يقول احد الفلاسفة "لا تهدر توحّشك؛ فهو ثمين وضروري"! للوهلة الأولى تبدو كلمة التوحش قاسية، وربما تحمل معنى الفوضى أو العدوانية أو الخروج على المألوف، لكنها هنا تعني شيئًا مختلفًا تمامًا؛ إنها ذلك الجزء الفطري في الإنسان الذي لم تستطع الحياة أن تروّضه بالكامل، الجزء الذي مازال يحب المغامرة، ويطرح الأسئلة، ويجرب، ويخطئ ، ويقول الفيلسوف الروسي أنطون تشيخوف لاتهدر حواسك الخمس، ينبهنا إلى حقيقة إنسانية دقيقة حين يبخل شخصٌ بإحساس واحد تجاهك "بالتعاطف أو الإصغاء، أو الفهم" فإنه يقطع أي جسر للتواصل الحقيقي والصحي بينكما قيمة العلاقة لا تُقاس بما نبذله نحن، بل بقدرة الآخر على استقبال هذا العطاء. فالحسّ الذي لا يجد صدى يتحول إلى استنزاف، والاهتمام الذي لا يُقابله اهتمام مقابل يذبل
هذه العبارة العميقة تحمل في طياتها دعوة قوية لـ الحفاظ على الأصالة والغرائز الفطرية التي تميز الإنسان قبل أن تشكله قيود المجتمع وقوانينه صارمة الجفاف، ، على شخص لم يستخدم إحساس واحد ليشعر بك ." - كأنه وُجه إلى فراغ. تشيخوف يذكّرنا بأن الإحساس المتبادل هو ما يمنح الروابط معناها، وأن الكرامة الوجدانية تقتضي ألّا نهدر طاقتنا الوجودية على من يعيش مغلقاً على ذاته، لا يرى ولا يسمع ولا يشعر. إنها دعوة للحفاظ على نقاء مشاعرنا: أن نوجّهها لمن يستحق، ولمن يملك القدرة والشجاعة ليشعر بنا حق ، نقضي جزءًا كبيرًا من حياتنا في عملية "ترويض" مستمرة، ندخل المدرسة، فنتعلم متى نتحدث ومتى نصمت، ثم نتعلم في الجامعة كيف نفكر ضمن تخصص محدد، ثم نُدجن بالأنظمة والإجراءات والتسلسل الإداري حين نتوظف، دون أن نغفل الالتزامات الاجتماعية والمهنية والعائلية، حتى يصبح لكل شيء تقريبًا موعدٌ ونظام وتوقع مسبق
الطفل يستطيع أن يقضي نصف ساعة يتأمل حشرة صغيرة تمشي على الأرض، أو يسأل عشرة أسئلة متتالية عن شيء نراه نحن عاديًا، ليس لأنه يريد أن يعرف فقط، بل لأنه لم يفقد بعد قدرته على الدهشة، ومع تقدمنا في العمر، نعرف أشياء أكثر، لكننا -ويا للمفارقة - نندهش أقل! وهنا ربما تكمن إحدى خسائر النضج التي لا نتحدث عنها أننا لا نفقد طفولتنا فقط، بل نفقد تدريجيًا شيئًا من فضولنا، ولهذا أعتقد أن الإنسان يحتاج من حين إلى آخر إلى أن يستعيد شيئًا من توحشه، أجمل المسارات المهنية ليست دائمًا مستقيمة، والأمر نفسه يحدث في الإبداع، فالكاتب الذي يكتب دائمًا بالطريقة نفسها سيتحول يومًا إلى نسخة من نفسه،، ليس تمردًا عل حتى في المسار المهني، نحتاج إلى شيء من هذا التوحش، كثيرون يرسمون حياتهم كما لو كانت خطًا مستقيمًا، شهادة، ثم وظيفة في التخصص نفسه، ثم ترقية، ثم منصب أعلى، وهكذا حتى التقاعد، لكن أجمل المسارات المهنية ليست دائمًا مستقيمة، والأمر نفسه يحدث في الإبداع، فالكاتب الذي يكتب دائمًا بالطريقة نفسها سيتحول يومًا إلى نسخة من نفسه
أمضى البريطاني "جاي غريفيث" سنوات يتنقل بين بقاع العالم، باحثًا عن "البرية"؛ ليس في الغابات والجبال والأنهار، بل في داخل الإنسان نفسه، وتناول ذلك في كتابه "البرية: رحلة أساسية"، الذي وجدت فيه أفكارًا تستحق التأمل ; لا أعتقد أن المطلوب أن نهرب من المدن إلى الغابات، ولا أن نترك أعمالنا ونعيش حياة فوضوية، الفكرة أبسط من ذلك: أن نبني حياتنا دون أن نراكم حول أرواحنا جدارًا، أن نكبر دون أن نشيخ من الداخل، أن ننضج دون أن نفقد دهشتنا
***
نهاد الحديثي








