مقاربات فنية وحضارية
فالتر بنيامين - Walter Benjamin
عمل فني في عصر قابليته للاستنساخ التقني*
ثلاث دراسات حول علم اجتماع الفن
اعداد وترجمة: قاسم طلاع
***
بعد نحو ستين عامًا من اختراع داجير (Daguerre) عام 1937 لأول جهاز لإنتاج الصور الضوئية آلياً، بدأت الصور تتعلّم المشي، ثم بعد ذلك بقليل حتى الكلام. لقد غيّرت الفوتوغرافي والسينما، والبث الإذاعي وتسجيلات الأسطوانات الصوتية، إدراك العالم. فالأحداث والأشياء التي كان لا يمكن بطبيعتها من قبل أن تُختبَر مباشرة في حضور حسي إلا من قِبل عدد قليل من الناس، أصبح من الممكن الآن، ظاهريًا، تثبيتها تمامًا كما وقعت، وجعلها متاحة عبر حدود المكان والزمان لعدد من الناس غير محدود من حيث المبدأ. إن السهولة التي بات يمكن بها إنتاج الصور المرئية والسمعية واستنساخها، أتاحت فجأة لملايين البشر أن يشاركوا في الحدث نفسه، أو على الأقل أن يمتلكوا وهم المشاركة فيه.
كيف أثّرت التقنيات الجديدة في الفن وفي فهمه، درس فالتر بنيامين (1892–1940) في مقال كتب عام 1936 في المنفى الفرنسي، وأصبح لاحقًا مشهورًا، بعنوان العمل الفني في عصر قابليته للاستنساخ التقني. يفهم بنيامين الفوتوغرافي (Photographie) والسينما بوصفهما أشكالًا فنية مبتكرة تحلّ محل الأشكال الأقدم، مثل اللوحة التشكيلية والمسرح. وتختلف هذه الفنون الجديدة اختلافًا جوهريًا عن تلك القديمة، ولا سيما في أن شيئًا ما ينقصها للمرة الأولى، شيء كان يميّز العمل الفني دائمًا حتى ذلك الحين، ألا وهو هالته (Aura) الخاصة. يعرّف بنيامين الهالة بأنها "الظهور الفريد لبُعدٍ ما، مهما كان قريبًا"، ويشرح هذا التحديد من خلال مثال من تجربة الطبيعة: "أن يتتبع المرء، مستلقيًا في ظهيرة صيفية، سلسلة جبال في الأفق أو غصنًا يُلقي بظله على المستلقي – فهذا يعني أن يتنفّس هالة تلك الجبال، هالة ذلك الغصن"
تنشأ الهالة (Aura) من فرادة التجربة وعدم قابليتها للتكرار، من واقع لا يمكن اختباره إلا في هذا المكان، وفي هذا الوقت، ولا يمكن تثبيته أو حمله معه، ويبقى بهذا المعنى، حتى في القرب، بعيدًا إلى الأبد، لأنه غير قابل للإمساك. مثل العرض الأول لحفل موسيقي سيمفوني أو لدراما (Drama)، وكذلك مثل لوحة لرامبرانت (Rembrandt) لا توجد إلا مرة واحدة، وتتميّز بوصفها أصلًا عن جميع النسخ لا بتاريخها فحسب، بل بالآثار التي تحملها، وبمسار نشأتها الفريدة الذي قادها من مرسم الرسام، حيث نشأت في عملية إبداعية طويلة ومعقّدة، إلى هذه اللحظة هنا، إلى هذا المكان الذي أستطيع الآن أن أراها وأتأملها فيه. في هالة التفرد لا تزال تتردّد الدلالة المقدّسة التي كان العمل الفني يمتلكها سابقًا من خلال اندماجه في ممارسات طقسية. وإدراكًا لعدم قابليته للمنال، أقف أمامه بخشية، كما لو كنت وحيدا أقف أمام إلهي.
