عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

علي أسعد وطفة: النظريّة التربويّة بين الفلسفة والعلم والخبرة

"أيمكن أن يتحقّق الشيء بالفعل كما يُوصَف بالقول، أم أنّ من طبيعة الممارسة أن تكون أقلّ اقترابًا من الحقيقة من القول، وإن رأى بعضهم خلاف ذلك؟ أتوافق على هذا أم لا؟".... أفلاطون (في الجمهوريّة) (1).

1- مقدّمة:

تزوّد النظريّات التربويّة المربين بمعرفة جيّدة عن طبيعة الحياة التربويّة بما تنطوي عليه من فعاليات واتجاهات وأهداف وغايات. وقد شهد الحقل التربوي ولادة نظريّات تربوية نشطة كرست لتفسير الظواهر التربويّة وتحديد هويتها وماهيتها. وقد ارتبطت هذه النظريات في معظم الأحيان بالتوجهات الأيديولوجية التي كرست لتبرير الممارسات التربويّة بما تنطوي عليه من توجّهات سياسيّة وفكريّة. والحقّ يُقال إنّه لا يمكننا أن نفهم الفكر التربويّ في عصرٍ ما خارج سياقه الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ؛ لأنّ وظيفة التربية الاجتماعيّة تحدّد ماهيّتها وطبيعتها بالدرجة الأولى. فالتفكير التربويّ بمستوياته المختلفة ومضامينه المتعدّدة ونظريّاته المتعدّدة وغاياته المضمرة والمعلنة يتواصل ويتحرّك ويتواتر عبر التاريخ الإنسانيّ، ويأخذ صورة تأمّلٍ عقليّ يمتلك هويّته الخاصّة ووحدته النقديّة المتميّزة. وفي عمق هذا التطوّر التاريخيّ للفكر التربويّ تتحرّك منظومة من التناقضات التي تأخذ طابعًا سياسيًّا واجتماعيًّا. وعلى هذا الأساس يمكن القول بأنّ أغلب المشكلات والقضايا التربويّة التي تتميّز بطابع الأهميّة وُلِدت وتعاظمت مع صيرورةٍ تربويّة بدأت فيها التربية تأخذ طابعًا فكريًّا وتأمّليًّا تحت تسمية النظريات التربوية. وهذا يعني أنّ تنامي الفكر التربويّ ترافق مع ظهور مشكلاتٍ تربويّة مستجدّة في الساحة التربويّة ذاتها، وبالتالي فإنّ الفكر التربويّ النظري جاء مستجيبًا لعوامل النموّ والتعقيد اللذين شهدتهما العمليّة التربويّة ذاتها. فكلّ تربيةٍ تقترح نموذجًا إنسانيًّا تسعى إلى تحقيقه، وهي في دائرة هذا التوجّه تعمل على تحديد الفعاليّات التربويّة لصيرورة الإنسان في تواتر نموّه من الطفولة إلى الرشد. وهذا النموذج التربويّ المنشود ينبثق من رؤيةٍ فلسفيّة إلى الإنسان غايةً ومصيرًا. وهذه الغائيّة الفلسفيّة تقتضي بناء وشائج جوهريّة وأصيلة بين الفلسفة والتربية، أو بين المربّي والفيلسوف. فالصورة التي تسعى التربية إلى تحقيقها مرهونة ببناء تصوّراتٍ عقليّة وفلسفيّة كمرتكزاتٍ كلّيّة تشكل المنصة التي ينطلق منها العمل التربويّ سعيا إلى تحقيق أهدافه وغاياته.

2- التجادل الإشكالي حول مفهوم النظرية التربوية:

لا بدّ من الاعتراف في هذا المضمار بأنّ كلّ نقاشٍ بين المتحاورين ينطوي على افتراضاتٍ تبدو وكأنّها مشتركة أو متّفق عليها من حيث المبدأ، وهي نوع من المسلّمات التي لا تلفت انتباههم ولا تحظة بنصيب من مناقشاتهم. وغنيّ عن البيان أنّ الافتراضات المسكوت عنها يمكن أن تشكّل أكثر قضايا الحوار أهمية وخطورة، وسيكون الخلاف حولها أعظم بكثير من الخلاف حول القضايا الناجمة عنها. فالمفاهيم الأساسيّة التي تشكّل جوهر القضيّة وأرضيّة الحوار غالبًا تكون خارج نطاق التداول والتأويل والتفكير، وهي الأمور التي قد تكون الأكثر أهميّةً وتشاكلًا وإثارةً للاختلاف.

