ليس من قبيل المصادفة أن يعود كتاب مارتن هيدغر «الوجود والزمان»، الصادر سنة 1927، إلى واجهة النقاش الفلسفي كلما أرادت الفلسفة أن تستعيد أسئلتها الأولى، أو أن تختبر قدرتها على مساءلة ما استقرّ من تصوراتها عن الإنسان والعالم والحقيقة.
فبعض الكتب لا تنتمي إلى زمن تأليفها وحده؛ إنها تدخل التاريخ بوصفها أحداثاً فكرية تظل قادرة على إزعاج الحاضر، لا لأنها تقدم إجابات نهائية، بل لأنها تعيد ترتيب الأسئلة التي اعتدنا أن نطرحها وكأنها محسومة سلفاً. ومع الاقتراب من مرور قرن على صدور هذا الكتاب، لا تبدو المسألة الفلسفية الأهم هي أن نحتفي بهيدغر باعتباره أحد أبرز فلاسفة القرن العشرين، ولا أن نستعيد مسار تأثيره في الفلسفات اللاحقة فحسب، وإنما أن نسأل: ماذا بقي من سؤال الوجود بعد أن أعاد هيدغر فتحه؟ وهل تستطيع الفلسفة العربية أن تدخل هذا السؤال من موقع المشاركة في إنتاج المعرفة، لا من موقع التلقي الذي يكتفي بشرح المفاهيم واستعادة تأويلات الآخرين؟
إن هذا السؤال يضعنا أمام ضرورة الانتقال من الاحتفاء بالفلسفة إلى ممارسة الفلسفة، ومن استهلاك المفاهيم إلى اختبار قدرتها على الكشف عن مشكلات لم تكن حاضرة في سياقات نشأتها الأولى.
ومن هنا يمكن أن نقترح حواراً مع هيدغر ينطلق من فلسفتين متكاملتين في رهانهما، مختلفتين في مجال اشتغالهما: فلسفة العبور، بما تفتحه من إمكان للتفكير في التحول وإعادة التشكل، والفلسفة التخيلية، بما تكشفه من دور الصور والفرضيات والتصورات في تشكيل علاقتنا بما هو موجود وما يمكن أن يكون.
أولاً: هيدغر واستعادة السؤال الذي نسيته الفلسفة
حين ميّز هيدغر بين الوجود والموجود، لم يكن يقترح تمييزاً اصطلاحياً يمكن إضافته إلى قائمة المصطلحات الفلسفية، بل كان يعترض على مسار طويل تعامل مع الوجود كما لو أنه شيء بين الأشياء، أو صفة ثابتة يمكن تعريفها من خلال تحديد ماهية الموجودات. فالموجودات هي ما نصادفه ونفكر فيه ونتعامل معه، أما الوجود فهو ما يجعل ظهورها بوصفها موجودات قابلاً للفهم، وهو السؤال الذي رأى هيدغر أن الميتافيزيقا الغربية قد حجبت أهميته حين انشغلت بتحديد الموجودات ومبادئها وأسبابها.
لكن استعادة سؤال الوجود لا تعني العودة إلى نقطة تاريخية سابقة على الفلسفة، ولا استرجاع سؤال قديم بصيغة أكثر تعقيداً. إنها تعني اكتشاف أن ما يبدو بديهياً قد يكون محجوباً، وأن ما نظن أننا نفهمه قد يحتاج إلى إعادة تأسيس.
وهنا تتجلى أهمية التحليل الهيدغري للوجود الإنساني، أو ما يسميه «الدازاين»، بوصفه وجوداً لا يقف خارج العالم ليتأمله من مسافة محايدة، وإنما يجد نفسه منخرطاً فيه، محاطاً بعلاقاته وإمكاناته ومخاوفه ومشروعاته. فالإنسان، في هذا التصور، ليس ذاتاً مكتملة تقف في مواجهة عالم منفصل عنها؛ إنه وجود-في-العالم، يتحدد من خلال انفتاحه على الأشياء والآخرين وعلى إمكاناته الخاصة.
إنه لا يعيش وجوده كما يعيش الشيء حضوره المادي، بل يعيش نفسه من خلال ما يستطيع أن يكونه، ومن خلال علاقته بما لم يتحقق بعد. وهنا تبرز نقطة يمكن أن يبدأ منها الحوار مع فلسفة العبور: إذا كان الإنسان لا يُفهم انطلاقاً مما هو عليه وحده، بل أيضاً من إمكاناته، فهل يمكن التفكير في الوجود الإنساني من خلال التحولات التي تنقل الممكن من أفق التصور إلى تجربة التحقق، من دون اختزاله في هوية نهائية أو مسار محتوم؟
ثانياً: من انفتاح الوجود إلى فلسفة العبور
لا تأتي فلسفة العبور لتعلن تجاوز هيدغر، ولا لتضع نفسها بديلاً من التحليل الوجودي الذي أنجزه، وإنما لتفتح مساراً إضافياً للتفكير في منطقة تلتقي فيها أسئلة الانفتاح والزمان والإمكان مع سؤال التحول وإعادة التشكل.
