أولاً: المقدمة: من المؤسف أن تتحول مواعيد صرف رواتب المتقاعدين في كل شهر إلى مصدر للقلق والترقب، وأن يصبح الحصول على الراتب خبراً ينتظره المتقاعدون، تتناقله وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وتسبقه سلسلة من التصريحات والوعود المتضاربة. فهناك من يؤكد أن الرواتب ستُصرف في موعدها، وآخر يتحدث عن تأخرها، وثالث يلوّح بإمكانية تجزئتها أو صرفها على دفعات. وهكذا يجد المتقاعد نفسه وسط دوامة من الأخبار والتكهنات، لا يعرف معها متى سيحصل على حقه، ولا أيّ التصريحات يصدق.
إن هذه الحالة تنطوي على ظلم وإجحاف بحق شريحة واسعة من المجتمع، اعتادت أن تعيش على دخل شهري محدد، رتّبت على أساسه التزاماتها المعيشية والصحية والعائلية. والأكثر إيلاماً أن يشعر المتقاعد، وهو الذي أمضى سنوات عمره في العمل وخدمة المجتمع، بأنه مضطر إلى متابعة الأخبار وانتظار التصريحات، وربما الاستنجاد بالمسؤولين، للحصول على راتب هو حقه المشروع، وليس منّة من أحد أو مساعدة تُقدّم إليه عند توافر الإمكانات.
إن تكرار الوعود والتهديدات بالتأخير أو التجزئة يضع المتقاعد تحت ضغط نفسي ومعيشي لا مبرر له، ويمس شعوره بالكرامة والاستقرار، حتى يكاد يبدو وكأنه يستجدي حقاً اكتسبه بسنوات خدمته، لا يتلقى استحقاقاً قانونياً يفترض أن يكون مضموناً ومنتظماً.
ليس الراتب التقاعدي منحة تقدمها الدولة لمواطنيها، ولا مكرمة تمنحها متى شاءت، وإنما هو استحقاق قانوني اكتسبه الموظف أو العامل وفق سنوات خدمته واشتراكاته والحقوق التي نظمتها التشريعات النافذة. أما رعاية الفئات التي لم تتح لها فرصة العمل، أو التي تعرضت للظلم والاضطهاد، فهي مسؤولية أخرى تقع على عاتق الدولة. والخلط بين هذين الالتزامين لا يحقق العدالة، بل قد يؤدي إلى الإضرار بحقوق فئة مستحقة بذريعة إنصاف فئة أخرى.
ولعل من الضروري، قبل مناقشة هذه الظاهرة وآثارها، أن نتوقف عند عدد من الأسئلة الأساسية: من هو المتقاعد؟ وما طبيعة الراتب التقاعدي؟ وما الفرق بين الحق التقاعدي والرعاية الاجتماعية والتعويضات الاستثنائية؟ وأين تكمن العدالة في توزيع الأعباء المالية وضمان حقوق المستحقين؟
ثانياً: من هو المتقاعد؟
يمكن تعريف المتقاعد من ثلاثة جوانب مترابطة:
1. التعريف الوظيفي والقانوني:
المتقاعد هو الشخص الذي انتهت خدمته الوظيفية أو المهنية بصورة رسمية، بعد بلوغه السن القانونية أو استيفائه شروط التقاعد المقررة، أو لأسباب أخرى يجيزها القانون، وأصبح يستحق راتباً تقاعدياً وفقاً للتشريعات والأنظمة المعمول بها.
2. التعريف الاجتماعي والإنساني:
المتقاعد هو إنسان أنهى مرحلة من حياته أمضاها في العمل والعطاء وتحمل المسؤوليات، وانتقل من الحياة الوظيفية المنتظمة إلى مرحلة جديدة تتغير فيها طبيعة مسؤولياته وعلاقاته اليومية، من دون أن يعني ذلك انتهاء دوره في المجتمع أو تراجع قيمته الإنسانية.
3. التعريف الحقوقي:
المتقاعد هو مواطن أدى ما عليه من واجبات مهنية ووظيفية خلال سنوات خدمته، واكتسب بموجبها حقاً قانونياً في راتب تقاعدي يمثل استحقاقاً وفقاً لما قرره القانون، وليس منحة أو مساعدة اجتماعية أو مكرمة من الدولة.
