تمارس الأمكنة سحرها على الإنسان وتجعله أسير الذكريات التي عاشها بين تضاريسها وحكاياتها وأحداثها، مهما اتسمت تلك الأمكنة بالبساطة والتواضع في تكوينها وإمكاناتها، إذ يتحول التعلق بها إلى ارتباط روحي ووجداني، وإلى اعتزاز يكاد يبلغ حد القداسة.
وقد شغلت الأمكنة طيف واسع من المبدعين، اذ جعل عدد من الروائيين المدينة أو المحلة أو البيت شخصية رئيسة في قصصهم وأعمالهم الروائية ومن بينهم عربيا الروائي " نجيب محفوظ " الذي اختار الأمكنة عنوانا لبعض اعماله الروائية مثل " خان الخليلي " و" زقاق المدق "، كما حضرت الأمكنة في قصائد الشعراء من خلال البكاء على الأطلال، أو التغني بعتبات اللقاء مع الحبيب، وذات الأمر مع التشكيليون الذين جسّدوا في لوحاتهم الأمكنة التي نشأوا وترعرعوا فيها، أما الذين لا يمتلكون الأدوات الفنية للتعبير عن مشاعرهم، فقد كشفوا عن ذلك من خلال تمسكهم الشديد بالمكان وإصرارهم على عدم تغييره، حتى يغدو جزءًا من بنيتهم النفسية، ولأن الأطلال هي، في الأصل، أمكنة كانت عامرة بالحياة والنشاط الإنساني، ثم هجرها أصحابها لظروف مختلفة، فقد شكّل البكاء على الأطلال واحدًا من أبرز التقاليد الأدبية والثقافية القديمة في الأدب العربي، وتحول إلى ظاهرة معروفة في الشعر العربي قبل الإسلام وبعده. فقد اعتاد الشعراء أن يستهلوا قصائدهم بالدعوة إلى الوقوف عند بقايا الديار، والتعبير عن صدمة الفراق ومرارة الرحيل، بكلمات يمتزج فيها الجانب الإنساني بالبعد النفسي، وهو ما جسّدته معلقات الشعراء، ومن بينهم الشاعر الجاهلي امرؤ القيس، الذي يقول:
قِفا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ
بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ
والتعلق بالمكان رابطة عاطفية ونفسية عميقة، وفي هذا السياق، يرى الفيلسوف والكاتب الفرنسي غاستون باشلار (1884 ــ 1962)، في كتابه المهم "جماليات المكان"، (أن البيت أو المكان ليس مجرد مساحة هندسية صماء، بل هو ظاهرة نفسية ورمز للألفة والحماية، ومستودع لذكريات الطفولة)
ولم يبتعد الشعراء الشعبيون في مشاعرهم عن سائر المبدعين في التعبير عن شدة تعلقهم بالمكان، فقد جاءت العديد من قصائدهم محملة بحب الأمكنة التي شهدت جانبا من حياتهم، وأبرزوا قيمتها الوجدانية والإنسانية في نتاجاتهم الشعرية، وفي هذا السياق أستذكر طرفةً تنسجم دلالتها مع ما ذهبتُ إليه، أنه عندما مرض الشاعر حسن الشيخ كاظم (1929 ــ 1996)، وأُدخل المستشفى في تموز عام 1996، زرته برفقة ابن شقيقته الشاعر حبيب الضويري، الذي حاول التخفيف عن خاله المريض وتلطيف نفسيته، بعدما لاحظ عليه الضجر والتململ من البقاء في المستشفى، على الرغم مما توفره له من أجواء صحية، وتعقيم وهدوء وتبريد. فمازحه بهذا البيت من الدارمي:
اليدخل بتموز مستشفى محسود
راحه وهوه وتبريد وبفيها صيهود
لكن ردّ خاله الشاعر جاء معبّرًا عن تعلقه الشديد بمحلته «الجديدة»، التي ظلت روحه معلقة بأزقتها، وبطيبة أهلها ودفء العلاقات الإنسانية بين أبنائها، فقال:
نعله على أبو التبريد كل ساعة إبرتين
وعن الجديدة فَرَاك كل لحظة سنتين
في هذا الرد تتجلى قوة الارتباط بالمكان، فكل ما توفره المستشفى من وسائل الراحة لا يعوّض الشاعر عن محلتِه التي ألفها، ولا يخفف من وطأة ابتعاده عنها. لقد بدا له البقاء فيها، بما ينطوي عليه من علاج وراحة، أثقل من احتمال الألم، لأن الغربة عن المكان الذي ألفه كانت أشد إيلامًا من المرض نفسه.
***
ثامر الحاج أمين