غير أن هذا التفرد بالذات يضيع، بحسب بنيامين، بفعل إمكانية الاستنساخ التقني الجماعي. "حتى في النسخ المكتملة بعناية، يبقى هناك شيء واحد مفقود: "هنا والآن" الخاص بالعمل الفني – وجوده الفريد في المكان الذي يوجد فيه. لذا يصبح الفرق بين الأصل والنسخة بلا معنى. فالطبعة الواحدة لا تقل قيمة عن الأخرى، وإذا دُمّرت إحداها، أمكن استبدالها من دون خسارة. ما أراه هنا اليوم، يمكن شخص آخر أن يراه في الوقت نفسه في مكان آخر. لذا، فإن العمل، الذي يمكن إعادة إنتاجه بأي كمية عددية، يميل لأن يكون متاحا للجميع في أي وقت كان. فمنذ البداية، كان قد صمم خصيصا للاستخدام الجماهيري وبالتالي يسلب نفسه من عزلته ألأصلية. نحن نقرّبه إلينا، حتى إلى داخل بيوتنا، آنذاك عبر التسجيل الصوتي، ثم لاحقًا عبر التلفزيون، واليوم عبر الإنترنت. وبهذه الطريقة، يرضي الإحساس المتنامي بالتشابه في العالم. ومن القيمة الطقسية السابقة للعمل الفني (القيمة الثقافية)، ومن السلطة المرتبطة بها، لا يبقى بالكاد شيء منها، حيث تم استبدالها بقيمة عرضية. تختفي الهالة، لأنها تظل دائمًا مرتبطة بالهُنا والآن، ولذلك لا يمكن أن يكون لها هناك أي تمثيل (أو صورة). إن عبادة النجوم المُشيّدة بعناية ليست سوى بديل، تتغذى من الملاذ الوحيد الذي بقي للهالة، وهو الوجه الإنساني: «في التعبير العابر للوجه البشري، تؤثّر الهالة للمرة الأخيرة في الصور الفوتوغرافية المبكرة. وهذا ما يشكّل كآبتها، جمالها الكامل الذي لا يُقارن بشيء."
غير أن مقالة بنيامين تبدو أيضًا ساحرة ومربِكة بسبب التقييم الشديد الازدواجية لهذا التحوّل المشخَّص. فمن جهة، يبدو أنه يرثي فقدان الهالة، ومن جهة أخرى، يبدو أنه يرحب بها من وجهة نظر سياسية. إن تجربة بنيامين المباشرة في تحويل مفاهيم مثل الإبداع والعبقرية والقيمة الأبدية والغموض إلى أدوات فاشية، والتي كانت دائما مرتبطة بتفرد وهالة العمل الفني، وتحول العملية الإبداعية من الإنسان إلى الأجهزة أصبح غير ضروري، إلى الإشارة إلى الأهمية السياسية لفن مضاد "للهالة". نجحت الفاشية في متابعة تجميل وتأهيل الحياة السياسية وإضفاء الهالة عليها. وهكذا حتى الحرب يمكن اعتبارها عملًا فنيًا (وبالتالي مهمة مقدسة)، وأن يُعلَن الدمار، بما في ذلك دمار الذات، متعة جمالية من الدرجة الأولى. «ليكن الفن – ولتفنَ الدنيا»، كان الشعار: عاش الفن، حتى ولو هلك العالم – الفن للفن في أقصى درجات الاكتمال. إذ تمنح الفاشية الجماهير تعبيرًا جماليًا، فإنها تحجب حقيقة أنها لا تنوي تغيير أدنى شيء في علاقات الملكية القائمة، "ولو قليلاً"، أي في الظلم وعدم المساواة الفعليين. إن الفنّ الهالي (Aura-Kunst) يخدم ترسيخ القائم، تحديدًا لأنه ليس سياسياً. فهو يمتصّ المُشاهد، ويطالبه بأن يغمر نفسه فيه، ويترك العالم كما هو "قائم بذاته". يطالب بانتباهه الكامل، ويمنحه بالمقابل نعمة أن يكون موجودًا من أجله وحده. ولهذا السبب فهو معاد اجتماعي للغاية.
