عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

الطيب النقر: الخصوصية الثقافية وسبل حمايتها

تطول قائمة القضايا، والمفاهيم، والأطروحات، التي اتخذت موقفها النقدي حيال "الخصوصية الثقافية" التي سعى الغرب أن تغرق في لجة عولمته، "فالغرب الشره المغرور" من أعراض جنونه، اعتقاده أن قوة إشعاعه التي تعني بكل شيء، ويحيط سلطانها بكل شيء، تستطيع أن تفقد الدول صفتها الثقافية، وأن تلك "الهويات الثقافية" التي يفوق عددها الإحصاء، والتي تمتد في مساحات واسعة شاسعة، سوف تتفكك أواصرها آصرة بعد آصرة، وأن "عصره الرقمي" الذي قدم دورة الزمن عن ميقاتها، سيقبض على روح الانتماءات الثقافية، ويحيلها قسرًا إلى عالم الخفاء، وستضطر تلك الدول المهيضة الجناح التي لم يكن النظر إلى إرثها الثقافي متاحًا لأحد من الناس، لأن الإنترنت الذي أظهر هذه الألوان المختلفة من الثقافات لم يسطع نجمه في الوجود، أن تعيش على أنماط مختلفة من حضارته المادية المحضة، التي يراها البعض مخلوقًا جميلًا مشرق الجبين.

إن اعتدادنا بتلك الهويات الثقافية التي تزخر بها أوطاننا، يعتبر شرطًا ضروريًا من شروط الاستقرار لتلك الهويات، فإثارة مشاعر الحب والحماسة تجاه "روحنا الجمعية" تحسم المنازعات المتعلقة بكيفية نصرة "سماتنا الحضارية" التي نريد لها أن تمضي كما نحب، ولا تخضع لسطوة هذا "الغاشم المستبد" الذي يطمح أن يضم تحت لوائه شتات الموروث الثقافي لأمم وسلالات العالم، ويجعلها تحت قبضة عرق واحد، والسمات الحضارية التي ينهض بها مجموعة من الناس، تجمع بينهم وشائج الجنس، واللغة، والعادات، والأفكار، والمعتقدات، والتقاليد المشتركة، وتتأجج نفوسهم بمحبة بلدانهم، وقومياتهم، التي تعيش في انسجام تام دون هيجاء أو حروب، يقتضي توفرها أن تحتوي على عدة عناصر، مثل "اللغة" التي نطلق ألسنتنا بها في غير تحفظ، و"القيم والمبادئ" المستمدة من "وفضة الدين" وجفيره، ومجموع "الموروثات الاجتماعية" الضاربة بأطنابها في عمق الماضي السحيق، والتي قد لا تحيط تلك الشعوب التي تعيش في بقعة جغرافية محددة بعينها، بشيء من كنهها وتفاصيلها، ولكنهم يتمسكون بها، وينهمكون فيها، ويصرفون همهم وبالهم إليها.

