سنقرأ أعمال الفنان (رائد أبوزهرة) في عالمه الموسوم بمحاورة الأبعاد في تجليّاتها الزئبقية المنفلتة باستمرار من قبضة التشيؤ وهي التي تشتغل أساساً على مقولة التشيؤ.
يشكل الجسد حساسيةً فنيةً قائمة بذاتها داخل النسق الثقافي العربي، وفيه يتجاوزالممارسة التقليديّة الذاهبة مذاهب الشخصنة والواقعية التي تفضح الجسد داخل أقانيمه المعلومة والمُقولبَة في قياس المألوف المشروط بالتمثلات الشعبية والوجدانية الحاكمة لرؤية المُشاهد. في عالم (رائد أبوزهرة) يغيب هذا التمثل ويحضر فعل الخرق والتجاوز لمنسوب ما يسمى بالبورتريه، المؤطّر لحركية المنحوتة والآسر لتسرّباتها خارج المعنى، والمُستدْعي دائماً نظرية المحاكاة.
يرفض الفنّان النحّات (رائد) أسطورة الإطار، كما يرفض تعليب محتواه الخشبي في قوالب صارمة في موت، وميّتة في صرامة، لأنه لا يعكس الجسد الموجود في الطبيعة، وإنما يصنع الجسد الكامن في مخياله الخاص، والقادر على محاورتنا في ثوابتنا التاريخية التي صنعت علاقتنا بالمشهودات، وأطّرتْها وأملت عليها مجموعة من التمثلات تحوّلت بفعل تغَوّلها إلى قناعات.
إن تجربة الفنان (رائد) لا تغمس أصابعها في نحت المحاكاة حيث الجسد الذكوري أو الأنثوي الإغريقي العاري الماتح جماليته من هذا العري وتفاصيله وظلاله المحافظة على قوانين التناسب في مقاييس الجسد البشري.
و رغم صلابة مادة الخشب المشتَغَلِ عليها، فإن المبدع (رائد) استطاع أن يحوّل الملمسَ المُتاخِمَ لهذا التماس من مجرد مقولات خامية عَرَضية غير مُطوّعة إلى عوالم نحتية تتكلّم بلغة الرؤيا خارج أحكام الفراغ والكتلة والحجم والضوء والظل واللون. وهي اللغة الفنية الجامعة لمختلف الطاقات الكامنة في مادة الخشب، والقادرة على تحريك الجماد في دينامية تصل بين قطبين :
– قطب الجهد العضلي من لدن النحّات وهو القطب الذي تُغيّبُه مرجعية الفنان وهو يمارس تشكيل الخشب وإعادة إنتاجه خارج عنصر البداهة. وفيه يبدو المبدع (رائد) ممتلكا لعنصر السلطة المعنوية بحيث يتبدى تحكمه في مسار المادّة وبراعته في اختيار هذا المسار.
– والقطب الثاني يتبدّى خشبا منفصلا في أول المطاف عن جسد المبدع، فإذا هو من صميمه ومن كيانه. وفيه تغيب المسافة وتُردمُ على اعتبار أن العامل الأساس في هذا الرّدم هو قوة الرغبة الدافعة والتي يمكن اختزالها في استحضار عنصر الجمال. هذا الأخير دافع قوي في التعامل مع المادّة وفي تطويعها وقيادتها القيادةَ الرشيقة.
في منحوتات المبدع (رائد) لا يحضر الجسد الإنساني الواقعي. لأن همّ النحات هنا ليس همّا تسجيليا يروم قطف التصفيقات القريبة والمجانية والتي تنتهي صلاحيتها بانتهاء مواسم البهرجة … وإنما يروم التخييل المجنّح والعالي الصبيب والمخاطب في القارئ للمنحوتات قدرته الكامنة على استجلاء المعنى واللامعنى وتأويلهما في اتجاه الخلق لا في اتجاه التكرار والنسخ وإنتاج الشبه. خذ أيها المشاهد أيّ منحوتة من منحوتات هذا المبدع وتأملها جيداً تجد كل شيءٍ فيها ينضح بالجمال الماكر لا الجمال المسَطّح الذي يُسْلِمُ ذاته إلى القارئ في أول تماسّ.