ويمكننا أن نستلهم تمييز كانط (Immanuel Kant) بين الظاهرة، أو الفينومين (Phenomenon)، أي الشيء كما يظهر لنا ضمن شروط معرفتنا الحسّيّة، والنومينون (Noumenon)، أي الشيء من حيث لا يُعَدّ موضوعًا لحدسنا الحسّيّ (2). وفي هذا التمييز تكمن قدرتنا على فهم القضيّة التي نطرحها. فالناس غالبًا ما يحاورون في مظاهر الحقيقة لا في جوهرها، وهم يناقشون دون تحديد المفاهيم الأساسيّة التي يجب أن يتّفقوا على تعريفها، وهذا يأخذنا إلى قول فولتير المشهور: "إذا أردت أن تناقشني فحدّد مفاهيمك" (...). وينبغي أن نكرّر هنا ما شدّد عليه لوك بقوله: "حدّدوا مصطلحاتكم" (3). وهذا القول يعني بأنّنا كثيرًا ما نجري حواراتٍ لا تبدأ من مناقشة جوهر الاختلاف، بل نخوض في مظاهره ونتائجه. فعلى سبيل المثال قد يجري حوار ومناقشة بين عددٍ من التربويّين حول طبيعة النظريّة التربويّة وغايتها، وفي غمرة هذا النقاش قد يقول أحدهم: إنّ وظيفة النظريّة تفسير ما يحدث في التعليم، وعلى خلاف ذلك قد يقول آخر: إنّ وظيفتها توجيه الممارسة وتحسينها، وفي حمأة الحوار قد يقول ثالث: وظيفتها نقد التربية والمجتمع. ويبدو لنا أنّ هؤلاء التربويّين يختلفون حول دور النظريّة التربويّة ووظيفتها، لكنّهم قد يشتركون في افتراضٍ أعمق: أنّ هناك شيئًا يُسمّى "النظريّة التربويّة"، له طبيعة يمكن تحديدها وغاية يمكن الاتّفاق عليها. وهذا الافتراض نفسه قد لا يخضع للفحص. مثل: ما هي النظريّة التربويّة، وما هي ماهيّتها؟ متى وُجِدت؟ وهل هي حاضرة في حياتنا؟ وما مدى وجودها في التربية؟ وما هي أنواعها وتجلّياتها؟ وهناك عدد كبير من الأسئلة التي تتعلّق بطبيعة النظريّة التربويّة، وقد تكون مواقف المربّين مختلفةً جدًّا فيما بينهم حول طبيعة النظريّة التربويّة. وهذا يعني أنّ الحوار اقتصر على جانب وظيفة النظريّة، وأغفل أسئلةً حيويّة تتعلّق بطبيعتها ونشأتها ومدى حضورها وتعريفاتها، وهي قضايا أُغفِلت أو غفل عنها المتحاورون. والمهمّ في هذا الأمر أنّ هذه الجوانب التي تُطرَح قد تفسّر لنا كثيرًا من أوجه الاختلاف في وظيفتها ودورها ومدى ما تحقّقه من إنجازٍ في العمليّة التربويّة. وفي صوغٍ آخر أكثر تكثيفًا قد نختلف حول سؤال: ما وظيفة النظريّة التربويّة؟ هل تفسّر التعليم أم توجّه المعلّم؟ لكنّنا نتّفق، من دون أن ننتبه، على أنّ هناك نظريّةً تربويّة لها وظيفة محدّدة. وعلينا أن نفحص ما نتّفق عليه ضمنًا، لا أن نكتفي بمناقشة ما نختلف حوله.

وفي مثالٍ آخر قد يتجادل معلّمان حول أفضل وسيلةٍ لجعل الطلّاب يطيعون؛ قد يختلفان بشأن العقاب أو المكافأة، لكنّهما يتّفقان ضمنًا على أنّ الطاعة هدف تربويّ مطلوب. أمّا السؤال الأعمق، الذي لم يطرحاه، فهو: هل ينبغي أن تكون الطاعة أصلًا هدف التربية؟ وهذا كلّه يعني أنّه لمن الأهميّة بمكانٍ أن نفحص الأرضيّة المشتركة التي يقوم عليها الخلاف، وأن نختبر دلالتها ومعناها وتأويلاتها؛ فقد تكون هذه الأرضيّة أشدّ تأثيرًا في تفكيرنا من الآراء التي نتنازع حولها.

وخلاصة القول إنّنا نناقض في كثيرٍ من الأحيان أفكارًا نختلف حولها ونناقشها علنًا، ولكنّنا قد نغفل في الوقت نفسه أفكارًا أكثر حيويّةً تتعلّق بموضوع المناقشة نفسه، إذ لا يخطر لنا أن نطرحها للمناقشة، على الرغم من أهميّتها وحيويّتها. وقد تكون الأفكار المسكوت عنها أعمق تأثيرًا وأكثر أهميّةً من الأفكار التي نطرحها علنًا ونبدي رأينا فيها صخبًا. ولنفترض جدلًا أنّ باحثًا يقول: "ينبغي أن تسبق النظريّةُ التربويّةُ الممارسةَ، لتوجّه عمل المعلّم". ويردّ آخر: "بل ينبغي أن تنطلق النظريّة من ممارسة المعلّم وخبرته". يبدو الخلاف أساسيًّا: أيّهما يأتي أوّلًا، النظريّة أم الممارسة؟ لكنّ الطرفين قد يتّفقان، دون تصريح، على أنّ النظريّة والممارسة شيئان منفصلان، ثمّ نبحث عن طريقةٍ للربط بينهما. وما دام هذا الافتراض مشتركًا، فلن يسأل أحدهما: هل هما منفصلان فعلًا؟ أليست ممارسة المعلّم متضمّنةً أصلًا أفكارًا وتصوّراتٍ تربويّة؟ (4).

وهنا، وفي هذا السياق، يجب أن نعترف أنّ النقاش الفلسفيّ حول النظريّة بين المفكّرين والباحثين يضرب جذوره في التاريخ القديم منذ عهد سقراط وأرسطو وأفلاطون. وقد أثار هذا كثيرًا من السجالات الفكريّة الحيويّة على مدى قرونٍ من الزمن، وأسفر عن خلافاتٍ فكريّة كبيرة حادّة حول ماهيّة النظريّة التربويّة، وما الغرض منها، وما الذي تحاول تحقيقه. ولكنّ هذه الخلافات، بطبيعة الحال، لا تكون قابلةً للنقاش العقلانيّ إلّا بقدر ما يكون المشاركون في النقاش قد اتّفقوا ضمنيًّا سلفًا على وجود مسعى متميّز يُسمّى "النظريّة التربويّة"، وهذا الاتّفاق يشكّل مقدّمةً أساسيّة في توجيه التفكير التربويّ في النظريّة التربويّة والسياسة والممارسة. وفي غياب هذا الاتّفاق، فإنّ أيّ نقاشٍ حول ماهيّة النظريّة التربويّة وكيفيّة إسهامها في تطوير السياسة والممارسة سرعان ما سيتفكّك وينتهي.

