كنتُ يا أصدقائي في سويسرا في آذار العام 2000.. ذهبتُ هناك لرؤية أصدقاء متوجهاً من مدينة برلين حيث اسكن الى مدينة فراي بورج (Freiburg) الألمانية الواقعة في جنوب غرب البلاد على الحدود الألمانية الفرنسية السويسرية، وهي المدينة التي أعرفها حيث درست لفترة في جامعتها قبل انتقالي الى جامعة برلين..
في سويسرا وفي مدينة جنيف سمعت ان هناك مهرجاناً شعرياً سيعقد لأول مرّة تحت عنوان مهرجان المتنبي الشعري في مدينة زيوريخ السويسرية، وان هناك زملاء وأصدقاء سيشاركون فيه.. المشرف العام على المهرجان كان شاعراً عراقياً اسمه (علي الشلاه).. عرف الأخ علي الشلاه بوجودي في سويسرا فاقترح على أحد المدعوين ان يبلغني بامكانية حضوري للمهرجان ان رغبت في الحضور.. وحينما ذهبنا الى المهرجان كان الأخ علي الشلاه مُرحِّباً والحق يقال.. لم أكن مدعواً بشكل رسمي، ولكنني رغبتُ في الحضور حيث كنت في سويسرا قريباً من المهرجان، وهذه فرصة لسماع الشعر والأدب وسماع المدعوين القادمين من العالم العربي البعيد بالاضافة الى الشعراء والادباء السويسريين والألمان والأوربيين.
رأيت هناك في زيوريخ الاستاذ الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي اذ كان مدعواً للمهرجان.. كان الاستاذ حجازي قد نشر لي سابقاً نصوصاً في مجلة (ابداع) القاهرية التي يرأس تحريرها في ملف عن الأدباء والشعراء العراقيين المغتربين.. والحقيقة انني لم ابادر بارسال هذه النصوص اليه من قبل.. لقد اجتهد وبحث هو وزملاؤه في مجلة ابداع ووجدوا نصوصاً لي كانت منشورة في صحف ومجلات عربية وعثروا على صورة شخصية لي أرفقوها بالنصوص لأكون ضمن ملف مجلة ابداع عن الشعراء والأدباء العراقيين المغتربين..
راسلتُه بعدها وأرسلت اليه قصيدة للنشر مع رسالة شخصية فنشر القصيدة والرسالة معاً في التفاتة رائعة معتبراً الرسالة عملاً أدبياً لا يجب ان يُغفل. وكان اسم الموضوع المنشور (رسالة وقصيدة.. كريم الأسدي).. وكانت دهشتي كبيرة حقاً حين رأيت رسالتي منشورة الى جنب القصيدة ففهمت هذا من كرم وطيبة الاخوة المصريين..
في زيوريخ هتف مرحباً بي اذ تذكَّر في الحال نصوصي المنشورة عندهم في مجلة ابداع، فسألني مباشرة:
هل سنرى مشاركة لك في هذا المهرجان؟
فاجبته وقلت:
لا، أنا قادمٌ الى هنا للاعتذار من المتنبي نيابةً عن أجدادي بني أسد !!
لم يتمكن من السيطرة على ضحكته العالية، وحينما وصل الشاعر السوداني محمد الفيتوري أتاني الأستاذ حجازي قائلاً لي:
تعال معي، اريد ان أعرِّفك الى الأستاذ الشاعر محمد الفيتوري..
ذهبنا معاً الى المكان القريب حيث يجلس الفيتوري في الصالة فبادره بالقول:
اُعرِّفك بالشاعر العراقي كريم الأسدي الذي حضر نيابة عن أجداده بني اسد ليعتذر للمتنبي..
وضحكنا جميعاً معاً..
حينما بدأت الأُمسية الأولى صعد الى المنصة الشعراء والأدباء المدعوون وكانت جلسة حوار عن الشعر والأدب والتبادل الثقافي بين الشعوب، وكان المشاركون شعراء وأدباء عرباً وألمانَ وسويسريين..
كنتُ ضمن الجمهور المستمع..
حدثت مشكلة سببها غياب التفاهم بين المتحاورين، فحين يتحدث العربي يفهمه العرب لكن لا يفهمه الألمان والسويسريون بالضرورة، وحين يتحدث الألماني أو السويسري لايفهمه العرب بالضرورة..
الأدباء والشعراء المشاركون أدركوا هذا المأزق مثلما أدركه الجمهور الحاضر حيث كان التواصل بين اللغات يساوي الصفر.. ومَن يتحدث يتحدث الى نفسه والى أبناء لغته، بينما من أهداف مثل هذا اللقاء هو هدف التفاهم الثقافي والأدبي بين الشعوب..
نادى الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي قائلاً ان هناك مشكلة كبيرة سببها غياب مترجم بين اللغتين العربية والألمانية واقترح من تلقاء نفسه قائلاً: أنا أدعو الشاعر العراقي كريم الأسدي للحضور والقيام بمهمة الترجمة بيننا..