يتجلى الجسد في هذه المنحوتة قدراً راغبا في التحليق والتخلص من جاذبية الأرض، بغير أجنحة. ويتجلّى أيضا جسدا لا يمتح تناغمه من تناسب أعضائه، هروبا من سلطة المحاكاة، وروماً جليلا لبداية تنظيرية أكثر انسجاما مع نسغ الحداثة الفارضة أنساقها على المبدع. إن مساحات التأويل هنا ماكرة بحيث تبدو واسعة لكنها مورّطة في التأويل اللامشروط والعائم والمتسيّب في استخلاص الدلالات القريبة والبعيدة. من هنا ضرورة الحذر من الانزلاق في قراءة المبدع (رائد) الذي يمدّنا بمادّة نحتية ماكرة تغري بالقول فيما القول فيها مشروط باستحضار شروط وجود المنحوتة داخل سياق أكبر هو انتماء المبدع للسيرور ة العربية المحكومة بالنقصان. من هنا : نقصان الجسد أعلاه وبتره البتر الجمالي المتكلم بألف دلالة.
يبتعد (رائد) عن المسار الكلاسيكي الذي يحاكي فكرة الجمال. لهذا ندرك عمق المنحوتة قبل شكلها، وندرك حجم صرختها وهي تروم الإقلاع عن الثابت المسجي تحتها والقاضي بقدر الالتصاق. ولا أظن أن قارئا سيخالفني الرأي في أن الجسد عنا يصرخ بغير لسان، إذ تكفينا تلكم الانحاءة المُمِضّة كي نقرأ الصراخ، وكي نقرأ ذلكم التماهي المقهور مع الطائر المكسور.
و الجسد هنا لا يمثل ذاته في كلّيته المتواضع عليها في ثقافة التشيؤ، بقدر ما يمثله الجزء منظورا إليه لا في وظيفة الاختزال، وإنما في وظائف السؤال القهري والوجودي والمفعم بالسخرية البانية. وأكاد أجد المبدع القدير (رائد) يستوحي لحظة التفكير المندغمة في عنف الخروج من الشبه والتكرار إلى الفرادة المتمثلة في استنطاق الأعضاء داخل ثنائية الخفاء والتجلي، إذ يحدّثنا النحات هنا عن العنق في اختفاء العنق وعن الصدر في اختفاء الصدر وعن اليدين في اختفاء اليدين، في رؤية فنية تستعمل النحت من منظورات ثلاثة :
منظور التعبير عن الحضور بالغياب ومنظور التعبير عن الكل بالجزء ثم منظور المساءلة المسندة إلى المتلقي كي يستكمل بنحته الذهني مصوغة النحت (الرائدي) الذي يتميز في موسوعة هذا المبدع بالنفاذ إلى منظومات الجسد داخل منطق الدائرتين : دائرة المبدع ودائرة المتلقي.
و تكاد اللوحة تنحت الرأس فيما الرأس غائب بما يشي بأن المبدع (رائد أبوزهرة) واحد من النحاتين الكبار الذين لا يقفون عند عملية النحت المباشر المستند على المادة (الخشب) وإنما يتجاوزون ذلك إلى نحت الفكرة أو ما أسميه بالنحت الذهني، على اعتبار أن المنحوتة نصٌّ لا يكتمل في تجلّيه إلا بحضور وعي المتلقي الذي ينحت هو بدوه هذه الأعمال وهو يمدّ الإبداع بمزيد من الأسئلة الحارقة والمولِّدة.
يتحرك الخشب في سيمياء الحركة البانية لنسق فكري متخم بالجراح. وفيه يعتمد المبدع (رائد) على حصاد العقل في تجميع شروط الرقص في هذا العمل. إنها رقصة الأنثى في تمايل جسدها في كبرياء مجروح، يحاول تعمية الجرح بخلق امتدادات لهذا الجسد الراقص : في يمين المنحوتة ينبري النهد نقطة متوازية مع حركة الرجل اليمنى في تناغم يضفي على هندسة المشهد توازنا ذهنيا يقابله توازن مادي. وفي يسار المنحوتة يخلق المبدع (رائد) امتدادا ذكيا لحركة اليد الراقصة عبر تحليق العباءة أو بعبارة أخرى عبر تحليق معادل العباءة. فيما الرأس محنيٌّ إلى الخلف في صلفٍ مقبول يتنكر للجرح ولحجم الجرح … وسمّهِ أنت بالجرح العربي وذاك بالجرح الإنساني وآخر بالجرح الكوني … لا يهم، بقدر ما يهم أنه جرحٌ وكفى. ويكاد الجسد في هذه المنحوتة يذكرني بقول المتنبي :
لا تحسبوا رقصي بينكم طربا – فالطير يرقص مذبوحا من الألم
تكشف المنحوتات أعلاه والباقيات الصالحاتُ في رواق المبدع الفاضل (رائد أبو زهرة) أن كلّ جزء منها يشكلّ في حدّ ذاته خطابا فنياً يؤسس لمسار جمالي جديد، فيه يتحرر الفنان من ضوابط النحت الصارمة متحررا من قبضتها ليعبر تعبيرا صادقا عن أسرار الجسد الإنساني داخل تجربة بصرية قائمة بذاتها، تنعرج بالجسد من تاريخ النحت الحسي الملتصق بالمادّة إلى النحت الذهني المشتغل على المادّة من أجل تجاوزها في أفق إشراك المتلقي في عمليات الصوغ الحجري أو الخشبي أو غير ذلك من مواد النحت.
