حين تبتسم المكاتب وتبكي الإدارة
حين تضيق دروب الروتين وتنهك ضغوط العمل الأرواح، يبتكر المجتمع مساحات موازية للفرح، فيخلق مناسبات لم تكن مسطورة في كتب التاريخ ولا في الأجندات الرسمية، مثل "عيد المدير"، وعيد الأب، وعيد الأم، ويوم العلم. إنها ليست سوى ذرائع إنسانية نبيلة للتواصل، تذوب فيها جدران الرسميات وتتكسر حدة الوظيفة. في هذا اليوم تحديداً، تتحول المكاتب الصارمة والباردة إلى واحات من الألوان والبهجة؛ تزين الطاولات بالورود العطرة، وتتزاحم الابتسامات الصادقة، وتُتبادل الهدايا الرمزية والدروع التذكارية وسط عبارات الثناء والتقدير. هي لحظات إنسانية جميلة تُشعر المدير بأنه جزء من عائلة واحدة، وتمنح الموظفين متنفساً من الود والتقدير المتبادل الذي تقتطعه أوقات الدوام الطويلة.
غير أن هذا الودّ الزائل على أعتاب المكاتب ما انفكّ يرتطم بمرارة الواقع؛ فحين ننفض غبار هذه الاحتفالات البهيّة ونعود إلى قراءة تفاصيل المشهد الإداري في عراقنا الحبيب، تتكشف لنا مفارقة صادمة؛ إذ تخرج كلمة مدير تماماً عن مألوفها الوظيفي، لتتحول في كثير من الدوائر والمدارس والمراكز الإخبارية والنقابات المهنية، ما يشبه الإقطاعية الخاصة أو الملكية المحفوظة التي تأبى الزوال.
وتتجلى هذه المفارقة بوضوح في أروقة مؤسساتنا التي تختصر قصصاً متباينة تكشف عورات هذا النظام؛ فأولها قصة أبي حسن، وهو مدير مدرسة أمضى أربعة عشر عاماً متسلطاً على مقعده. في سنواته الأولى كان شعلة نشاط، لكن طاقة الرجل نفذت، وانطفأت أفكاره، وأصبح المكان متحجراً يشبه أثاثه القديم؛ لا تطوير، بل استنزاف صامت للجهود والزمن، حتى صار المعلمون والطلاب ينتظرون تقاعده خلاصاً حتمياً. وإلى جواره، تبرز قصة سالم، وهو مدير دائرة خدمية تعثر في إدارته منذ اليوم الأول؛ تكالبت الملفات على مكتبه وضاعت مصالح الناس وسط عجز بيّن وتردد قاتل، وبسبب غياب آليات التقييم، ظل رابضاً في مكانه يراكم الفشل ويزيد المؤسسة وهناً، محرماً الدائرة من طاقات شابة قادرة على الإنقاذ. وفي المقابل من هذين النموذجين، يطل علينا وجه منى، وهي مديرة مركز إخباري اعتمدت التدوير والتجديد، فأدارت المكان بروح الفريق، مؤمنة بأن النجاح ليس حكراً على أحد، وأن العطاء الإداري له أمد افتراضي؛ لقد تركت بصماتها الواضحة ثم غادرت الموقع بثقة وسلام، تاركة خلفها مؤسسة تنبض بالحياة والكفاءة.
وهذه النماذج الحية تقودنا إلى حقيقة راسخة مفادها أن الإبقاء على مدير لمؤسسة أو مدرسة لمدة تتجاوز عقداً من الزمن، يعدّ عائقاً إدارياً بحق المكان وتنمية المجتمع. فالإدارة ليست تشريفاً أبدياً، بل هي مسؤولية وتكليف مؤقت تتطلب حيوية متجددة. المدير الذي يستنفذ طاقته وجهده خلال سنوات معدودات يتحول بمرور الوقت إلى حاجز أمام التطور، فالعقل البشري يصل حتماً إلى مرحلة النضوب والنمطية إذا ما أحيط بهالة من الحصانة المطلقة والبقاء الأبدي.
من هنا، ينبغي ألا يكون الاحتفال بمثل هذه المناسبات مجرد طقس استهلاكي أو روتين مصطنع، بل وقفة تقييم جادة لتصحيح المسار الإداري. ولتحقيق المأمول، تبرز الحاجة الملحة إلى اتخاذ خطوات عملية حاسمة، تبدأ بوضع سقف زمني صارم لبقاء أي شخص في منصبه الإداري لا يتجاوز ثلاث سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة فحسب، لضمان ضخ دماء جديدة وأفكار مبتكرة. كما تقتضي الضرورة سن تشريعات واضحة تفصل تماماً بين المسؤول الإداري والكرسي الوظيفي، وتمنع تحول المؤسسات إلى ممتلكات شخصية، فضلاً عن إخضاع القيادات الإدارية لعمليات تقييم دورية ومستقلة، وإقصاء الفاشلين والمستنزفين فوراً دون مجاملة، وفتح الأبواب أمام الكفاءات الشابة والمبدعة لتولي زمام القيادة، فالإدارة الناجحة هي التي تتجدد باستمرار ولا تقف عند شخص واحد.
***
بقلم صبيح الكعبي








