عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

عبد السلام فاروق: أحمد زكريا الشلق وداعًا

ليس بالأمر الهين أن تكتب مرثية في وداع مؤرخ.> ذلك أن المؤرخين هم الذين يكتبون عن الناس، ويوشك أن لا يكتب عنهم إلا عرَضًا. وإذا كتب عنهم، كتب عنهم كما يكتب عن الأثر، يوصف ولا يقرأ. وهكذا كان الشأن دائمًا، وهكذا سيبقى، إلا أن يأذن الله بأمر آخر.

غير أن أحمد زكريا الشلق الذي رحل عن ثمانية وسبعين عامًا في الرابع عشر من أكتوبر 2026 كان من الصنف الذي لا يستقيم معه هذا التصنيف. كان مؤرخًا، نعم. ولكن كان فوق ذلك صاحب مشروع معرفي متكامل، ومربيًا للأجيال، وذاكرة حية تمشي بيننا، يقرأ مصر في الريف كما يقرؤها في العاصمة، ويرى في المهمش ما لا يراه غيره في المتصدر.

وإذا رحل باحث من هذا الطراز، فإن الخسارة لا تقيم بما تركه من كتب فحسب، بل بما كان يحمله في صدره من ذاكرة حية لم تدون كلها ولن تدون. وهذه هي المصيبة التي لا يعرفها إلا من كان قريبًا من أمثال هؤلاء العلماء، أو من حاول أن يقرأ التاريخ بوصفه ذاكرة الأحياء والمهمشين، ومن لا يدخلون الكتب الرسمية إلا هامشًا.

وزكريا الشلق، في هذا السياق، أستاذ التاريخ في جامعة عين شمس، وعضو مجمع اللغة العربية. كان واحدًا من أولئك الذين فهموا أن التاريخ ذاكرة الأحياء والمهمشين، وليس سردًا للمعارك والملوك. وهذه حقيقة لو وعاها الناس، لتبدلت أحوالهم، ولكن الناس لا يوعون إلا بعد فوات الأوان.

لقاء عابر

التقيت الدكتور أحمد زكريا الشلق مرة واحدة في حياتي، ولم يكن بيننا موعد، ولم يكن اللقاء مرتبًا له. كنت في مكتب الدكتور أحمد بهي الدين، رئيس الهيئة العامة للكتاب، لشأن آخر. وجاء الدكتور الشلق بصفته رئيس تحرير سلسلة التاريخ، لمناقشة شئون السلسلة مع رئيس الهيئة.

كان اللقاء في ظاهره إداريًا: سلسلة، وميزانية، وخطة نشر، وأسماء مؤلفين. ولكن اللقاء تحول سريعًا، كما يحدث مع الرجال الكبار، إلى درس في التاريخ والذاكرة.

جلس الدكتور الشلق، ولم يتحدث عن نفسه كثيرًا. تحدث عن سلسلة التاريخ، وعن ضرورة أن يجد القارئ المصري كتابًا يفهم منه بلده، لا كتابًا يجامله أو يخدعه. ثم انصرف. وأنا جلست أستمع، وشعرت أنني لم أشهد مؤرخًا يطلب شيئًا، بل شهدت رجلًا يشرح لماذا لا يقرأ أحد.

وهذه التفصيلة الصغيرة، التي قد تبدو عابرة في أي سيرة ذاتية، هي التي تفسر كل شيء. فالإنسان الذي يقابل مؤرخًا في مكتب رئيس هيئة الكتاب، ولا يسمع منه طلبًا شخصيًا، بل سؤالًا عن القارئ، يختلف عن غيره الذي يقابل المسئولين ليقبضوا. الشلق كان من النوع الأول جاء بصفته رئيس تحرير سلسلة التاريخ، وخرج كما دخل، ولم يحمل معه إلا هم السلسلة وهم القارئ. رحمه الله، فقد كان من أنبل من عرفت.

التكوين والمنهج

وُلد أحمد زكريا الشلق في قرية كفر الحما، بمركز طنطا، عام 1948.

ونحن نعرف أن البدايات لا تفسر كل شيء، لكنها تكشف الكثير. فقد كان والده تاجرًا بسيطًا، يملك أقل من خمسة أفدنة، لكنه كان رجلًا متعلمًا، يحمل الشهادة الابتدائية، وعنده مكتبة غنية بالموسوعات ومؤلفات العقاد وطه حسين.

وهذه التفصيلة الصغيرة، هي التي تفسر كل شيء. فالإنسان الذي ينشأ في بيت فيه مكتبة، يختلف عن غيره الذي ينشأ في بيت فيه راديو. المكتبة تصنع مؤرخًا يقرأ النص في سياقه الاجتماعي والثقافي، ويفهم أن المعرفة ذاكرة تبنى وتنسج.

