استهوته شوارع القدس العتيقة فانطلق جائبا اياها ومطوفا فيها طاويا ايام طفولته، صباه ويفاعته، وعندما أصلب عوده الشعرى راح يتغنى بتلك الشوارع، معرجا على ما تفرع عنها من أزقة وإدراج عالية، مقاما وقدرا، وبما أنه اعتبر نفسه جوابا لآفاق مدينته الحبيبة/ القدس، فقد اتخذ له صفة عربية أصيلة وضاربة في أعماق الصحراء العربية، ومنها الجاهلي التليد، تلك الصفة كانت صعلوك القدس، وسوف ترافقه هذه طوال أيام حياته، حتى يوم رحيله الاسي الحزين الاثنين الثالث عشر من تشرين الاول من العام الماضي ٢٠٢٥.. يومه الأخير بيننا ومعنا.
هذا هو الشاعر فوزي البكري، ابو إسلام، المولود في بيت المقدس عام ١٩٤٦ لعائلة مقدسية معروفة بثقافتها وميولها الإنسانية البارزة، وقد يكفي في هذا السياق أن نشير إلى أن والده هو المناضل الفلسطيني الشيخ المرحوم ياسين البكري، إمام المسجد الأقصى، في فترة سابقة بالطبع، وان والده هذا هو من تولى تثقيفه.. وأن شاعرنا تولَّى، بعد أن اشتد عوده الأدبي، امر تثقيف نفسه بنفسه. عمل الشاعر الراحل في التدريس بضع سنوات، ثم عمل صحفياً ومحرراً في عدد من الصحف الصادرة في مدينته الحبيبة. بعدها عمل محرراً ومدقِّقاَ للمطبوعات في جمعية الدراسات العربية. وتذكر سيرته الذاتية المدونة.. التي يعرفها البعض جيدا، أن ديوانه الشعري الأول "صعلوك من القدس القديمة"، صدر في أواسط الثمانينيات عن مؤسسة دار الصوت في الناصر، وان جمعية الدراسات العربية المقدسية أصدرت له عام 1987 كراسة شعرية ضمت ثلاثا من قصائده المكرسة للقدس بعنوان "شدِّي حيلك يا بلد". أما ديوانه الشعري "قناديل على السور الحزين"، فقد صدر في القدس عام 1997.
هذه الحياة الثرية الغنية بكل ما هو وطني، شعري وانساني، جعلت منه علما ومعلما، وما زال كاتب هذه السطور يتذكر جيدا، اهتمام أصدقائه من طلائع الحركة الوطنية الفلسطينية، بهذا الشاعر، ودأبها على دعوته ليصدح بأعمق ما يمكن أن يصدح به انسان شاعر، من شعر في محبة القدس والوطن عامة، بل إنه ما زال يتذكر أولئك الشعراء الوطنيين المخلصين لقضيتهم وانتمائهم النضالي الإنساني الشامل، مثل الشاعرين الوطنيين المفلقين، الأخوين راشد حسين صاحب المجموعة الشعرية الشهيرة صواريخ، وأحمد حسين، صاحب قصيدة الزناطم المنتشرة الشهيرة، وصاحب الملحمة الشعرية "عناة" الفريدة والمميزة في أدبنا العربي الفلسطيني، وعناة لمن لا يعرف، هو اسم الآلهة الكنعانية القديمة، عريقة الوجود والذكر في التاريخ القديم لهذه البلاد. ولعل كاتب هذه السطور لا يبتعد كثيرا عن سياقه الكتابي، عندما يتذكر أمرين أحدهما يتعلق بالآخرين، والآخر يتعلق به شخصيا، فيقول إنه ما زال يتذكر تلك الابتسامة التي أطلقها صديقه الكاتب عفيف صلاح سالم، طابت ذكراه، عندما ذكر أمامه الشاعر فوزي البكري، فابتسم عفيف وهو يقول.. اعرفه انه صعلوك القدس، مضيفا أن علاقة صعلوكية، والتعبير لعفيف، ربطت ما بين الاثنين عفيف