بدلًا من تَجْمِيل السياسة، هناك حاجة، بحسب بنيامين، إلى تسيس الفن، وهو ما يفترض بدوره تدمير الهالة. إن الفن المحرَّر من هالته لا يعود يدعو المُشاهد إلى التأمل الخاشع، بل يصرفه عنه عمدًا. إنه يشتته. فالجماهير المشتتة وحدها هي القادرة، كما يكتب بنيامين، بدلًا من أن الانغماس في العمل الفني، أن تُدخِل العمل الفني في داخلها، وأن تتحرر بذلك من سحره. لا يسمح العمل بنشوء موقف توقيري من الأساس، مما يضع المُشاهد منذ البداية في موقع نقدي تقويمي. يلتقي المتعة والنقد. ومن دون أن يتأثر بأي اتصال شخصي، ينظر المُشاهد، على نحو ما، عبر العمل إلى العالم الواقعي، الذي يُقرَّب إليه بطريقة لم تُعرف من قبل. تفقد الصور مظهر الاستقلالية، وتصبح "قطعًا إثباتية (أدلة) في العملية التاريخية."
تسمح تقنية الكاميرا بتوغّل أعمق وأكثر دقة في الواقع المرئي. فهي تُجزِّئه، وتقتطع مقاطع فردية، ثم تعيد تركيبها من جديد، لكي تُخرج إلى النور ما يبقى إلى الأبد غير مرئي للعين المجرّدة: "يراقب الرسام في عمله مسافة طبيعية تجاه المعطى، أما المصوّر السينمائي فيتوغل عميقًا في نسيج الوقائع". تُخرج الكاميرا اللاوعي البصري إلى السطح: "إذا كان من المألوف أن يُدرك المرء، ولو بصورة تقريبية، طريقة مشي الناس، فإنه لا يعرف بالتأكيد شيئًا عن وضعيتهم في جزء الثانية أثناء الخطو. وإذا كان مألوفًا لنا على نحو عام القبض الذي نقوم به عندما نمدّ أيدينا إلى الولاعة أو الملعقة، فإننا بالكاد نعرف ما الذي يحدث فعليًا بين اليد والمعدن أثناء ذلك، فضلًا عن كيفية تغيّره تبعًا للحالات المختلفة التي نكون فيها. هنا تتدخل الكاميرا بأدواتها، بسقوطها وصعودها، بقطعها وعزلها، بتمديدها وتسريعها لسير الحدث، بتكبيرها وتصغيرها". وهكذا تُرينا الكاميرا، بمعنى ما، صورة أكثر صدقًا، أو على الأقل أكثر دقة، للواقع مما اعتدنا عليه عادة.
يتكيّف الفن التقدّمي أيضا مع الطريقة التحليلية للكاميرا حيث يستخدم الأشكال التقليدية. فالدادائيون، مثلًا، يمارسون تدميرًا مشابهًا للهالة (Aura) كما تحققه الوسائط الجديدة. إنهم يعرضون أكثر الأشياء العادية والمتداولة يوميا، أشياء تافهة من العالم الواقعي، كزرّ البنطال وتذكرة الحافلة، ويدمجونها في أعمالهم، ويحولون بذلك دون الانغماس (التأمل) الطقسي للمشاهد. "من المستحيل أن يقف المرء أمام لوحة لآرب (Arp) أو قصيدة لأوغست شترام (August Stramm)، كما يقف أمام لوحة لدارين (Darain) أو قصيدة لريلكه (Rilke)، ليمنح نفسه وقتًا للتجمع واتخاذ موقف". يصبح العمل الفني هنا، على نحو ما، "مقذوفًا" يصدم المشاهد، الذي لا يعود قادرًا على ترك تدفق تداعياته يجري بهدوء، لأنه يُواجَه على الدوام بالجديد، وبالواقع مرارًا وتكرارًا وبطريقة جديدة دائمًا. إن الفن الجديد، كما يفهمه بنيامين، يراهن بوعي على تأثيرات الصدمة الجسدية، من أجل بلوغ عصره، ومن أجل إيقاظ المشاهد من سباته.