ولكن ألن يكون رفض قبول هذا الاعتقاد بوجود نظريّةٍ تربويّة مجرّد تمرّدٍ ذهنيّ وعنادٍ فكريّ لا ذكاء فيه؟ ألم يمضِ على ادّعاء النظريّة التربويّة أنّها تقدّم إسهامًا فريدًا في الممارسة التربويّة وقتٌ طويل إلى حدٍّ ينبغي معه الآن قبوله بوصفه أمرًا بديهيًّا من أمور الحسّ المشترك الواضح؟ وهنا علينا أن نعترف ونقرّ بأنّ جميع المفكّرين الذين شاركوا تاريخيًّا في النقاش المتعلّق بالنظريّة التربويّة يرون صحّة هذا الرأي أو الادّعاء، أي يقرّون بوجود النظريّة التربويّة ويقرّون بقدرتها على المشاركة الحيويّة في عمليّة توجيه الفعل التربويّ، وذلك دون التفكير في ماهية مفهوم النظرية التربوية ذاته! (5). فالنظريّة التربويّة برأينا ليست سوى تعبيرٍ عن حاجةٍ يشعر بها الناس على نطاقٍ واسع إلى تأسيس معتقداتهم وأفعالهم على معرفةٍ مستمدّة من مصدرٍ ما، ذي سلطة، وخارجيّ، ومستقلّ. وهي كما نراها ترتسم على صورة ابتكارٍ فكريّ منظّم يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ولا يمكن فهمه فهمًا ملائمًا إلّا بالرجوع إلى الخلفيّة التاريخيّة التي نشأ وتطوّر في إطارها. وهذا يعني أنّ النظريّة التربويّة كما نراها فصل من فصول المشروع التربويّ التنويريّ الذي بدأ في القرن الثامن عشر.

3- السياق التاريخي لنشأة النظرية التربوية:

ويمكن القول في هذا السياق إنّ "النظريّة التربويّة" وُلِدت بوضوح في بداية القرن العشرين. ولا يمكننا في أيّ حالٍ من الأحوال أن ننكر الأهميّة المرجعيّة لنظريّة أفلاطون التربويّة في الجمهوريّة ونظريّة روسو في كتابه إميل. ولكن يجب علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أنّ أفلاطون وروسو لم يَخِلْ لهما أنّهما يؤسّسان لنظريّةٍ تربويّة كان موعدنا معها في القرن العشرين (6).

والحقّ يُقال بأنّ نشأة "النظريّة التربويّة" بدأت مع "الحداثة"؛ أي "عصر العقل" الذي نشأ في أعقاب تنوير القرن الثامن عشر. وفي هذه المرحلة وُجِدت قناعة فكريّة بأنّ التقدّم الاجتماعيّ يتوقّف على جعل ممارساتنا ومؤسّساتنا الاجتماعيّة أقلّ اعتمادًا على العرف والعادة والعقيدة الجامدة والتقليد، وأكثر رسوخًا في معرفةٍ تستوفي معايير كونيّة للموضوعيّة، وتنسجم مع مقاييس غير شخصيّة للعقلانيّة والحقيقة. وكان الاسم الذي أُطلق على نوع المعرفة المستوفي لهذه المعايير الصارمة، بطبيعة الحال، هو "النظريّة" (7).

وفي ثقافةٍ فكريّة -أظهرت مثل هذا الإيمان غير المحدود بقدرة المعرفة النظريّة على تحويل الحياة الاجتماعيّة والتأثير فيها تنميةً وتطويرًا- لم يكن مستغربًا أن يبدي المصلحون التربويّون قلقهم إزاء الغياب الواضح لـ"النظريّة" في مجال إعداد المعلّمين. ففي ذلك الوقت، كان المعلّمون يُدرَّبون وفق "طريقة التلميذ–المعلّم": وهي نظام للتلمذة المهنيّة يتعلّم فيه المعلّمون المبتدئون كيفيّة التدريس تحت إشراف معلّمٍ ذي خبرة، وكان ما يتعلّمونه بهذه الطريقة مجموعةً من مهارات التدريس وبعضًا من المعرفة العمليّة التي يتمّ استلهامها من التقاليد والحِكم والعقائد الجامدة والقواعد التقريبيّة. وفي عام 1884، عبّر المصلح التربويّ روبرت هِبِرت كويك (Robert Hebert Quick: 1831-1891) عن رفضه لمناهج إعداد المعلّمين في عصره بالكلمات الآتية: "أقول بجرأةٍ إنّ ما يحتاج إليه معلّمو المدارس الإنجليزيّة الآن هو النظريّة؛ وأقول، فضلًا عن ذلك، إنّ الجامعات تتمتّع بمزايا خاصّة تمكّنها من تلبية هذه الحاجة" (8). وحين رجحت وجهة نظر كويك، وبدأ إعداد المعلّمين ينتقل إلى الجامعات، بدأت مقرّرات النظريّة التربويّة تنتشر. وعلى الفور تقريبًا، اتّخذت هذه المقرّرات نمطًا يمكن التعرّف إليه، وقد أصبح من الممكن تعريف "النظريّة التربويّة" بصورةٍ شبه حصريّة بالرجوع إلى نصوصٍ فلسفيّة معيّنة ذات تأثيرٍ تاريخيّ، وإلى مجموعةٍ واسعة من الدراسات والشروح التي توضّح مبادئها التربويّة الأساسيّة. وعلى هذا النحو بحث السير جون آدامز (Sir John Adams) عام 1928 في أسباب تشكّل "النظريّة التربويّة"، وانتهى إلى القول: "حين بدأ الاعتراف بالتربية، بوصفها اختصاصًا علميًّا في المناهج الجامعيّة، كان من الطبيعيّ تمامًا أن يبحث المحاضرون في التربية في الأدب العالميّ عن أسماء عظيمة يزيّنون بها قوائم قراءاتهم المقرّرة. وبطبيعة الحال، جرى منذ البداية التمسّك بسقراط وأفلاطون وأرسطو، وأَظهر الباحثون قدرًا كبيرًا من البراعة في استخراج مبادئ تربويّة من أعمالهم" (9).