الكاتب وفوزي الشاعر، أما فيما يتعلق بكاتب هذه السطور شخصيا، فإنه يعود إلى أكثر من أربعين سنة، يوم دعي الشاعر فوزي البكري إلى أمسية أدبية شعرية في الناصرة، يشارك فيها عمليا وانشاديا جنبا إلى جنب مع عدد من الشعراء، مثل الشاعرين المرحومين جمال قعوار وميشيل حداد، وهو ما زال يتذكر أن شاعرنا، ما ان سمع كلامه عن الشعر والشاعر العراقي الثوري مظفر النواب تحديدا، حتى قال له تعال لنمضي متصعلكين في شوارع مدينتك الناصرة، وقد جبنا نحن الاثنين في تلكم اللحظات، أزقة الناصرة البلدة القديمة وادراجها، وما زالت اتذكر ما قاله لي مرافقي الشاعر المقدسي الزائر، وهو أن بلدتكم تشبه مدينتي تمام الشبه.. الوطن واحد والهم واحد . بعدها فيما اتذكر اقتصرت لقاءاتي به على عدد قليل جدا، لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، اذا حدث وحصل، الا بالقليل. ويهمني أن أشير هنا إلى أن تلك اللقاءات على قلتها، كانت كفيلة بأن تمكن أحدنا من معرفة الآخر في العمق وفي الصميم، والان وانا اتخيل تلك اللقاءات مستعيدا تفاصيلها ودقائقها الصغيرة الدالة، أتأكد مما وقر في الذهن ووعته بالتالي الذاكرة، وهو أن الهموم الوطنية الشعرية المشتركة، التي جمعت كلا منا بالآخر، كانت من الوضوح بموقع يمكنها من ربط القلب بالقلب والعقل بالعقل.. والشعر بالشعر أيضا.
يهمني أن أشير في هذه المناسبة المفجعة في الذكرى الأولى لرحيل شاعرنا الاثير، إلى أنه كان نجما متألقا في سماء الحركة الوطنية الفلسطينية، وأنه شكل مع زملائه الشعراء المشابهين امثال الإخوة حسين المنوه إليهما انفا، اقنوما شعريا وطنيا، لا يمكن للذاكرة الوطنية أن تنساه، مهما مضى من زمن وتعاقب من عقود، مع هذا التألق يمكننا التنويه إلى أن فوزي البكري وزملاءه المذكورين اقتنعوا و ارتضوا بالأهمية الإبداعية الأدبية، وعزفوا عن الشهرة، وربما يدفعنا هذا لأن نلمح إلى أن هذه القلة من الشعراء انشغلت بالقصيدة ذاتها ولم تعمل على تسويقها المجاني، مصرة على أنها تريد أن يكون إنتاجها الأدبي الشعري الإبداعي، هو رسولها وليس العكس، كما يحدث لدى السواد الأعظم من ناشدي الشهرة في فترتنا الجارية تحديدا وفي الفترات السابقة تفصيلا.
بهذا المعنى اخلص شعراؤنا الوطنيون، وفوزي البكري واحد من المعهم، كل الاخلاص لقضيتهم الوطنية، إنسانيا وشعريا ابداعيا ايضا، ايما اخلاص، فآثروا الأهمية في القول على الشهرة في الفعل، مصرين على أن النار نوعان أحدهما ينشب في الهشيم وهو سرعان ما يشتعل لكنه سرعان ما ينطفئ، والآخر هو نار الفحم الحجري الذي يحتاج إلى وقت مديد حتى يشتعل، بالضبط كما يحتاج إلى وقت طويل حتى ينطفئ ويخبو اواره. ما أود قوله هنا هو أن الشعراء الحقيقيين وفوزي البكري واحد منهم، إنما يختارون أن بتشابهوا مع النوع الناري الحجري.. وان ما يغريهم ويثيرهم.. إنما هو الأهمية وليس الشهرة المجانية الرخيصة والعابرة.
***
ناجي ظاهر