لقد منح هيدغر الإمكان موقعاً مركزياً في فهم الوجود الإنساني؛ فالإنسان لا ينحصر في واقعه الحاضر، بل ينكشف على ما يستطيع أن يكونه. غير أن التفكير في الإمكان يتيح لنا أن نطرح سؤالاً آخر: كيف ينتقل الموجود من حالة إلى أخرى دون أن يفقد إمكان تشكّله؟ وكيف يحدث التحول من دون أن يتحول إلى مجرد استبدال صورة بأخرى، أو انتقال من هوية مغلقة إلى هوية مغلقة جديدة؟
هنا تبدأ فلسفة العبور من فرضية أن الوجود، في تجلياته المتحولة، لا يُفهم على نحو كافٍ إذا اختزلناه في ثبات الماهيات أو في تعاقب الحالات المنفصلة. فهناك سيولة تتيح الحركة، وحدود تنظّمها، وتوترات تدفعها إلى تجاوز صورتها الراهنة، وعمليات عبور تعيد تشكيل العلاقة بين ما هو قائم وما يمكن أن ينشأ عنه. ولا تعني السيولة هنا الفوضى أو انعدام كل انتظام، كما لا يعني العبور أن كل تحول تقدّم، أو أن كل خروج من حالة هو تحرر منها. فقد ينتقل الإنسان من سلطة إلى أخرى، ومن اعتقاد موروث إلى يقين مستعار، ومن هوية مغلقة إلى هوية أكثر انغلاقاً. وقد يبدو التحول حركةً فيما لا يعدو أن يكون إعادة إنتاج للبنية القديمة بأسماء جديدة.
لذلك لا تكتفي فلسفة العبور بالسؤال عن إمكان الوجود، بل تضيف إليه مساءلة شروط الانتقال، والحدود التي تنظمه، والتوترات التي تحركه، والنتائج التي تترتب عليه. إنها لا تريد أن تستبدل سؤال هيدغر عن معنى الوجود بسؤال آخر يلغي الأول، بل أن توسع مجال المساءلة من انفتاح الوجود على إمكاناته إلى الكيفية التي تتشكل بها هذه الإمكانات، وتُغلق أحياناً، ثم يعاد فتحها.
ومع ذلك، ينبغي ألا ننسب إلى هيدغر ما لم يقله، أو أن نجعل فلسفة العبور مجرد امتداد مباشر له. فلكل مشروع أسئلته ومفاهيمه وحدوده؛ والحوار الفلسفي الحقيقي لا يقوم على ادعاء النسب، بل على تحديد مواضع الالتقاء والاختلاف، ثم اختبار ما يمكن أن ينتج عن هذا اللقاء.
ثالثاً: الفلسفة التخيلية وسؤال الصور التي نفهم بها الوجود
إذا كانت فلسفة العبور تسأل عن شروط التحول وإمكاناته، فإن الفلسفة التخيلية تفتح مجالاً آخر للمساءلة: كيف نتصور الوجود الذي نسعى إلى فهمه؟ وما دور الصور الذهنية والفرضيات والتوقعات والسرديات في تشكيل علاقتنا بالعالم؟ لا يتعلق الأمر هنا بالخيال بوصفه نقيضاً للحقيقة، ولا بالتخييل بوصفه هروباً من الواقع إلى عالم متوهم.
فالتخييل، في معناه الفلسفي الذي أقترحه، هو قدرة على بناء صور وفرضيات تكشف ما لم يتضح بعد، وتعيد ترتيب العلاقة بين المعطى والممكن. إنه لا يمنحنا حق استبدال الوقائع بالرغبات، بل يساعدنا على مساءلة الطريقة التي نفهم بها الوقائع، وعلى اختبار قراءات متعددة قبل أن نمنح إحداها منزلة الحقيقة.