4 - إبستيمولوجيا النظريّة التربويّة:

مع أنّ النظريّة التربويّة كانت، في صورتها الأولى، فلسفيّة الطابع أساسًا، فإنّ ذلك لم يمنع نشوء نقاشٍ كبير بين المفكّرين حول سؤالين أساسيّين ما زلنا على ألفةٍ كبيرة بهما: "ما الأساس الإبستيمولوجيّ للنظريّة التربويّة؟" و"كيف ترتبط النظريّة التربويّة بالممارسة التربويّة؟". وقد وجد هذان السؤالان إجابةً مؤقّتة في النصّ التأسيسيّ للسير جون آدامز حول تطوّر النظريّة التربويّة (The Evolution of Educational Theory) عام 1928؛ وهو كتاب كان "ليكون نموذجًا لهذا الجانب من التربية في كلٍّ من بريطانيا وأمريكا" (10). وقد وجد آدامز في معرض إجابته عن السؤال الأساسي الإبستيمولوجيّ للنظريّة التربويّة " أنّه من الضروريّ النظر إليها بوصفها جزءًا من التطوّر الأعمّ لمختلف مدارس الفكر الفلسفيّ " (11). وقد بيّن في الوقت نفسه أنّه يجب على النظريّة السليمة أن تبرّر نفسها بممارسةٍ ناجحة، مؤكّدًا أنّ الممارسة الناجحة تقوم على نظريّةٍ سليمة.

وخلال النصف الأوّل من القرن العشرين شكّلت رؤية آدامز وموقفه من السؤالين الجوهريّين في النقاش المتعلّق بالنظريّة التربويّة الأساسَ الذي نمت عليه النظريّة التربويّة وتطوّرت.

 وفي النصف الثاني من القرن العشرين ظهرت تطوّرات جديدة في مجال النظريّة الاجتماعيّة، ولا سيّما الاتّجاهات الإبستيمولوجيّة القويّة المعروفة مجتمعةً باسم الوضعيّة المنطقيّة (12). ومن أبرز الأعمال التي عبّرت عن التوجّه الإبستيمولوجيّ يُشار إلى كتاب دانيال جون أوكونور (Daniel John O’Connor) "مدخل إلى فلسفة التربية" (An Introduction to the Philosophy of Education) (13). وفي هذا العمل يُظهِر أوكونور تأييده الكبير للوضعيّة المنطقيّة؛ إذ يرى بأنّ "المعايير والمقاييس الإبستيمولوجيّة هي المعيار الحقيقيّ للحكم على النظريّة التربويّة" (... ). وأكّد مرارًا أنّ النظريّة التربويّة لا تكون نظريّةً تربويّة حقّةً ما لم تستند إلى نتائج تجريبيّة راسخة في علم النفس وعلم الاجتماع (14). وقد ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير؛ إذ أعلن بأنّ مشروعيّة النظريّة التربويّة مرهونة بإحداث القطيعة مع الفلسفة وإعادة بناء نفسها بوصفها علمًا تطبيقيًّا (15).

وقد واجهت رؤية أوكونور اعتراضًا كبيرًا من قِبل فلاسفة التربية، وقد رفضوا هذه الرؤية وأكّدوا على أهميّة الجذور الفلسفيّة للنظريّة التربويّة، وبيّنوا أنّ النظريّة التربويّة لا تستطيع تحقيق غايتها العمليّة خارج سياق البعد الفلسفيّ الذي يحكم مسارها. وقد برز بول هيوود هيرست (Paul Heywood Hirst)، بوصفه القطب المعارض لأوكونور، مؤكّدًا الحاجة الكبيرة إلى إعادة تعريف النظريّة التربويّة في ضوء "الفلسفة التحليليّة الحديثة" (16). وقد وجد هيرست أنّ رؤية أوكونور للنظريّة التربويّة بوصفها علميّةً على نحوٍ حصريّ كانت مبالغةً علميّة. وقد أخفق الاتّجاه الذي يرى "النظريّة التربويّة" نظريّةً عمليّة علميّة محضة؛ وبرز على الأثر اتّجاه يرى بأنّ النظريّة التربويّة ترتكز في تكوينها علة عدّة تخصّصاتٍ أكاديميّة، بما فيها الفلسفة، وأنّه لا بدّ من تعريف النظريّة التربويّة بوصفها رؤيةً فلسفيّة عقلانيّة يمكنها أن تحدّد ما ينبغي فعله في الأنشطة التربويّة. وعلى الأثر بدأت رؤية هيرست تفرض نفسها، وبدأت المقاربات الفلسفيّة الخالصة للنظريّة التربويّة تنمو وتفرض حضورها، ولا سيّما في فلسفة التربية وعلم نفس التربية وعلم اجتماع التربية وتاريخ التربية. وبحلول نهاية ستينيّات القرن العشرين، كانت أقسام التربية الجامعيّة قد أُعيد تنظيمها، وأُنشئت اختصاصات مهنيّة جديدة، وتأسّست مجلّات وجمعيّات علميّة جديدة، تُظهر جميعها ولاءً تامًّا للرأي القائل إنّ "النظريّة التربويّة" ليست سوى تطبيق هذه "التخصّصات التأسيسيّة" الأربعة على التربية (17).