ومن المهم التأكيد على أن التقاعد لا يعني انتهاء العطاء، ولا أن الإنسان أصبح خارج دائرة الإنتاج أو أن دوره في الحياة قد انتهى؛ فالتقاعد هو انتهاء علاقة وظيفية، وليس انتهاء علاقة الإنسان بالحياة والمجتمع. وقد يكون المتقاعد أكثر خبرة ونضجاً وقدرة على العطاء الفكري والاجتماعي من كثيرين ما زالوا في مواقع العمل.
ويمكن تلخيص هذه الفكرة في عبارة جديرة بالتأمل:
«المتقاعد ليس موظفاً انتهت صلاحيته، بل إنسان أنهى واجبه الوظيفي، وما زال يحتفظ بخبرته وكرامته وحقه في حياة كريمة».
ثالثاً: العدالة الاجتماعية والراتب التقاعدي
تعني العدالة الاجتماعية أن يتمتع أفراد المجتمع بحقوقهم وفق قواعد عادلة ومنصفة، وأن تتوافر لهم الحماية الاجتماعية التي تصون كرامتهم وتضمن الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي، بعيداً عن التمييز والمحسوبية والامتيازات غير المستحقة.
ومن هذا المنطلق، فإن الراتب التقاعدي ليس هبة من الدولة ولا مكرمة من المسؤولين، وإنما استحقاق قانوني واجتماعي، يقابله ما قدمه الموظف أو العامل من سنوات خدمة وعمل، وما ترتب له من حقوق وفق التشريعات النافذة. ولا تقتصر العدالة على ضمان حصول المستحق على راتبه، وإنما تشمل أيضاً انتظام صرفه في مواعيده، وعدم تعريضه للقلق أو الإذلال أو الانتظار غير المبرر.
فليس من العدل أن يقضي الإنسان سنوات عمره في خدمة الدولة، ثم يقضي ما تبقى من عمره قلقاً على راتبه، مترقباً موعد صرفه، ومتابعاً تصريحات المسؤولين بشأنه. فالدولة التي تحترم مواطنيها لا تجعل حقوقهم موضع انتظار أو مساومة، ولا تحوّل استحقاقاتهم إلى أخبار عاجلة، وإنما تصونها وتؤديها في مواعيدها؛ لأن كرامة المتقاعد جزء من كرامة الدولة نفسها.
رابعاً: الراتب التقاعدي والرعاية الاجتماعية والتعويضات الاستثنائية
هنا نصل إلى إحدى أهم الإشكاليات التي تستحق النقاش الجاد، وهي الخلط بين مفهوم الراتب التقاعدي ومفاهيم أخرى، مثل الإعانات الاجتماعية، والتعويض عن الاضطهاد السياسي، والتعويض عن الإرهاب، ورعاية ذوي الشهداء، والامتيازات التي مُنحت لبعض الفئات بموجب قوانين وقرارات استثنائية.
وأرى أن من الضروري التمييز بين نوعين من الحقوق، يختلفان في طبيعتهما ومصدر تمويلهما:
1. حق المواطن في الرعاية الاجتماعية والتعويض:
لا خلاف على أن الدولة مسؤولة عن رعاية المواطن الذي لا يملك مورداً للعيش، سواء كان عاجزاً عن العمل، أو بلغ سناً متقدمة، أو تعرض للاضطهاد، أو فقد معيله، أو كان من ذوي الشهداء أو ضحايا الإرهاب. وهذه مسؤولية إنسانية واجتماعية وأخلاقية، لا ينبغي التقليل من شأنها أو الانتقاص منها، بل يتعين على الدولة الوفاء بها وفق أسس عادلة وقوانين واضحة.
2. حق الموظف والعامل في الراتب التقاعدي:
هذا حق مختلف في طبيعته ومصدره؛ فهو استحقاق قانوني اكتسبه الموظف أو العامل نتيجة سنوات الخدمة والاشتراكات والاستقطاعات التقاعدية، حيثما انطبقت، فضلاً عن الالتزامات المالية التي تتحملها الدولة وفق القانون.
ولذلك لا يصح الخلط بين هذا الحق وبين الإعانة الاجتماعية أو التعويض الاستثنائي، أو التعامل مع جميع هذه الاستحقاقات وكأنها نوع واحد من الالتزامات المالية. فالعدالة لا تعني حرمان المحتاج من الرعاية، وإنما تعني أيضاً عدم تحميل صناديق التقاعد التزامات لا تنتمي إلى غايتها، من دون توفير مصادر تمويل مستقلة وواضحة لها.
