تُعدّ ظاهرة الرياء واحدة من أخطر الظواهر الاجتماعية التي تفشّت في العديد من المجتمعات في العصر الحديث، وللأسف، شاعت ثقافة الرياء في مجتمعنا العراقي وتغوّلت بشكل كبير، إذ أسهم الفساد في استقطاب أعداد كبيرة من المنافقين، رغبةً في الحصول على الجاه والمنزلة والتفاخر وحب الظهور، أو تحقيق منافع شخصية غير مشروعة، أو بدافع نفسي يتمثل في الرغبة بالتعويض عن الشعور بالدونية وأحيانًا بالحقارة، وتحقيق نوع من التوازن النفسي.
وحين أصبح الفساد ظاهرة تنخر مفاصل الدولة والحياة العراقية عمومًا، وباتت رائحته تزكم الأنوف، أخذ العراقيون يتندّرون بعدد من الطرائف التي تتعلق بفساد الطبقة السياسية، وهي طرائف تكشف عن عمق الازدواجية التي يعيشها بعض أفراد هذه الطبقة، وعن الرياء الذي يطبع سلوكهم وتعاملهم، من زيف في الالتزام، وتظاهر بنبذ الحرام، وغير ذلك من الادعاءات التي أثبتت الممارسة كذبها وبطلانها،
ومن هذه الطرائف أن السياسي العراقي، عندما يدخل أحد المطاعم في بلاد الغرب، يكون أول سؤال له عن نوع اللحوم المتوفرة وطريقة ذبحها، إذ يتظاهر بالحرص على ألّا يتناول لحمًا ما لم يكن مذبوحًا على الطريقة الإسلامية، لكنه في الوقت نفسه يتناسى مال السحت الذي حصل عليه بطرق الفساد والرشوة وغيرها، والذي مكّنه من الوصول إلى تلك البلاد!، وهذه الازدواجية في السلوك المشين لها جذور تاريخية؛ فقد ذكرت كتب التاريخ العديد من الحكايات التي تتحدث عن الورع الزائف، وتستنكر التناقض الأخلاقي والديني الذي يصل أحيانًا إلى حدّ التطرف. ومن ذلك الحكاية التي تروي أن جماعة ذهبت في موسم الحج إلى عبد الله بن عمر، وسألوه عن حكم قتل البق في الأشهر الحرم، فتأمل عبد الله قليلًا ثم سألهم: "من أي البلاد أنتم؟" فقالوا: "من الكوفة"، فانتفض واقفًا وصاح: "لعنكم الله! أتقتلون الحسين وتسألون عن حشرة البق؟" .
وبغضّ النظر عن مدى صحة هذه الرواية من الناحية التاريخية، فإن دلالتها الرمزية واضحة في الكشف عن مفارقة أخلاقية تقوم على التشدد في مسألة صغيرة، مع التغاضي عن جريمة كبرى، وهذا يؤكد أن الرياء ليس سلوكًا حديثًا، بل ظاهرة رافقت المجتمعات البشرية منذ نشأة الحضارات الأولى . فقد تناولت الرياء أدبيات تاريخية كثيرة، ليس بوصفه سلوكًا أخلاقيًا فرديًا مذمومًا فحسب، وإنما بوصفه أداة للبقاء السياسي، والترقي الاجتماعي، وتحقيق الوجاهة الدينية، ففي مصر القديمة، تذكر بعض الدراسات التاريخية أن حاشية الفراعنة بالغوا في تقديس الملك وإظهار الطاعة العمياء والولاء المطلق في النقوش والنصوص، ليس حبًا فيه بالضرورة، بل تزلفًا للحصول على المكاسب والمناصب وحمايةً للمصالح، وفي الحضارة الرومانية ظهر نوع من الرياء الاجتماعي والسياسي ارتبط بما عُرف بنظام الزبائنية، حيث كان بعض الأفراد الأقل شأنًا يتملقون النبلاء والأثرياء ويتبعونهم بوصفهم حاشية لإظهار الولاء، مقابل الحصول على الدعم المالي أو الحماية والمساندة، أما في الفلسفة اليونانية، فقد قاد الفيلسوف ديوجين الكلبي موقفًا فكريًا وسلوكيًا ناقدًا للرياء الاجتماعي في أثينا، إذ رأى في كثير من عادات المجتمع وتقاليده نوعًا من التصنع، وعاش حياة زهد وقناعة جعلت من سلوكه نفسه وسيلة لفضح زيف بعض ادعاءات النخبة الأثينية، وقد نال الرياء اهتمام المفكرين وعلماء الاجتماع، واتخذوا منه موقفًا نقديًا صارمًا، ومن بينهم المفكر والمؤرخ العراقي علي الوردي، الذي ربط كثيرًا من مظاهر الرياء المجتمعي بما سماه ازدواج الشخصية، وأولى هذه الظاهرة أهمية كبيرة في مؤلفاته، ومنها كتابه المعروف "وعّاظ السلاطين"، متناولًا مظاهر التناقض بين القول والممارسة، وبين القيم المعلنة والسلوك الفعلي.
ولعل من أكثر صور الرياء وضوحًا ما نلمسه في بعض الممارسات الثقافية والاجتماعية، إذ نجد من يكتب عن الفساد، وفي الوقت نفسه يكون غارقًا في علاقاته ومصالحه المرتبطة به، ومستعدًا لبيع قلمه ومواهبه بأبخس الأثمان. كما نجد من يتحدث عن الثقافة والحداثة والمدنية والتحرر، لكنه لا يتورع عن المجاهرة بالولاء المطلق لقيم القبيلة أو الحزب، ويحارب المختلفين معه في الرأي والتوجه
و تتجلى خطورة الرياء في التناقض بين ما يقوله الإنسان وما يفعله، وذلك عندما يتحدث الفاسد عن النزاهة، والكاذب عن الصدق، والانتهازي عن المبادئ، والمتعصب عن التسامح . واتخاذ هذا السلوك وسيلة لتزييف الوعي وتجميل القبح ومنح السلوك المنحرف غطاءً أخلاقيًا زائفًا.
***
ثامر الحاج أمين