 5- الخبرة في مجال النظريّة التربويّة:

وفي أعقاب هذه التصوّرات الفلسفيّة للنظريّة التربويّة ظهرت مجموعة من الإسهامات ما بعد الوضعيّة في النقاش المتعلّق بالنظريّة التربويّة لم تقتصر على النقد الشديد لنهج "التخصّصات التأسيسيّة"، بل عرضت أيضًا رؤيةً للنظريّة التربويّة تقوم على تحليل مفهوم "الممارسة" بدلًا من مفهوم "النظريّة". وشملت الحجج والاستبصارات الفلسفيّة التي استُخدمت لهذا الغرض إسهامات كلٍّ من غيلبرت رايل (Gilbert Ryle) في التمييز بين معرفة الحقائق وإتقان المهارات؛ وهانس غيورغ غادامير (Hans-Georg Gadamer) في بيان دور الحكمة العمليّة في اختيار التصرّف الملائم للموقف؛ ومايكل بولاني (Michael Polanyi) في توضيح المعرفة الضمنيّة التي نستخدمها من دون أن نستطيع التعبير عنها كاملةً؛ ومايكل أوكشوت (Michael Oakeshott) في إبراز المعرفة العمليّة التي تُكتسب بالمشاركة والخبرة، ولا تكفي التعليمات النظريّة وحدها لاكتسابها.

لقد أحدثت إسهامات هؤلاء المفكّرين تحوّلًا كبيرًا في مسار فهم النظريّة التربويّة. وفي سياق هذا التطوّر، وبدلًا من تعريف "النظريّة"، كُثِّف الجهد للبحث في كيفيّة تطبيقها في التعليم، أي إنّها عملت على تحليل وضعيّة المعلّم وممارساته داخل القاعات والصفوف وطريقته في التدريس والتفاعل التربويّ واتّخاذ القرار.

وقد واجه نهج "التخصّصات التأسيسيّة"، الذي يعتمد كلّيًّا على معطيات الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والتاريخ لبناء المعرفة التربويّة، انتقاداتٍ ملحوظة. ومن الانتقادات التي وُجِّهت إلى الرؤية الفلسفيّة أنّها تقدّم معرفةً جاهزةً يطبّقها المعلّم في الصفّ، وعلى خلاف ذلك يرى أصحاب الاتّجاه الآخر أنّ الممارسة التربويّة تتضمّن معرفةً وفهمًا وحكمًا عمليًّا لا يمكن استخلاصها كاملةً من النظريّات العامّة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يمكن للمعلّم أن يكون على اطّلاعٍ واسع وفهمٍ جيّد لنظريّات الدافعيّة والتعلّم، لكنّه حين يواجه طالبًا يرفض المشاركة، يحتاج إلى تقدير الموقف، وعليه هنا أن يتساءل: هل يعاني الطالب من الخوف أم أنّه لم يفهم؟ وهل يُفضَّل تشجيعه أمام زملائه أم الحديث معه على انفراد؟ هذا القرار التربويّ يحتاج إلى معرفةٍ بالطالب، ويتطلّب نوعًا من الخبرة والحساسيّة تجاه الموقف لتقرير ما ينبغي فعله.

6- تلاحم الخبرة والفكر:

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يكفي أن يعرف الإنسان نظريّات التربية لكي يصبح معلّمًا جيّدًا؟ والجواب الممكن الذي يساعدنا على تخطّي هذا السؤال هو القول بأنّ المعرفة بالنظريّات ضروريّة، لكنّ التدريس يتطلّب أيضًا مهارةً وخبرةً وفهمًا للمواقف وقدرةً على تبرير القرارات. والأمثلة الآتية تطبيقات تربويّة توضيحيّة لأفكار هؤلاء المفكّرين. وفي هذا السياق يميّز غيلبرت رايل (Gilbert Ryle) بين معرفة المعلومة وإتقان الفعل؛ فالمعرفة تساعدنا على تنمية الفكر والنظريّة، ولكنّ هذا الأمر لا يكتمل إلّا بمعرفة الكيفيّة التي يتمّ فيها ومن خلالها تأدية الفعل بمهارة؛ وهذا يعني أنّه يجب على المربّي أن يعرف أوّلًا، ومن ثمّ أن يطبّق ثانيًا، وأن يجمع بين المعرفة النظريّة والعمليّة في عمليّة التفاعل التربويّ في المؤسّسات التربويّة، وهذا يعني أنّه يجب على المعلّم أن يعرف كيف يصوغ سؤالًا مناسبًا، ومتى يطرحه، وكيف يتعامل مع إجابات الطلّاب في الوقت نفسه. فعلى سبيل المثال قد يشرح شخصٌ قواعد قيادة السيّارة بشكلٍ صحيح ومتطوّر، لكنّه قد يعجز عن قيادة السيّارة. وعليه فإنّ معلّمًا قد يعرف مبادئ التدريس ومناهجه بشكلٍ جيّد، ولكنّه قد يخفق في أداء درسٍ تربويّ واضح ومفيد (18).