إن كون ذلك لا ينجح دائمًا بأي حال، وأن الأشكال الجديدة للفن، وفي مقدمتها السينما، التي علّق عليها بنيامين على ما يبدو آمال الخلاص من التفريغ الفاشي للواقع في الحياة العامة، تصلح على الأقل بالقدر نفسه، إن لم يكن أكثر، لتهدئة المشاهد (وكذلك، بطبيعة الحال، لتلقينه أيديولوجيًا، والفاشية ليست استثناء)، هو تجربة كان بإمكان بنيامين نفسه أن يعيشها. لماذا لم يحدث ذلك، يبقى أمرًا مثيرًا للاستغراب.
***
.................................
المقال أعلاه مستل من كتاب:
" Was ist Kunst? (Positionen der Ästhetik von Platon bis Danto
" ما هو الفن؟ (مفهوم علم الجمال من أفلاطون حتى دانتو"
من تأليف ميخائيل هاوسكلر Michael Hauskeller أستاذ الفلسفة في جامعة ليفربول في إنكلترا.
* Das Kunstwerk im Zeitalter seiner technischen Reproduzierbarkeit.
Drei Studien zur Kunstsoziologie, Frankfurt am Main 1963.
* فالتر بنيامين (1892-1940) فيلسوف ألماني، ناقد ثقافي (Kulturkritiker) ومترجم. وبسبب صداقته الوثيقة مع تيودور أدورنو اعتبر من النشطاء في مدرسة فرانكفورت.
*لويس جاك ماندي داجير (Louis Daguerr) 1787-1851: فنان وكيميائي فرنسي. من أبرز أعماله كانت، بالتعاون مع جوزيف نيس على تطوير التصوير الفوتوغرافي. اخترع طريق قديمة في التصوير عرفت ب (داجير وتايب). وكان قد بدأ حياته رساما، وفي الثلاثين من عمره اخترع طريقة لعرض اللوحات الفنية مستخدما أسلوبا معينا في الإضاءة، وعندما كان مشغولا بهذا الفن حاول ان يجد طريقة لنقل المناظر الطبيعية بصورة آلية، أي تصويرها وليس رسمها. فشل في البداية الأولى من اختراع كاميرا. ولكن في عام 1827 والتعرف على جوزيف نيس، الذي كان مهتما بصاعة هذه الآلة، قرر الاثنان العمل سوية. في عام 1837 توفى نيس وبقي داجير ماضيا بمحاولاته حتى جاء عام 1837 حيث نجح في ابتداع نظام عملي للتصوير الفوتوغرافي. أطلق عليه اسم "نظام داجير" وقد نال هذا الاختراع اهتمام عالمي واسع.
*هانز بيتر فيلهم آرب (1886-1966) هو رسام، نحاتا، وشاعرا ألماني-فرنسي. شارك في تأسيس الدادائية كحركة أدبية وفنية في زيورخ كرد فعل على الحرب العالمية الأولى، إلى جانب نشاطه في الحركة السريالية في باريس.
*أوغست سترام (1874-1915) ألماني، كان كاتب قصصي وشاعر إلى جانب كتابته النصوص المسرحية (Dramatiker).
* أندريه ديران (Andre Derain) 1880-1954 رسام فرنسي. مع ماتيس، يعتبر واحد من المؤسسين المشاركين لحركة (Fauvismus)، وهو أسلوب يتميز بالألوان المكثفة، والأشكال المبسطة. بعدها اتجه الى الكلاسيكية، بعد دراسة مكثفة لأساتذتها القدماء "وطور أسلوبا أكثر صرامة وبخطوط واضحة وألوان أكثر خفتا، حيث أعتبر من أوائل رسامي الحداثة الكلاسيكية. وعلى الرغم من أسلوبه المتغير، ظل مبتكرا مهما في الرسم وشخصية رئيسية في الطليعة الفرنسية طوال حياته. تنتقل أعماله بين انفجار ثوري في الألوان والتوازن الكلاسيكي – وهو نطاق فني يجعله واحد من أكثر الرسامين تنوعا في عصره.".






