مقاربات فنية وحضارية

جمال العتابي: الخزّاف رعد الدليمي.. حضور الحرف لغايات جمالية وروحية

تحظى تجربة الخزّاف رعد الدليمي بحضور تقني ولوني لافت، إذ استطاع أن يطوّر في حسّه الإبداعي في الوصول إلى تكوينات وأشكال معبّرة حسياً وجمالياً عبر استلهام الحرف العربي في تلك التكوينات، مع مزج التجريدي والشكل التعبيري الواقعي، ما أعطى أعماله الخزفية طابعاً فنياً اسلامياً، معتمداً العناصر البنائية لجماليات التكوين الكروي. يؤدي رمز الدائرة والتكوين الكروي دوراً مثيرا في العمل الفني، فضلاً عن وظيفته الجمالية التي استثمرها الفنان بشكل إيجابي للدلالة على خصب الحياة واستمرارها.2518 raed

لم يدرس الفنان الخزاف رعد الدليمي في معهد فني متخصص بالتشكيل أو في الخزف تحديداً، إنما أكمل رعد دراسته الجامعية في الهندسة المدنية، وهو يزاول مهنته تدريسياّ في إحدى المعاهد التقنيّة لتدريس اختصاصه، إنما دخل رعد الوسط الفني بقوّة بعد أن تعلّم الخط العربي على يد أستاذه الخطاط الشهير عباس بغدادي، فأجاد فيه، وتمكن من ضبط قواعده وأصوله بقدر كبير من أحكام الموازين السلفية في الخط والتجويد الإنشائي البليغ.

يعالج الفنّان الدليمي أمراً جديداً في غاية الدّقة والتعقيد، حين يُخضع تقنيات فن (الخزف) لموجبات فن (الخط)، وهو في ذلك، إنما يزاوج بين إيقاعين مختلفين، ويداني ما بين عرضين بصريين متباعدين، ولكنه على الرغم من ذلك، يستطيع أن يبدع منهما عملاً تشكيلياً خزفياً جديداً يحمل أكبر قدر من المجاز التناغمي، كما يتّسم بقدر من التوازن الإيقاعي، وهو بهذا إنما يقف في الخط المقابل لمحاولات الخزّافين الذين أغفلوا رمزية الحرف وجعلوا منه مجرد إيماءات تشكيلية تستوي على السطح أو تغور في الملامس الصقيلة للخزف.2519 raed

لا يغادر الدليمي منطقة اختصاصه الهندسي، لذلك هو يسعى دائماً إلى البناء الهندسي في تكويناته الخطية، يرسمها بخصوصية انشائية ودقة معمارية، يضيف إليها اللون الذهبي لتطوير أدائها التعبيري، وهو يجمع بين خصائص الخط الكوفي القيرواني، والتصاميم الهندسية للحروف محكمة الأشكال .

جاءت اشتغالاته رهناً لخطاب تبنّاه، يرتكن عمقه إلى الإبحار في المساحات الروحية، الغيبية، التصوف.. فضاءً ورؤيا، خلاصتها قطع فنية خزفية تتجلّى فيها هذه الفضاءات. وتتخذ أشكالاً هندسية في تشكلها النهائي ليدخل الحرف عنواناً يؤكد جمالياته الباذخة في القول والتعبير، ولا سيما إذا كان مستلاً من آيات قرآنيّة، يؤكد حضور الحرف العربي وخطوطه وتشكّلاته ومدارسه عنواناً جمالياً وتربوياً في الوقت ذاته .

رعد الدليمي المتعدد الاختصاصات يوظّف في نصوصه الخزفية خبرته التصميمية إلى ما هو جمالي، خلاصة لموروث بنائي بين الخزف والكتابة في خلق نماذجه التركيبية باندامجها وتداخلها أجزاءّ تشكل بنية مستقلة تسمح لكل عنصر أن يكمل الآخر. الشكل الخزفي معمار مصغّر يؤكد هويته بما يتضمنه من تحدٍ لمظاهر الاغتراب مستمدة من الطبيعة والموروث، إنّه يذكّرنا بفن (الأرابسك) في أشكاله المتوارثة، يتفاعل ويندفع ويتوحد مع الكتابة لغاية جمالية وروحية (صوفية) يدمج فيها الخط بالنحت بمعالجة معمارية تحت تأثير التحديث.2520 raed

استلهم الدليمي الخط العربي أساساً للتشكيل الخزفي، عبر (النقطة) ليمنح أعماله خصوصية وهيمنة لحروفه المجسّمة، ونقاطه المذّهبة بشكلها المنفرد، أو المتراكب، وهي تعلو أعماله بشموخ معماري تعطي الإحساس بخصوصية الخزف من دون أن تفقد روح المغامرة والحداثة.

تُعدّ النقطة المجسّمة البصمة الفنيّة في اغلب أعمال الدليمي، إذ يرى فيها أسرار الحروف، ومصدر التكوين اللفظي والبصري، وكل الحروف في صراع من أجل الحصول على نقطة أو نقطتين أو ثلاث، لذلك تعد حروف (الثاء والشين) أمراء الحروف، أما الحرف المجرد من النقطة فحركته مبهمة، النقطة على وفق رؤاه: شموخ وتألق للشكل النحتي، وهي مصدر التوازن  فيه.

النقطة بما تحمله من مضامين جمالية وفلسفية متعددة، إحدى عناصر العمل الفني بعامّة، والتصميم بخاصّة، ولها أهمية في بناء الشكل أو دلالة اللون أو المعنى والمفهوم، كما للنقطة بوصفها أحد عناصر التشكيل دور كبير في بيان الجمالية، إذ لا يخلو أي تصميم من وجود النقطة وعلاقتها مع المحيط بها من عناصر التصميم البنائية الأخرى.2521 raed

تحضر النقطة في القطع الخزفية وجوداً مركزياً لسرّة الأشياء، هي تكوين مبهم تعددت فيه الآراء، هي السرّ المكنون بالمعرفة الخفية باطناً، وهي إضفاء عنوان جمالي للتكوين النحتي الخزفي. جعل منها أسلوباً وبُعداً رؤيوياً لتجربة رعد الدليمي الخزفية. تذكًرنا دائماً أنها لازمة موسيقية خفية تصدر من لا مكان، ولكننا نسمعها في كل مكان، لأنها صوت الزمان، وصورة الوجود أنّا حللنا فيه، أو هي النقطة التي عناها (الحسين بن منصور الحلاج) حينما وصف بها ذاته المعلّقة في حمى الوصال. وأكد رعد الدليمي على حرفي "الألف واللام" في لفظ الجلالة، لدلالتهما الوحدانية، وأصبحت الكلمة صورة تكشف عن المفاهيم الكامنة فيها، والصورة مصعداً يرقى بالحدس إلى هذه المفاهيم مباشرة، للرابطة القوية بين صورة الكلمة وبوادر الشعور بالطبيعة. فالمدّ الذي يرافق اللام الأولى يمنحها هذا المعنى المتعالي .

من هنا يؤكد الفنان رعد الدليمي بأن تجربته انطوت على تقديم رؤية معاصرة للفن الإسلامي يمتزج فيها الوضوح الكامل والتجريد من دون إبهام يلغي خصوصية العمل الفني وجذوره.

***

جمال العتّابي

في المثقف اليوم