وبعبارة أخرى، ليست المشكلة في أن يحصل المواطن الذي تعرض للاضطهاد أو الإرهاب على تعويضه، أو أن تتلقى الأسر المحتاجة الرعاية التي تستحقها؛ فهذه حقوق لا يجوز إنكارها. وإنما تكمن المشكلة في طريقة تمويل هذه الالتزامات، ومدى تأثيرها في حقوق المتقاعدين الذين اكتسبوا استحقاقاتهم من خلال الخدمة والعمل.
خامساً: استدامة نظام التقاعد وأزمة التمويل
إن الحديث عن العدالة في الرواتب التقاعدية لا يمكن فصله عن واقع النظام التقاعدي في العراق، وتعدد أنظمته ومصادر تمويله، وما يواجهه من تحديات مالية وإدارية.
وفي هذا السياق، تشير دراسة مشتركة لصندوق النقد الدولي ومنظمة العمل الدولية والبنك الدولي، صدرت في 30 أبريل 2024 بعنوان «نحو نظام تقاعد وطني شامل وعادل ومستدام في العراق»، إلى أن نظام التقاعد العراقي يعاني من التجزؤ وعدم الكفاءة واختلالات في العدالة والاستدامة المالية، ويضم أنظمة متعددة، منها أنظمة قائمة على الاشتراكات، وأخرى تعتمد على تمويل الموازنة العامة، فضلاً عن استحقاقات غير قائمة على الاشتراكات لبعض الفئات.
كما حذرت الدراسة من الضغوط المالية التي يفرضها نظام التقاعد العام على الموازنة، ودعت إلى إصلاحات تضمن الشمول والإنصاف والاستدامة المالية.
وفي 28 أكتوبر 2026، نقلت وكالة شفق نيوز عن عضو في اللجنة المالية النيابية، حسين الدراجي، وجود عجز في تمويل الرواتب التقاعدية يبلغ نحو 360 مليار دينار، مشيراً إلى أن عدد المتقاعدين في العراق يقارب 3 ملايين، بينهم نحو 1.81 مليون متقاعد مدني و1.221 مليون متقاعد عسكري، وفق الأرقام التي أعلنها.
وهذه الأرقام تثير تساؤلات جدية بشأن قدرة النظام التقاعدي على الوفاء بالتزاماته، ومصادر تمويله، وأسباب اتساع الفجوة المالية.
لكن من المهم هنا عدم القفز إلى استنتاجات لا تسندها البيانات المتاحة. فالأرقام المنشورة لا تقدم أدلة كافية على أن أصحاب الرواتب الذين لا يملكون خدمة تقاعدية فعلية أصبحوا أكثرية المستفيدين. كما أن المستفيدين من رواتب أو حقوق تقاعدية تعود إلى ما قبل عام 2006 ليسوا جميعاً أشخاصاً بلا خدمة؛ فكثير منهم أصحاب خدمات تقاعدية سابقة، وإن اختلف مصدر تمويل رواتبهم.
ومن ثم، فإن المطلوب ليس إطلاق الأحكام أو تحميل فئة بعينها مسؤولية الأزمة، وإنما إجراء مراجعة شاملة وشفافة لأعداد المستفيدين، وأسس الاستحقاق، ومصادر التمويل، والالتزامات المترتبة على الدولة.
سادساً: ما الذي تقتضيه العدالة؟
في تقديري، أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب اتخاذ مجموعة من الإجراءات، في مقدمتها:
1. الفصل المالي والإداري: التمييز بوضوح بين صندوق تقاعد الموظفين وبرامج الرعاية الاجتماعية والتعويضات والامتيازات الاستثنائية، مع ضمان تمويل كل منها من مصادرها المقررة.
2. حماية أموال التقاعد: عدم تحميل أموال المتقاعدين التزامات مالية لا تقابلها اشتراكات أو تمويل حكومي واضح ومخصص.
3. التدقيق والشفافية: إخضاع قوائم المستفيدين للمراجعة والتدقيق، والتحقق من سلامة أسس منح الاستحقاقات، ونشر البيانات المتعلقة بأعداد المستفيدين ومصادر التمويل.
4. ضمان انتظام الصرف: دفع الرواتب التقاعدية المكتسبة في مواعيدها، وعدم جعل أصحاب الحقوق رهائن للعجز المالي أو نقص السيولة.
