عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

عبد الباقي قربوعه: لا سيادة للعقل على المُقدّس

لا سيادة للعقل على المقدس ولا مسلمات دينية تلغيه، والمُوفِّقون بينهما بالتوازي والتوافق مخطئون أيضا، حتى الذين بدافع متعة المبارزة الفلسفية لمقاربة علم الروحانيات بعلم المادة ليسوا على صواب.

الحقيقة البسيطة أن العقل مخلوق، ومهما بلغت درجة ذكائه وعبقريته فلا يستطيع أن يثبت أنه خلق نفسه، أو ما يعبر بعضهم عن الظاهرة بأنه مجرد صدفة وجودية، ومن جهة أخرى لا يمكن أن يخلق الله ما يمكن يفوقه في تقدير الغيب وعالم الروح، بدليل قوله تعالى في وصف الجنة: (لا عين رأت ولا أذن سمعت وما خطرت ببال بشر)، اتفاقا على أن كلّا من العين والأذن والخيال مجرد أدوات للعقل، إذ لا يمكنه استعمالها إلّا في مدارات ما يستوعبه الإنسان في الواقع والطبيعة، حيث تتوفر معطيات المسائل المعقدة وغير المعقدة والسطحي منها والعميق، أين تتم دراسة ظواهر حسية مما يبذله الإنسان من مشاعر اتجاه الآخرين والعكس خلال مواقف مختلفة، أو ظواهر مرئية مما يقابله من مواضيع مادية ذات صلة بالمنفعة العامة.

كون العقل مخلوق بكل ما يحوزه من قدرات نظرية تزعج كلّا من الملحد والساحر والكاهن، لأن لدى كل منهم رغبة في تأليه عقله، معتبرا أن العقل كفيل بتوفير الحكمة وصناعة المواقف المثالية، ومعرفة ما يمكن أن يحصل غدا أو العام أو القرن القادم، دون حاجة إلى قوة يعتبرونها طفيلية على العقل حتى ولو كانت دينا مُكلّلا بالخوارق والمعجزات، فهم يعتبرون الدين مجرد ذريعة يتذرع بها المؤمنون للتغطية على عقولهم الغبية الإمعة التي ليست لديها قدرة على التفكير.

في الجهة الأخرى يصف المستجيبون للنص المقدس هؤلاء بالملحدين، فالملحد هو الذي ينفي وجود الله باعتبار أنه منح عقله قدرة خارقة لا تحتاج إلى سند مقدس لتوجيهه وكبحه، أو يطالبه بالخضوع والامتثال، وقد يصل به غروره إلى اعتبار نفسه يساوي أو يفوق الصفات الإلهية في تقدير الغيب ومصائر البشر، وقد يلزمهم بالركوع له كما فعل فرعون ومن على شاكلته من الملوك المعاصرين، فيفعلون ظنّا أنه يفوق الله في سرعة عقابه وشدته، وأنه ليس غفورا رحيما كخاصية يعتبرها تميّزا على الله، فهو يعتقد أنه - تعالى عن ذلك - متخاذلا حين يقبل توبة البشر ويعفو عنهم.

هؤلاء هم الذين وقفوا ضد الأنبياء والرسل ووصفوهم بالمجانين، وعندما استجابت لهم البشرية لم يجنحوا إلى الإيمان استجابة إلى ما أوحي إليهم، بل عندما تمكن الرسل  - صلوات الله عليه عليهم - من التأثير على واقع الحياة و وصفوهم بالسحرة والكهنة، مع أنهم هم البادئون بصناعة السحر والتكهّن، أو بما أبدعه الملحدون المعاصرون من مصطلحات، كما وصف الروائي الجزائري رشيد بوجدرة الرسول محمد ﷺ بالرجل الثوري ونفى أن يكون رسولا، وصفَه بذلك لسببين، أولا ليجعل نفسه شبيها به، وثانيا  ليظن المؤمنون به أن المسألة لا تتعلق سوى بالشجاعة والجرأة، وسحر الخطاب النضالي كالمعمول به في الخطابات السياسية، وضمنيا نفى أن يكون العقل هو الذي استجاب لإعجاز النص المقدس، الفكرة نفسها تصب دلالة في نفس سياق أطروحات كل من الباحث المغربي أحمد عصيد، والسعيد بن جبلي، والروائية المصرية نوال السعداوي، وبوعلام صلصال وغيرهم الكثير ممّن ينتمون إلى دول عربية وغير عربية.

