة والقدرة، لا قانونًا عامًا للحياة وبلحاظ الحق والخير.
نعم، الطرف الذي يحتاج الاتفاق أقل قد يمتلك غالبًا موقفًا تفاوضيًا أقوى. لكن ذلك لا يعني أن الطرف الذي يرغب في السلام أقل هو بالضرورة الأقوى، ولا يعني أن الصفقة التي يحصل عليها ستكون عادلة أو صحيحة.
وفي النهاية يمكن تلخيص الفكرة كلها في قاعدة أكثر مطابقة للحقيقة والحق: في التفاوض، ليست القوة في قلة الرغبة في السلام، بل في القدرة على تحمّل نتائج الصراع.
لكن حتى هذه القدرة الواقعية أيضا لا تمنح صاحبها الحق في كل ما يستطيع انتزاعه ولا يجعل منه (أهل خير) كما يتصور أو يصور حيث أن الإنسان يستحيل عاددة أن ينسلخ من هذا المعيار أو هذه الغاية وهي الحق والخير.
وهنا يتحول سؤال القوة إلى سؤال الحق. لأن السؤال الحقيقي ليس، من يستطيع أن يحصل على أكثر، بل من يستحق ماذا، ولماذا؛ وماذا سيفعل بهذا الإستحقاق. حيث معيار الإنسان المفترض وغايته المفترضة، كإنسان هي (الحق والخير) مهما تحققَ وامتثل أو تناقضَ في ذلك وجهلَ أو تجاهلَ.
أخيرا. أقول، كانت هذه المقاربة مثالا وتطبيقا آخر لنظرية أو مبدأ (معيارية الحق والخير وحياد الأشياء) أي أن الحق والخير هو المعيار الأساسي لأصيل والبديهي ولفطري، الذي يفرض نفسه، على الجميع مهما اختلفت اعتقاداتهم أو أحوالهم أو غاياتهم، ولو أنكروه أو أخطأوا في مراعاته أو تناقضوا فيه.
***
جميل شيخو – العراق
4 / 9 / 2026