درس الدكتور أحمد زكريا الشلق في كلية الآداب بجامعة عين شمس، وتدرج في السلم الأكاديمي من معيد إلى أستاذ، ثم رئيسًا لقسم التاريخ، ثم وكيلًا للكلية. لكن هذه السيرة الرسمية لا تقول شيئًا.

ما يقول شيئًا هو أنه كتب عن حزب الأمة، وحزب الأحرار الدستوريين، والحركة الوطنية، والاستشراق، والإمبريالية، وطه حسين، ومصطفى عبد الرازق. وكتب عن الريف المصري في القرن الثامن عشر، وعن تطور الكتابة التاريخية نفسها.

وهذا النوع من التاريخ، الذي يكتب من أسفل، من زاوية المهمشين والمنسيين لا من منظور السلطة وحدها، هو ما كان يشغل الباحث. وفي هذا المنهج، نلمس وعيًا عميقًا بأهمية التاريخ الاجتماعي. فالمؤرخ الحقيقي، كما كان يفهم الشلق، ليس من يحفظ التواريخ ويرص الأحداث في جداول، إنما هو من يقرأ في الحكاية الشعبية نبض الوعي الجمعي، ويسمع في المهمش والمنسي ما لا تقوله الوثائق الرسمية. وهذه نظرة لو وعاها مؤرخو بلادنا، لتبدل تاريخنا كله.

قراءة في مشروع

في عام 2022، أصدر زكريا الشلق كتابه «من النهضة إلى الاستنارة في تاريخ الفكر المصري الحديث»، وهو جولة تمتد من الشيخ حسن العطار إلى أحمد فتحي زغلول، مرورًا برفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وقاسم أمين وأحمد لطفي السيد. والكتاب محاولة جادة لفهم كيف تحول المصريون من رعايا إلى مواطنين، ومن مواطنين إلى ما هم عليه الآن.

لكن العنوان نفسه يحمل مفارقة قاتلة. «من النهضة إلى الاستنارة» وكأن الشلق كان يعرف أن هذا المسار سينكسر. والمؤرخون، بطبيعتهم، يعرفون النهايات. يدرسون سقوط الدول، وانقراض السلالات، وموت الأفكار. ثم يستمرون في الكتابة.

والشلق لم يكن استثناء. كتب وكأنه يبني جسرًا بين ماض لا يريد أن ينسى ومستقبل لا يريد أن يتكرر.

والأهم من ذلك أن الشلق لم يكتف بالتاريخ السياسي. كتب عن «الحداثة والإمبريالية: الغزو الفرنسي وإشكالية نهضة مصر»، وكتب «من الحوليات إلى التاريخ العلمي: نهضة الكتابة التاريخية في مصر»، وكتب عن «الاستشراق» و«الإمبريالية» بوصفهما إطارين معرفيين لا يمكن فصل التاريخ المصري عنهما. وهذا الوعي بالإمبريالية كبنية معرفية، لا مجرد حدث عسكري، هو ما يميز المؤرخ النقدي عن المؤرخ الوصفي. وهذه تفرقة لا يعرفها إلا من غاص في بحر التاريخ غوصًا.

الأحزاب والنخبة

في ديسمبر 1979، أصدر أحمد زكريا الشلق كتابه الأول عن «حزب الأمة ودوره في السياسة المصرية»، بعد سبع سنوات من الدراسة المتواصلة. ولم يكن الكتاب مجرد تأريخ لحزب سياسي، بل كان تشريحًا اجتماعيًا لطبقة الأعيان والمثقفين الذين ظنوا أنهم يستطيعون قيادة مصر إلى دولة مدنية.

ثم جاء كتابه الثاني عن «حزب الأحرار الدستوريين» (1982)، ليكمل هذا المشروع الذي بدأه في الماجستير. أنفق قرابة عشر سنوات من عمره متفرغًا لدراسة حزب الأمة أولًا، الذي أصبح تاليًا حزب الأحرار الدستوريين، وبينهما كانت تجربة الحزب الديمقراطي المصري.

والحقيقة التي تبلورت في هذه الأعمال الثلاثة هي أن النخبة المصرية، سواء كانت حزب الأمة أو الأحرار الدستوريين، ظلت تدور في حلقة مفرغة تريد الإصلاح دون الثورة، والاستقلال دون مواجهة الاحتلال، والحداثة دون مصادمة السلف.

وهذه المعادلة المستحيلة هي التي تفسر مأساة مصر كلها. حزب يريد كل شيء، ولا يريد أن يخسر شيئًا. والنتيجة للأسف الشديد معروفة؛ لا إصلاح، ولا استقلال، ولا حداثة.