وفي هذا التساوق يؤكّد هانس غيورغ غادامير (Hans-Georg Gadamer) على أهميّة الخبرة في العمليّة التربويّة، ويُعلي من شأن الحكمة العمليّة التي تتمثّل في قدرة المعلّم على تقدير ما ينبغي فعله في ظروفٍ معيّنة. فالمعلّم يتعامل مع وضعيّاتٍ وحالات متنوّعة ومختلفة غير متجانسة، ولذا يترتّب عليه أن يكون صاحب خبرةٍ تربويّة تساعده في اتّخاذ القرارات الصحيحة. لنفترض على سبيل المثال أنّ طالبين أخفقا في إنجاز الواجب المدرسيّ؛ فعلى المعلّم ألّا يعامل كليهما بطريقةٍ واحدة، فقد يكون أحدهما قد تعرّض لظرفٍ مرضيّ أو عائليّ أعاقه عن الأداء، وقد يكون الآخر مهملًا في أداء واجباته. وهذا يعني أنّ المعلّم يحتاج إلى الخبرة والمعرفة في التمييز بين الأمرين، وعليه أن يتّخذ قرارًا مختلفًا حول وضعيّة كلٍّ منهما. والسؤال هنا: كيف يمكن للمعلّم أن يؤدّي تصرّفًا ملائمًا وعادلًا لكلٍّ منهما؟ وهذا هو الجانب الذي يبرزه مفهوم الحكمة العمليّة (19).

وهنا يتطرّق مايكل بولاني (Michael Polanyi) إلى معرفةٍ حدسيّة نعرفها ونتقنها ونستخدمها، ولكنّنا لا نستطيع شرحها كاملةً، وهي نوع من المعرفة الضمنيّة التي تظهر في مرآة الأداء التربويّ الذي نقوم به. فقد يدرك المعلّم بخبرته الطويلة، وعلى نحوٍ عفويّ، اللحظة التي يقف فيها الطالب عاجزًا عن الفهم من خلال تردّده أو طريقة نظره أو امتعاضه، من دون أن يستطيع وضع قائمةٍ دقيقة بكلّ العلامات التي اعتمد عليها. ومثال ذلك، فقد أعرف موعد انتهاء وقت المحاضرة من خلال تململ الطلّاب؛ فقد يضع طالب يده على الكتاب، وآخر ينظر إلى ساعته، وآخر يتململ في جلسته أو يتمايل في مقعده. والمقصود أنّ بعضًا من معرفة المعلّم أو المربّي قد يتجلّى في خبرته الطويلة وقدرته على الملاحظة، وهذه الأمور لا تظهر في القواعد النظريّة للنظريّة التربويّة (20).

وفي هذا المدى ركّز أوكشوت (Michael Oakeshott) على الأهميّة الكبيرة للخبرة التربويّة؛ إذ يرى بأنّ لكلّ ممارسةٍ جوانب لا يمكن اكتسابها كاملةً بقراءة التعليمات، وذلك لأنّ الممارسة تتمّ بفعل المشاركة والملاحظة والتجربة. فقد يتعلّم "الطالب المعلّم" في كلّيّة التربية وفق أطرٍ نظريّة محدّدة عن ضرورة منح التلميذ المتعلّم وقتًا كافيًا للتفكير بعد طرح السؤال، ولكنّه في سياق التطبيق والممارسة عليه أن يقدّر الوقت المناسب، وأن يدرك تباعًا متى يكون الصمت تفكيرًا ومتى يكون حيرةً، ومثل هذه الخبرة تتطوّر بالممارسة. والفرق بينه وبين بولاني هنا أنّ بولاني يساعدنا على فهم المعرفة التي يصعب التصريح بها، بينما يساعدنا أوكشوت على فهم اكتساب المعرفة العمليّة من خلال الانخراط في الممارسة (21).

وبناءً على هذه الرؤى والتصوّرات حول العلاقة بين الخبرة والنظريّة يمكن أن نقول بأنّ بعض الاتّجاهات الحديثة في التربية قد ركّزت على أهميّة الخبرة والتجربة عند المعلّمين داخل المواقف التربويّة الفعليّة في القاعات والصفوف والفصول. وهذا يعني أنّ المعلّم ويطوّر نفسه ويصقل أداءه في المجال العمليّ، وعليه أن يتقن مهارات التدريس في الميدان، وفي هذا الميدان يتعلّم اتّخاذ القرارات التربويّة المصيبة. وهذا يعني أنّ بعض المعرفة يتكوّن بالخبرة العمليّة، وأنّ الخبرة تؤدّي إلى تطوّر النظريّة وتمكّن المعلّم في الوقت نفسه من اتّخاذ القرارات التربويّة السليمة في ضوء الغايات والقيم التربويّة. ولذلك، ينبغي أن تساعد النظريّة التربويّة المعلّمين على فهم ممارساتهم وفحصها وتحسينها، وأن تستفيد بدورها من تحليل هذه الممارسات. وهذا كلّه لا يعني أبدًا الاستغناء عن النظريّة التربويّة بأبعادها الفلسفيّة.

ومع أنّ طرائق توظيف هذه الموارد الفكريّة لم تكن متماثلةً دائمًا، فإنّ النتيجة المشتركة كانت ظهور مسوّغٍ فلسفيّ لتفسير النظريّة التربويّة بوصفها نوعًا من النظريّة "العمليّة" أو "الشخصيّة"، التي تنشأ من خلال عمليّة "استقصاء تأمّليّ ذاتيّ"، يكشف فيها الممارسون التربويّون، على نحوٍ تأمّليّ، النظريّات الضمنيّة في ممارساتهم اليوميّة، ويفحصونها نقديًّا.

