لماذا لم تأت نوبل بعد محفوظ؟
مفارقة مؤلمة في علاقتنا بالأدب العالمي، كيف ونحن الذين عرفنا العالم من خلال مترجمين عرب برعوا في أن يجعلوا دوستويفسكي وكافكا وتولستوي وماركيز يتكلمون العربية، بينما مازال العالم لا يعرف عن أدبنا القدر نفسه. نحن الذين قرأنا الرواية الروسية والألمانية والأمريكية واللاتينية، واستمتعنا بها كما لو أنها كُتبت بلغتنا. لم نشعر، في أفضل الترجمات، أنّنا أمام نصوص غريبة عن العربية، والحقّ أنّ الفضل يعود للمترجم الذي لم ينقل الكلمات فقط، بل نقل الإيقاع والروح والصورة والمناخ، وجعل النص يولد من جديد داخل لغتنا العربية. لكن وبالمقابل وما إن عبرت ــــ هذا إن عبرت ـــــ الرواية العربية إلى الضفة الأخرى، يحدث ما لا ينتبه له جلّ المهتمّين بمجال الأدب والنّقد، فما يحدث مؤلم حقّا، إذ تصل الحكاية، وتصل الفكرة، لكن شيئا من الصوت يبقى معلّقا في الطريق.
عند هذا المنعطف يكمن جزء من الإجابة عن سؤال ظل يطارد الثقافة العربية منذ حصول نجيب محفوظ على نوبل للآداب عام 1988، لماذا لم يحصل روائي أو شاعر عربي آخر على الجائزة منذ ذلك الحين؟
والسبب في الحقيقة، ليس لأنّ العالم خلا من الأدباء العرب الكبار، ولا لأنّ نوبل يمكن اختزالها في مؤامرة على الأدب العربي. المسألة أكثر تعقيدا، وأقرب إلى أزمة عبور، ربّما تفوق أزمة معبر رفح أو مضيق هرمز، بل أراها تدنو من أن تصير معضلة تُسائِل : كيف ينتقل نص وُلد بكل أسرار العربية إلى لغة أخرى دون أن يفقد روحه؟ لكنّني ورغم ذلك، لا أحمّل الترجمة وحدها مسؤولية فشل الرواية العربية الى العالمية وحصد جائزة نوبل .
دعوني أكون معكم أكثر صراحة وجرأة في أن أسأل السؤال الذي يسأله كلّ كاتب مبدع منا سرّا، لكنّه لا يجاهر به لغاية في نفسه، سؤال ينبغي أن نطرحه على الرواية العربية نفسها: هل نكتب دائما ما يستحق أن يَعْبُرَ؟
عقب هذا السؤال، كان لزاما علينا أن نكشف الحجاب عن نصوصنا، وأن نرفع الحصانة النقدية عن بعض النصوص التي تبوّأت منزلة التقديس، بإيعاز من أصحابها أو من هيآت ما، لنكتشف أنّ من بين هاته النصوص ما تجعل اللّغة غايتها، فتغرق في البلاغة والشاعرية حتّى تضيع الرواية خلف جمال عباراتها، ونصوص أخرى تحمل أفكارا عميقة وأسئلة كبرى، لكنّ سطحية وبساطة لغتها لا ترقى إلى مستوى الفكرة ولا تستطيع أن تمنحها حياة أدبية، بينما تجمع نصوص ثالثة بين اللغة والفكرة، لكنّها تفتقر إلى البنية والحياة التي تجعل الرواية ترسخ في الذاكرة. ومن هذا المنطق أرى أنّ المشكلة لا تنحصر في اللّغة وحدها، ولا في الفكرة وحدها، ولا في المترجم وحده،لكنّها تعاني تقدير المسافة التي تفصل النص بين هيأته كما كُتِب، وكيف يصل إلى العالم .
ومن هنا يبدأ السؤال الأعمق: لماذا نجح نجيب محفوظ في عبور هذه المسافة؟ ولماذا لم يتكرر العبور بالقدر نفسه بعده؟ وهل تحتاج الرواية العربية إلى مزيد من الروايات على اختلافها؟ روايات تمتلك فكرة تستحق أن تُقال، ولغة تستحق أن تُقرأ، وحياة إنسانية تستطيع أن تجعل قارئا في أقصى العالم يرى نفسه في مرآة عربية، كما رأى العربي نفسه في مرآة كافكا وكونديرا وكامو وغيرهم؟.
***
ليلى تبّاني ــــ الجزائر