5. مراجعة التشريعات: إعادة النظر في القوانين والامتيازات التي قد تخل بالتوازن والعدالة بين المواطنين، مع احترام الحقوق المكتسبة وعدم المساس بها بصورة تعسفية.
6. ضمان استدامة النظام: وضع خطط مالية طويلة الأمد تضمن قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها التقاعدية، بعيداً عن المعالجات المؤقتة والوعود التي تتكرر عند كل أزمة.
خاتمة
إن المتقاعد لا يطلب أن يعيش حياة مترفة، ولا أن يحصل على امتيازات لا يستحقها، وإنما يريد أن يعيش ما تبقى من عمره بكرامة وطمأنينة، وأن يكون قادراً على تدبير شؤونه وتلبية احتياجاته الأساسية، من دون أن يضطر إلى الاستعانة بالآخرين أو أن يعيش أسير القلق والترقب مع حلول موعد صرف راتبه كل شهر.
وهنا أود التأكيد على مبدأ أساسي، وهو أن العدالة لا تتحقق بالمفاضلة بين المواطنين في معاناتهم، ولا بحرمان فئة من حقوقها لإنصاف فئة أخرى. فليس من العدل أن نقارن بين مواطن حُرم من حقوقه أو تعرض للاضطهاد، وبين موظف أمضى 30 أو 40 عاماً في خدمة الدولة، ثم نستنتج أن إنصاف أحدهما ينبغي أن يكون على حساب الآخر. فكلاهما يستحق الإنصاف، ولكن من خلال أبواب قانونية ومالية مختلفة، تتناسب مع طبيعة حقه وظروفه.
إن مسؤولية الدولة أن تحمي حقوق جميع مواطنيها، وأن توفر الرعاية لمن يحتاج إليها، والتعويض لمن يستحقه، والراتب التقاعدي لمن اكتسبه بسنوات خدمته وعمله، من دون أن يكون إنصاف فئة على حساب حقوق فئة أخرى. فالراتب التقاعدي ليس منّة من مسؤول، ولا مكرمة من حكومة، ولا خبراً عاجلاً ينتظر المتقاعد سماعه كل شهر؛ إنه حق قانوني واجتماعي، ووفاء بالتزام قطعته الدولة تجاه مواطن خدمها سنوات طويلة.
ومن المؤلم أن ينهي الموظف حياته الوظيفية نظيف اليد، معتزاً بنزاهته وابتعاده عن استغلال منصبه أو مد يده إلى المال العام، ثم يجد نفسه عاجزاً عن تأمين بعض احتياجاته الأساسية. لقد أدى واجباته والتزم بالقوانين، وانتظر أن يجد في نهاية مسيرته الوظيفية ما يعينه على مواجهة أعباء الشيخوخة، لكنه لم يتمكن، بسبب محدودية دخله طوال سنوات خدمته، من تكوين احتياطي مالي يحميه من تقلبات الحياة وأزماتها.
وفي الوقت الذي يواجه فيه هذا الموظف صعوبة تأمين متطلبات معيشته، يشاهد ما يتعرض له المال العام من هدر وفساد وسوء إدارة، وما يحصل عليه بعض من تولوا المسؤولية من امتيازات ومنافع لا تتناسب مع ما قدموه من خدمة أو إنجاز. وهنا تبرز مفارقة مؤلمة؛ إذ ينبغي أن تكون النزاهة موضع تقدير واحترام، لا أن يصبح أصحابها أقل قدرة على مواجهة أعباء الحياة من أولئك الذين استغلوا مواقعهم لتحقيق مصالح شخصية. وليس من العدالة أن يتحمل الموظف النزيه تبعات اختلالات لم يكن طرفاً في صنعها.
إن احترام المتقاعد يبدأ بصرف راتبه في موعده، واحترام حقه في الحصول عليه بانتظام، وصون كرامته، وعدم تركه أسيراً للقلق والوعود المتضاربة. فالدولة التي لا تصون حقوق من خدموها، ولا تفي بالتزاماتها تجاههم، تضعف ثقة مواطنيها بها، وتبعث برسالة سلبية إلى الأجيال القادمة مفادها أن سنوات العمل والالتزام والنزاهة قد لا تضمن لصاحبها حياة كريمة في نهاية المطاف.
***
سعد عبد المجيد ابراهيم