اشتغل النحات البريطاني العالمي (هنري مور) على التجاويف فأفادنا في عمق المحاورة لدواخل المنحوتات، في نسقية خاصة وسمها النقّاد ب (الجسد المستلقي) … واشتغل (رائد أبوزهرة) أيضا على هذه التجاويف فبدا مجدّدا في نسغ هذا الفن باقتدار، وبأصالة لا تتبع النموذج وإنما تبتكر لذاتها خطا فنيا موسوما بالإدهاش عبر مساءلة الخشب في اختراقه لمفهوم المادّة انطلاقا من تأثيث الفراغ الخشبي بالفراغ المتكلم. وفي أول تماسٍّ من المنحوتة أعلاهُ ندرك حضور الجسد \ الأنثى من خلال تموّجات الخشب في عنفوان الحضور الأنثوي الفاتن. ويبقى النّحّاتُ (أبوزهرة) كبيرا وهو يستنطق الدوائر الفارغة في جسد المادة انطلاقا عملية التعويض. فالأعضاء الغائبة يتمّ استبدالها بالفراغات الحاضرة، وإذا كانت الطبيعة لا تقبل الفراغ فإن الفنّان (رائد) يحوّل المقولة إلى النقيض، ويجعل من الفراغات بدائل لهذا الجسد الموسوم بالهرمية، والعلوية والسموق البشري. الفراغات هنا تقنية ماكرة للتمويه بالحركة : حركة الجسد وحركة تداعيات الجسد، انطلاقا من الوضع العمودي للمنحوتة.
يمثل هذا المنحى في التشكيل الخشبي رؤية تعبيريّة خياليّة لنحت الجسد، وفيها سعى المبدع (رائد) إلى استنطاق كتلة الجسد بتفاصيله ومكوناته وإلى تحويله إلى بناء تجريديّ عن طريق عملية البتر وخلق التجاويف. والغريب الجميل أن الحذف في منطوق العادة مدعاة إلى النقص، لكننا في سياق هذه المنحوتة نتحول إلى حساسية أخرى هي حساسية الامتلاء عن طريق الفراغ. ومن ثمّ استطاعت عبقرية هذا النحّات المتفرّد أن تُضخّم التجاويف والفراغات وتحول وظائفها من السلب إلى الإيجاب.
هكذا استدعانا الموقف النقدي إلى ممارسة بعض القراءة لبعضٍ من عالم الفنّان النّحات (رائد أبو زهرة)، غيضاً من فيضٍ، وجدنا فيه رؤية خاصة لمفهوم الجسد، بعيدا عن التشيؤ والفيزيقية والواقعية والانطباعية الواقفة على تخوم التسجيل والمرآتية. يتميز عالم (رائد) النحتي بالقدرة على محاورة مادة الخشب في سيمياء الإدهاش عبر سؤالين : سؤال الكينونة وسؤال المادة، وبالتالي فكل جسد هو مادّة قادرة على الحركة، ويكفينا أن تنمثل هذه الحركية في تأويلنا للمادة وهي الرسالة الفنية التي يروم المبدع تبليغها في رؤية نحتية فنية قادرة على التميز داخل الزخم النحتي العالمي المتعدد والمختلف والفارض على القارئ أو المتلقي حظّا من الثقافة كي ينسجم مع الأطروحات الإبداعية العالية الصبيب والمتاخمة لحدود التجريد.
***
نورالدين حنيف أبوشامة