وحين بدأت هذه الفكرة تحظى بقبولٍ واسع، بدأ النقاش يتركّز على عددٍ من الأسئلة حول الكيفية التي يستطيع فيها المعلم رؤية "الممارس المتأمّل" أن يحقق التخاصب بين النظرية والخبرة العملية. وقد وفّر العمل التأسيسيّ للورنس ستنهاوس (L. Stenhouse) أكثر الإجابات تأثيرًا عن هذه الأسئلة، ولا سيّما ادّعاؤه أنّ العمليّة التي يستعيد بها الممارسون التربويّون "نظريّاتهم الضمنيّة" تأمّليًّا، ويقيّمونها نقديًّا، هي، في جوهرها، عمليّة بحثٍ يرتبط فيها تطوير النظريّة التربويّة وتطوير الممارسة التربويّة ارتباطًا لا ينفصم (22). وقد طُوّرت أفكار ستنهاوس وعُزّزت أكثر من خلال عرض دونالد شون لـ"إبستيمولوجيا الممارسة"، وعرضه المقنع للكيفيّة التي ينخرط بها الممارسون، عبر عمليّة "التأمّل في الفعل"، في عمليّة بحثٍ تُجعَل فيها "نظريّاتهم قيد الاستخدام" صريحةً، ويُعاد تشكيلها نقديًّا، وتُختبر من خلال أفعالٍ لاحقة (23). وكانت مناهج البحث وإجراءاته التي طُوّرت لإعطاء هذه الرؤية للنظريّة التربويّة تعبيرًا عمليًّا هي مناهج البحث الإجرائيّ وإجراءاته.

يُلاحَظ في هذا السياق أنّ بعض الاتّجاهات الجديدة تعرّف "النظريّة التربويّة" بأنّها كلّ ما ليست عليه الممارسة: أي إنّ النظريّة التربويّة، أيًّا تكن خصائصها الأخرى، مجرّدة لا ملموسة، وعامّة لا خاصّة، ومتحرّرة من السياق لا معتمدة عليه. وبعبارةٍ أخرى، ما يتّضح الآن هو أنّ النقاش المتعلّق بالنظريّة التربويّة قام دائمًا على افتراض أنّ النظريّة التربويّة، مهما كان تصوّرها، ليست هي نفسها ممارسةً مصدرها التاريخ والثقافة، وأنّها تقف دائمًا منفصلةً عن الممارسة التي تطمح إلى التأثير فيها.

7- خاتمة:

يبدو لنا أنّ مفهوم النظريّة التربويّة قد شهد تحوّلًا يجرّده من طابعه الفلسفيّ ويحيله إلى العلم، ومن ثمّ ظهرت فكرة التخصّصات الأكاديميّة، وأخيرًا فرضت نظريّة الخبرة حضورها الكبير في ميدان تعريف النظريّة التربويّة. ويبدو واضحًا أنّ هذه التصوّرات كانت دائمًا مرتبطةً ارتباطًا وثيقًا بالمناخ الفكريّ المحدّد الذي جرى فيه الخلاف بين المفكّرين. وهكذا يتبيّن أنّ مشروع النظريّة التربويّة كان، في جوهره، مشروعًا تأسيسيًّا استلهم قيم التنوير ومُثُله العليا، وتجذّر في الافتراضات الإبستيمولوجيّة لحداثة أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وبوصفه كذلك، فقد قام على افتراض أنّ المؤسّسات والممارسات التربويّة ينبغي أن تحكمها معرفةٌ نظريّة تستند إلى أسسٍ عقلانيّة لا تتغيّر باختلاف السياقات والثقافات، وتقف منفصلةً عن جميع الاهتمامات الحزبيّة أو السياسيّة، وتوفّر بذلك نقطةَ مرجعيّة خارجيّة يمكن انطلاقًا منها البتّ على نحوٍ مستقلّ في عقلانيّة المعتقدات والممارسات التربويّة وتقييمها. ووفق هذا الفهم، كان الغرض المهيمن لمشروع النظريّة التربويّة إنجاز مهمّتين مترابطتين. كانت الأولى فلسفيّةً في جوهرها: تحديد أسسٍ إبستيمولوجيّة للنظريّة التربويّة تتيح إقامة الممارسة التربويّة على مبادئ عقلانيّة أكثر موضوعيّةً وعقلانيّةً من مجرّد الاعتقاد أو الممارسة غير المفحوصة. وكانت الثانية عمليّةً في جوهرها: إحلال المعرفة الموضوعيّة المتحرّرة من السياق، التي تولّدها النظريّة، محلّ المعتقدات الذاتيّة للممارسين المعتمدة على السياق. ولم يكن من الممكن أن تحكم ممارسةَ الممارسين التربويّين مبادئُ عقلانيّة كونيّة تنطبق دائمًا وفي كلّ مكان، بدلًا من معتقداتهم العمليّة المحلّيّة وضيّقة الأفق، إلّا حين يتصرّفون على أساس مثل هذه المعرفة.

وكما يرى ستانلي فيش الأمر، فإنّ قضايا النظريّة لا تكون مفهومةً وقابلةً للنقاش إلّا داخل نطاق السياقات أو المواقف التي نشأت فيها (24). وهذا يعني أنّ النظريّة التربويّة، بعيدًا عن كونها نشاطًا خاصًّا يُمارَس من خارج الممارسة، هي نفسها ممارسة تشكّلت تاريخيًّا، ولا يمكن فصلها عن السياقات المحلّيّة والضيّقة التي تُنتَج داخلها، وهي متجذّرة دائمًا في ذلك النوع من المعايير والقيم والمعتقدات التي أحاطت بها تاريخيًّا.

منذ بداية القرن العشرين، اتّخذت النظريّة التربويّة أشكالًا مختلفة كثيرة. ولكنّ ما لم يتغيّر قطّ هو الافتراض الأساسيّ القائل إنّ النظريّة التربويّة، بشغلها موقعًا مستقلًّا ومحايدًا خارج مجال الممارسة التربويّة، تستطيع أن تمارس دورها في تقييم المعتقدات والممارسات التربويّة.