قال علي الشلاه برد فعل سريع: (لا يوجد سوى كريم)، وباللهجة العراقية حيث قال: (ماكو غير كريم.)
استجبت للطلب وصعدت الى المنصة وبدأت اترجم ما يقوله الشعراء والأدباء العرب للألمان والسويسريين، وما يقولونه هم للعرب..
استمرت الندوة لساعتين، ترجمت فيها كل قول.
تفت سيدة سويسرية من الجمهور قائلة: أنا أريد ان أعرف من هو هذا الشخص الذي يقوم بمهمة الترجمة.. فأجبتها بأنني شخص من الجمهور وقد تطوعتُ للترجمة مجاناً بدون نقود.. فضحك بعض الحاضرين.
حينما انتهت الندوة الأولى اتت باتجاهي أمل الجبوري التي كانت حاضرة ومدعوة كمساهمة اساسية وقالت:
(كريم، لقد انقذتَ الموقف اليوم.. لولاك لفشل المهرجان فشلاً ذريعاً من يومه الأول ومن ساعته الأولى.. لا أدري كيف حدث هذا الخطأ في التنظيم ولم ينتبه أحد من المنظمين لدور المترجم.. لكنك تداركت المسألة وانجزت المهمة على أفضل وجه.. وهذا ليس غريباً عليك فأنت شاعر ولديك شهادة ماجستير في الأدب المقارن وتجيد اللغة الألمانية)
أقوال مثل ملاحظة أمل الجبوري هذه سمعتها من حاضرين من المشاركين ومن الجمهور على حد سواء..
الغريب انني لم أتمكن فيما بعد من الاشتراك في فعاليات مهرجان المتنبي للدورات اللاحقة، وكان الواجب الأدبي والأخلاقي ان أكون مشاركاً في الدورة الثانية..
مرّت أكثر من عشر نسخ من مهرجان المتنبي وعلى مدى أكثر من عقد من الزمان وكان مديره هو المدير نفسه الأخ علي الشلاه، ولم تصل لي أي دعوة لا كشاعر وأديب ولا كمترجم رغم ان نصوصي الشعرية والأدبية تشهد لي مثلما تشهد لي امكانيتي في الترجمة، ورغم انني نبهت الأخ علي الشلاه في مكالمات هاتفية من برلين من انَّ الاشتراك حق طبيعي لي كشاعر وأديب ومترجم عراقي وان الذين تتم دعوتهم ليسوا أفضل مني اذا كانت هناك عدالة في التثمين..
نفس اللغز كان يحدث في برلين في الفعاليات الثقافية التي تشرف عليها أمل الجبوري في الجانب الثقافي العربي اذْ كان اسمي يُستبعد عن المشاركة دائماً وبقدرة قادر، بينما أمل الجبوري تعرفني مثلما يعرفني علي الشلاه.. بل انها تعرفني جيداً من مساهماتي في الندوات الأدبية في برلين.
في نفس الأيام التي كنت فيها في مهرجان المتنبي في سويسرا نشرت لي أكبر جريدة سويسرية قصيدة في قسمها الأدبي وفي العدد الصادر في يوم 22. 03. 2000.. اسم هذه الجريدة (جريدة زيوريخ الجديدة) و في الألمانية (Neue Zürcher Zeitung).. ولم أكن أعلم حيث أخبرني المترجم الألماني شتيفان فايدنر (Stefan Weidner) الذي كان حاضراً آنذاك وقرأ النص في الجريدة المهمة أدبياً وثقافياً على صعيد محيط اللغة الألمانية بأكمله..
القصيدة كان اسمها (بُعد) وقد ارسلتها للجريدة قبل أسابيع من تاريخ نشرها بعد ان ترجمتها بنفسي من العربية الى الألمانية..
علماً ان هذه الجريدة كانت قد نشرت لي نصوصاً عديدة قبل قدومي الى سويسرا ومنذ العام 1995.. وحيث نشرت لي ابتداءً ثلاثة نصوص في ملف عن الأدب العربي كان الى جنبي فيه ابراهيم الكوني من ليبيا، وأميل حبيبي من فلسطين.. ثم استمرت في نشر نصوصي.. حدث هذا دون أن أرى الناشرين من قبل وان اتعرف عليهم وهم من كبار نقاد الأدب على الساحة الناطقة باللغة الألمانية..
الغرباء ينتبهون الى ابداع العراقي.. والعراقيون يبخسون ابن وطنهم حقَّه.. هل انهم بحاجة الى ان يتوسط الأجنبي المهيمن أو الممول ليفرض عليهم اسماء العراقيين الذين يختارهم لأنهم يخدمون مصلحته، أَم ماذا ؟!!..
اذا أوردتُ هنا بعض الأسماء فأنا لا أغتابهم.. هذا حوار ثقافي وأدبي ومؤدب، ونحن نتحاور في الأمور التي تخص وطننا والعالم، وأنا مستعد للحوار..
***
كريم الأسدي - العراق