وبعد أن حددنا النسق والإطار المتكامل من المفاهيم التي تشتمل عليها هذه السمات، دعونا نتحدث عن هويتنا الثقافية الشديدة التنوع، والتي يمارس الغرب صراعه معها بأساليب مختلفة، هويتنا التي لم تعد كما كانت، قدسية معصومة لا يمسها ثلب أو انتقاد، أمست بكل مميزاتها، وتركيباتها، ومذاهبها، وطوائفها، متاحة للمتعسف الجائر الذي أفسد صيغتها، وجوهرها، ومضمونها، "فاستغلها، استغلها على النحو الذي لاءم طبعه، ومزاجه، وتصرفه" كما قال العميد الضرير، أنا أؤمن بأن العالم الآن يقوم على تشابك مصالح مشتركة، وأن الصلات بين الشرق والغرب على مر الحقب والقرون، هي التي نجم عنها هذا الصراع بين الأيديولوجيات والحضارات على نحو ما هو معروف، وأن الهويات الثقافية التي نجح الآخر في تدجين كينونتها، وتضمينها في صورة ذهنية خاضعة لإرثه الإقطاعي القمعي والاستعلائي، يمكن أن تكتسب جمهورًا مختلفًا عابرًا، ولكن في الحق أن "خصوصيتنا الثقافية" لا يمكن أن تستسيغ هذا المض والهوان، وأن ترضى بأن تختزل في تلك الصور والمعاني التي يروج لها الغرب، "خصوصيتنا" التي فرضت نفسها عنوة، وشكلت له مصدر خوف وقلق، من الواجب أن ننزل عليها وابلًا من الألفاظ والاصطلاحات التي تحكي عن سموها وتفردها، ونتحدث في إسهاب عن الفرق بينها وبين ثقافته وسلوكه العابث الماجن، الذي قصم ظهر الفضيلة، وتركها في نطاق ضيق محصور لا يتجاوز ردهات الكنائس وأقاريز طرقها وفي الأديرة التي يقيم فيها الرهبان. هذا التداعي والانحراف أدى واجبه "العم سام" في الآونة الأخيرة، كما أدته في العصور المختلفة "القارة العجوز"، فالعم سام بعد أن قطع الأوصال بينه وبين ماضي الحضارات التي سامها بخسف مثل حضارة "المايا والإنكا"، ولم يبق منها على قليل أو كثير، لاعته خصوصية تلك الثقافة التي تتمسك بعروة الدين في الكثير من معالمها وملامحها، "الثقافة العربية الإسلامية" التي انكب لدراسة خصائصها، وتحليل سياقاتها وأبعادها، حتى يخرجها عن تقاليدها وسننها، ويحدد هو غاياتها وسلوكها، "الثقافة الإسلامية" التي يلعب فيها "الهدي الإسلامي" دورًا محوريًا وبنيويًا في تدعيم التفاعل الثقافي، لم يهضم العم سام وشيعته أصولها وأوضاعها، وتكوينها الفكري عمومًا، فسعى أن يجعلها تتداخل مع ثقافات أخرى، وأن يجردها عن قيمها السامية، ومبادئها الرفيعة، لتتردى في كل سفالة، ودناءة، وانحطاط، فمدها بما مد به غيرها من صور وأفكار، وبعث فيها من حياة العهر، والإباحية، والابتذال، ما جعل له الغلبة والسيادة، خاصة بين أوساط هذا الجيل الذي نعده أسير عناصر ثقافية متداخلة ومترابطة، جيل ليس مثل الأجيال التي سبقته، والتي انحدرت من ثقافة مكتفية بنفسها، ومستقلة عن غيرها، لأجل ذلك أخفق الجيل الحالي في واجبه، لأنه تخلى عن تشييد القواعد والمعايير التي يقوم على أساسها التباين والاختلاف بين الثقافات.

وفي ضوء كل ما تقدم، نقول إن خصوصية ثقافتنا الإسلامية تستدعي استنهاض الهمم لإعادة غابرها الزاهر، وذلك بأن نضفي عليها سمة التفرد والاستقلال التي كانت موسومة بها منذ أن كانت وليدة ناشئة في الحجاز، وأن نحرص على بلورة هويتها، ورسم معاني تفردها رسمًا دقيقًا بحيث لا يكون هذا التفرد موضع جدل أو نقاش، وأن نحتفي بلغتها ونتعمق في دراستها، ونذيع أدبها الرفيع، وأن نعكف على دراسة تراثها ونستقصي أغواره، فواهم من ظن أن تراثها غامض ومبهم، وجامد لا يقبل التغيير، وأن نمجد دينها الذي سعى إلى تنزيه الروح، وتقديس العقل، وأن نحافظ على أخلاقها التي تنشد الخير، وتكره كل شر وفحش وانحلال.

***

د. الطيب النقر

الأحد 1/11/26

في المثقف اليوم