يمكننا الإقرار في ختام هذه المقالة بوجود علاقةٍ تفاعليّة نشطة بين النظريّة التربويّة بوصفها فلسفةً والممارسة التربويّة بوصفها خبرةً. فالنظريّة تساعد المربّي على الكشف عن افتراضاته وتفسير مشكلاته وتبرير اختياراته، وتتيح الممارسة اختبار ملاءمة التصوّرات النظريّة وإظهار حدودها وإعادة بنائها. وتنبع أهميّة هذه العلاقة من أنّ المواقف التربويّة تجمع بين عناصر قابلة للدراسة العلميّة وأبعاد إنسانيّة وقيميّة تستدعي التأويل والحكم العمليّ. لذلك، تتحدّد قيمة المعرفة التربويّة بقدرتها على إنارة الموقف، وفحص البدائل المتاحة، وتقديم أسباب معقولة لاختيار فعلٍ تربويّ دون آخر.

وفي ضوء ما تقدّم، علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أهميّة الخبرة ودورها في تشكيل النظريّة التربويّة؛ لأنّ الخبرة الحقيقيّة تمكّننا من التبصّر العميق في فهم العمليّة التربويّة وإدراك مقاصدها. وعليه، فإنّ أفق تطوير النظريّة التربويّة يكمن في بناء معرفةٍ نقديّة تتجدّد بالحوار بين التفكير الفلسفيّ والبحث العلميّ والخبرة المعيشة.

***

د. علي أسعد وطفة

كلية التربية – جامعة الكويت

..............................

مراجع الدراسة وهوامشها:

(1)- Plato. (1935). The Republic. Vol. II, Books VI–X [with the continuation of Book V]. Translated by Paul Shorey. Cambridge, MA: Harvard University Press; London: William Heinemann. V, 473a.

(2)- Kant, Immanuel. (1998). Critique of Pure Reason. Translated and edited by Paul Guyer and Allen W. Wood. Cambridge: Cambridge University Press, B306–B309. Available at: https://eclass.uoa.gr/modules/document/file.php/PHS414/Kant_Critique%20of%20Pure%20Reason.pdf. Accessed October 24, 2026.

(3)- Voltaire. A Philosophical Dictionary. Vol. I, “Abuse of Words.” https://www.gutenberg.org/files/35621/35621-h/35621-h.htm. Accessed October 24, 2026.

(4)- Carr, Wilfred. (2006). “Education without Theory,” op. cit.

(5)- Adams, J. (1912). The Evolution of Educational Theory. London: Macmillan.

(6)- Carr, Wilfred. (2006). “Education without Theory,” op. cit.

(7)- Carr, Wilfred. (2006). “Education without Theory,” op. cit.

(8)- As cited in: Tibble, J. W. (1966). “The Development of the Study of Education.” In J. W. Tibble (Ed.), The Study of Education. London: Routledge & Kegan Paul, pp. 4–5.

(9)- Adams, J. (1928). Educational Theories. London: Ernest Benn.

(10)- Adams, J. (1912). The Evolution of Educational Theory. London: Macmillan.

(11)- Adams, J. (1928). Educational Theories. London: Ernest Benn. P. 32.

(12)- الوضعيّة المنطقيّة (بالإنكليزيّة: Logical Positivism): تيّار فلسفيّ نشأ في القرن العشرين، وارتبط خصوصًا بـ«حلقة فيينا» (Vienna Circle). ويجمع هذا التيّار بين الخبرة والتجربة في المعرفة واستخدام المنطق لتحليل اللغة وصياغة القضايا العلميّة. وترى الوضعيّة المنطقيّة أنّ العبارة تكون ذات معنى معرفيّ إذا أمكن التحقّق منها تجريبيًّا، أو كانت قضيّة منطقيّة أو رياضيّة تصدق بحكم تعريفاتها وقواعدها. ولذلك انتقدت القضايا الميتافيزيقيّة التي لا يمكن إخضاعها للتحقّق التجريبيّ.

(13)- O’Connor, D. J. (1957). An Introduction to the Philosophy of Education. London: Routledge & Kegan Paul.

(14)- O’Connor, D. J. (1957). An Introduction to the Philosophy of Education. London: Routledge & Kegan Paul. P. 78.

(15)- O’Connor, D. J. (1973). “The Nature and Scope of Educational Theory.” In G. Langford and D. J. O’Connor (Eds.), New Essays in the Philosophy of Education. London: Routledge & Kegan Paul.

(16)- Hirst, P. H. (1963). “Philosophy and Educational Theory.” British Journal of Educational Studies, 12(1), 51–64.

(17)- Wilfred Carr. (2006). “Education without Theory.” British Journal of Educational Studies, 54(2), 136–159. https://doi.org/10.1111/j.1467-8527.2006.00344.x

(18)- Ryle, G. (1949). The Concept of Mind. London: Hutchinson.

(19)- Gadamer, H.-G. (1979). “Practical Philosophy as a Model of the Human Sciences.” Research in Phenomenolo-gy, 9(1), 74–85.

(20)- Polanyi, M. (1958). Personal Knowledge: Towards a Post-Critical Philosophy. Chicago: University of Chicago Press.

(21)- Oakeshott, M. (1972). “Education: The Engagement and Its Frustration.” In R. F. Dearden, P. H. Hirst, and R. S. Peters (Eds.), Education and the Development of Reason. London: Routledge & Kegan Paul.

(22)- Stenhouse, L. (1975). An Introduction to Curriculum Research and Development. London: Heinemann.

(23)- Schön, D. A. (1987). Educating the Reflective Practitioner: Toward a New Design for Teaching and Learning in the Professions. San Francisco, CA: Jossey-Bass.

(24)- Fish, S. (1989). Doing What Comes Naturally: Change, Rhetoric, and the Practice of Theory in Literary and Le-gal Studies. Oxford: Clarendon Press. Pp. 344–345.

في المثقف اليوم