وهنا يبدو الشلق، في كتاباته، صاحب قدرة على ربط الأحداث التاريخية بالواقع المعاصر، مما يجعل أعماله مرجعًا مهمًا للباحثين والمهتمين. وهذه قدرة لا يملكها إلا من أوتي بصيرة في التاريخ، وفهمًا في الاجتماع، وصدقًا في القول.

سؤال محرج

هنا نصل إلى السؤال المحرج الذي لا يريد أحد أن يجيب عليه هو لماذا يرحل مؤرخ بحجم أحمد زكريا الشلق في صمت، بينما يملأ موت لاعب كرة بهلوان أو فنان كل الشاشات والعناوين؟

الإجابة قاسية وواضحة لأن المؤرخ لا يعدك بشيء. البهلوان يعدك بمستقبل. والفنان يعدك بمتعة. أما المؤرخ فيذكرك بماضيك. وحين يرحل مؤرخ، يتراجع الماضي خطوة إلى الوراء. ولا أحد يريد أن يسمع هذا.

في مصر، حيث تطبع ملايين النسخ من كتب الطبخ والتنمية البشرية، ويترك كتاب عن حزب الأحرار الدستوريين ينتظر قارئًا واحدًا، يعيش المؤرخون في بلادنا مأساة خاصة؛ يكتبون لجمهور لا يقرأ. ثم يموتون، فيكتب عنهم صحفيون لم يقرأوا لهم كلمة. وهذه مأساة لو تأملها العقلاء، لكانت عبرة. ولكن العبرة لا تنفع من لا يعتبر.

ابتسامة مرة!

لكن الشلق لم يكن مؤرخًا نكدًا. كان يعرف السخرية. كان يتحدث عن مصر القديمة كأنه عاشها، وعن طه حسين كأنه قابله أمس. كان عنده دم خفيف، وكان يعرف أن يضحك على كل شيء، حتى على التاريخ نفسه.

وهذا النوع من المؤرخين، الذي يجمع بين صرامة الباحث وخفة ظل الصحفي، هو الأندر والأهم. لأن المؤرخ الذي لا يعرف أن يضحك، لا يعرف أن يكتب تاريخًا. التاريخ ليس نكدًا. التاريخ حكاية. والحكاية لابد أن يكون فيها ضحك، حتى لو كان الضحك مرًّا. والضحك المر، في تقديري، أصدق الضحكات وأعمقها.

في النهاية، كل ما نكتبه عن الراحلين في تقديري هو محاولة يائسة لالتقاط شيء لا يمكن التقاطه. نكتب لنواسي أنفسنا، لا لنرثي من رحل. الدكتور أحمد زكريا الشلق، الذي كتب عن التاريخ وكأنه يعرف نهايته، يعرف جيدًا أن رثاءه سيكتب بنفس الطريقة التي كتب بها هو عن الآخرين؛ بكلمات لا تفي، وبحزن لا يمحى.

تبقى الكتب، نعم. تبقى. لكن تبقى أيضًا أشياء أخرى لا تكتب في السير الذاتية وهي طريقة شرحه لطلابه، وحديثه عن التفاصيل الصغيرة التي لا تدخل في الكتب، وسخريته اللطيفة من كل شيء. ويبقى ذلك اللقاء العابر كان في مكتب الدكتور أحمد بهي الدين، رئيس الهيئة العامة للكتاب السابق، حيث كان الدكتور الشلق رئيسًا لتحرير سلسلة التاريخ، وحيث لم يكن اللقاء بين مسؤولين، بل بين رجلين يعرفان أن الكتابة عن التاريخ ليست وظيفة، بل مسئولية.

المؤرخون لا يرحلون. يبقون في الكتب، وفي عقول طلابهم، وفي الأسئلة التي طرحوها ولم يجب عليها. يبقون في ذلك السؤال المحرج الذي لا يريد أحد أن يجيب عليه: من سيقرأ التاريخ بعدنا؟

والجواب، في تقديري، أن التاريخ سيظل يكتب، وسيظل يقرأ، ولكن قراءه سيكونون قليلين، كما كانوا دائمًا. والمؤرخون سيكتبون، كما كتب الشلق، لا لأن الناس يقرأون، بل لأن الكتابة واجب، ولأن الحقيقة أمانة، ولأن التاريخ ذاكرة لا يجوز أن تموت. وهذه هي الرسالة التي حملها الدكتور أحمد زكريا الشلق، وستظل في كتبه وفي أعناق من جاء بعده، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

رحم الله الدكتور أحمد زكريا الشلق. وعزاءنا في كتبه، وفي طلابه، وفي كل من قرأ له حرفًا واحدًا.

***

عبد السلام فاروق

في المثقف اليوم