الغريب أن بعضهم قضوا نحبهم في الحياة اللّادينية متشابهين مع الأنعام، وبعضهم أنهوا حياتهم بأيدهم ليثبتوا أنهم أرحم من الله على أنفسهم حين لا يتركون أنفسهم يتألمون، وبعضهم تعجلوا وأنهوا حياتهم وهم بصحة جيدة خوفا من أن يُرجِع الآخرون موتَهم إلى القضاء والقدر، مثل ما فعل الباحث السوري ديفيد المعروف بـ: (ديفيد رجل كهف) ثم سار على خطاه المغربي السعيد بن جبلي وانتحر مثله، وربما هناك الكثيرون من أتباعهم ماتوا على هذا النحو ولم يعلم بهم أحد، أو ربما صنفتهم التقارير الأمنية بالمنتحرين وكفى.

ورغم هذا المصير المشين لرواد هذه الفلسفة، لا يزال كثير من المفكرين الذين هرب بهم جموح تفكيره يناهضون لتحرير العقل من هيمنة الدين، وبالرغم من أنهم يدعون نباهة الفكر ويقدمون سلطة العقل على المقدس لم يتصالحوا مع أنفسهم ليضبطوا وضعهم النفسي، ليتساءلوا هل هم فعلا مقتنعين بأن النص المقدس لا يصلح لتنظيم شؤون المخلوقات في الحياة، أم فقط لأنه حرم عليهم ما تشتهي أنفسهم، وبالتالي يعترفون بأن الحياة الأخرى حقيقة، وأنهم قالوا بأنها خرافة فقط لأن هناك عقاب ينتظرهم مع إصرارهم على ارتكاب ما يحرمه النص المقدس، حيث يعتبرون ذلك تجنيا على حرية الإنسان في ما يفعله اتجاه نفسه وروحه وجسده.

في منوال آخر لم ينتبه هؤلاء إلى أنهم أثبتوا بأنهم شركاء مع سائر البهائم سلوكيا بتناول كل شيء تشتهيه النفس في الحياة، فالتيس مثلا عندما تكبر ابنته الجدية يمتطيها لتُنجب منه، فهذه فطرة قدّرها الله للمخلوقات غير العاقلة رحمة بالإنسان وحرصا على تأمين غذائه، لكن عندما يمتطي الأب ابنته بمبرر حرية الجسد فهل هناك خلفية نفعية من وراء هذا التزاوج؟ إلّا إذا أراد أن يبرر ذلك بتأمين مستقبله المعيشي أو الجنسي، فيُعدنا بذلك إلى النقطة الأولى التي انطلقت منها نشأة الخلق الآدمي حيث آدم وحواء، في هذه الحالة تكون الفلسفة أداة للتلاعب بأذهان البشر وليست أداة لتنويرهم، فلو أن للعقل سيادة فعليا كما يقولون لاعتبروا آدم وحواء أخُوة خَلقية وليست أُخُوة عائلية ناتجة عن تزاوج بين رجل وامرأة، كما أن أمومة السيدة مريم العذراء أمومة خَلقية وليست أمومة نتجت عن تزاوجها من طرف آخر كما تعتقد بعض الأديان، ولله القُدرة أن يخلق ما يشاء حتى من العدم. 

فلو نقترِح على أحد من المنادين بحرية الجسد إنشاء مخبر، بيت – مثلا - يجمع داخله أسرته المتكونة منه وأمه وأبيه وزوجته وابنته وأبنه، وأطلب منه أن يظل هذا المخبر مغلقا لمدة 20 سنة يتزاوجون خلالها فيما بينهم وينجبون من بعضهم، لنجدهم بعد هذه المدة قد تكاثروا وفق نظرية حرية الجسد، أكيد سنكتشف أن كثيرا من المفاهيم الأسرية قد تلاشت: (الأب، الأم، الجد، الجدة، الخال، الخالة، العم، العمة، الأخ، الأخت، الابن، الابنة، الحفيد..)، يعني القضاء على مصطلح النّسب فيصبحون سواسية كأجساد الأنعام، ثم لا تجد الدولة بعد ذلك ضرورة للاهتمام بالحالة المدنية كنظام اجتماعي، بعد ذلك هل نستطيع أن نفرق بينهم وبين القردة؟ ربما نتبيّن أنهم بشر فقط من خلال الشكل واللغة، هذا إن نجوا من الاضطرابات والأمراض الوراثية، وربما ينتج عن الظاهرة مسخٌ يتسبب في فساد الذوق العام.

العقل لا يجني على نفسه بتجاوز المقدس والعلم والمنطق، إنما ارتباطنا بما تشتهيه النفس هو الذي يبرر ما نريده من حرية مطلقة، فنتمرد بذلك على سمو العقل كأداة تتقدم وعيا على كل الانفعالات، به يمكننا التباهي بسيادة عقولنا على الحيوانات كونها غير واعية بما تفعل، وأن الله خلقها فيما هي عليه لأسباب نفعية ذات صلة باستمرار وجود الإنسان، فهل من المنطق أن نجنح إلى سلوكها بحجة ازدهار الفكر وتجدد المعرفة؟

***

عبد الباقي قربوعه – كاتب جزائري

في المثقف اليوم