ما إن تبدأ أولى زخات المطر بالهطول حتى نشعر أن شيئًا غائبا قد عاد ليتحرك في أعماق الوجدان. تتغير رائحة الأرض، وتتبدل ملامح المكان، ويصبح للهواء نفحة آخرى، كأن المطر لا يهطل على الأرض وحدها، بل يهطل أيضًا على الذاكرة، فيوقظ فيها صورا من استذكارات بعيدة، ظلت ساكنة خلف تداعيات الزمن.
رائحة الأرض المبتلة بالمطر، تأخذنا إلى قرية هادئة، كانت تستقبل المطر بفرح يشبه فرح العيد، وإلى طرق ترابية، تتشكل فوقها البرك الصغيرة، وأطفال يخرجون بلهفة، يركضون بين الأزقة، ويتسابقون مع الماء المتدفق من أسطح البيوت الطينية، غير عابئين ببلل الثياب، ولا ببرودة الطقس.
كان المطر يومذاك، حدثًا يستحق الانتظار. ففي ذلك الزمن البسيط، كانت البيوت القديمة، تبدو في أيام المطر، أكثر ألفة ودفئًا، حيث تجتمع الأسرة حول الموقد طلبًا للدفء، فتبدأ الأحاديث، وتتعاقب الحكايات، وتمتد الأمسية في هدوء، يمنح البيت دفئًا يتجاوز دفء النار.
وكان للأم والجدات حضورهن الخاص في تلك الأمسيات، إذ يتحركن بين أفراد الأسرة، لتهيئة ما يحتاجونه، والاطمئنان إلى دفء البيت، بينما يجلس الأب قريبًا من الموقد، يصغي إلى حديث الآخرين، ويضيف بين حين وآخر، حكاية من حكايات الحياة.
وتظل الذاكرة تحتفظ بتلك التفاصيل الصغيرة، المطر وهو يطرق الأبواب والنوافذ، ورائحة الحطب حين يشتعل، وصوت قوري الشاي، ودفء الموقد، وملامح الوجوه، التي كانت تملأ البيت حياةً وحضورًا وسرورًا.
وهكذا ندرك أن الذاكرة لا تحفظ الأحداث الكبيرة وحدها، فحسب، بل تحفظ أيضا تلك التفاصيل، التي لم نكن نمنحها اهتمامًا في حينها، تحفظ رائحة الأرض بعد المطر، ودفء الموقد، وارتعاش النوافذ أمام الريح، ونداء الأم، وضحكة طفل، وحكاية جد، وفنجان شاي، كان يجمع أهل الدار بطمانينة في تلك اللحظات.
وهكذا تصبح كل قطرة مطر، رسالة صغيرة من الماضي؛ رسالة تقول إن الزمن يمضي، لكن بعض الأشياء لا تمضي معه. فالأمكنة قد تتغير، والوجوه قد تغيب، لكن رائحة المطر، تظل قادرة، على أن تعيد إلينا، ولو للحظة واحدة، دفء الأمس، ووجوه الذين أحببناهم، وألفة الأيام التي لا تعود.
***
نايف عَبوش