ومن هذه الزاوية يمكن إعادة النظر في بعض رهانات التحليل الهيدغري. فالإنسان لا ينفتح على إمكاناته في فراغ؛ إنه يتصورها، ويتوقعها، ويخافها، ويمنحها معاني مستمدة من اللغة والتاريخ والتجربة والعلاقات الاجتماعية. وقد تكون بعض إمكاناته غير مرئية له، لا لأنها مستحيلة بالضرورة، بل لأن الصور التي يفهم بها نفسه قد حجبتها عنه. إن الإنسان الذي يعتقد أن تاريخه قدر نهائي لا يرى مستقبله بالطريقة نفسها التي يراه بها إنسان يتعامل مع تاريخه بوصفه مجالاً للفهم وإعادة التفسير. والذي يختزل هويته في رواية واحدة عن ذاته يجد صعوبة في تخيل مسارات أخرى لحياته.
أما الذي يستطيع أن يعيد مساءلة الرواية التي يسكنها، فقد يكتشف أن ما كان يظنه حداً نهائياً ليس سوى حدّ تاريخي أو اجتماعي أو نفسي قابل لإعادة النظر. لكن التخييل لا يخلق الممكن من العدم، ولا يجعل كل تصور قابلاً للتحقق. إنه يفتح أفق الفرضيات، ثم يأتي الاختبار ليكشف حدودها، وتأتي الممارسة لتبيّن ما إذا كان التصور قابلاً للتحول إلى إمكان واقعي.
ولهذا فإن العلاقة بين العبور والتخييل ليست علاقة تزيينية بين مفهومين، وإنما علاقة إنتاج متبادل: يتيح التخييل تصور مسارات لم تكن مرئية، فيما يختبر العبور شروط انتقالها إلى الواقع، ويكشف ما يعتريها من مقاومة أو تناقض أو حدود. ومن هنا يمكن القول إن السؤال لا يعود مقتصراً على: ما الذي يستطيع الإنسان أن يكونه؟ بل يمتد إلى: ما الصور التي تمنعه من رؤية ما يستطيع أن يكونه، وما الشروط التي تجعل بعض الممكنات قابلة للتصور، وبعضها الآخر مستبعداً قبل أن يخضع لأي اختبار؟
رابعاً: الزمان بين الوجود والتحول
لا يمكن مقاربة «الوجود والزمان» من دون التوقف عند العلاقة التي يقيمها هيدغر بين الزمانية وفهم الوجود الإنساني. فالإنسان لا يوجد بوصفه حضوراً ساكناً في لحظة معزولة؛ إنه يحمل ماضيه، ويعيش حاضره، ويتجه نحو إمكانات مستقبله.
وليست هذه الأبعاد مجرد وحدات زمنية متجاورة، بل أبعاد متداخلة في الطريقة التي يفهم بها الإنسان نفسه ويعيش إمكاناته. ومع ذلك، فإن استدعاء الزمان في فلسفة العبور يتيح لنا أن نطرح سؤالاً إضافياً: هل يكفي فهم الوجود الإنساني من خلال بنيته الزمنية، أم ينبغي أيضاً مساءلة التحولات التي يعاد من خلالها تنظيم علاقة الماضي بالحاضر والمستقبل؟ فالماضي لا يبقى حاضراً بالطريقة نفسها في كل تجربة؛ قد يتحول إلى ذاكرة تحرر الإنسان من تكرار أخطائه، وقد يتحول إلى سلطة تعيد إنتاجها.
والمستقبل ليس مجرد ما لم يأت بعد؛ إنه أيضاً أفق لما نسمح لأنفسنا بتصوره، ولما تمنحه خبراتنا ولغتنا ومؤسساتنا من شرعية أو تحرمه منها. قد يعيش مجتمع كامل في زمنه التقويمي، في حين يظل أسير صورة موروثة عن ذاته. وقد يتغير نظامه السياسي أو الاقتصادي، لكن بنيته العميقة في التفكير تبقى كما هي. في هذه الحالة يحدث التغير من دون عبور حقيقي، لأن العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل لم تخضع لإعادة تركيب تسمح بإنتاج ممكنات جديدة.
وعلى العكس من ذلك، قد تبدأ التحولات العميقة حين يعاد تفسير الماضي، لا لمحو الذاكرة أو إنكارها، وإنما لتحرير الحاضر من احتكار تأويل واحد لها. فالماضي الذي نعيد فهمه لا يتغير بوصفه واقعة حدثت، لكن علاقتنا به تتغير، وما نستطيع فعله في الحاضر قد يتسع نتيجة لذلك.
هنا يلتقي التخييل بالعبور مرة أخرى: فالتخييل يعيد فتح المستقبل أمام صور جديدة، والعبور يختبر كيف يمكن لهذه الصور أن تغير علاقة الإنسان بواقعه، فيما يمنع النقدُ الاثنين من التحول إلى وهم بالتقدم الحتمي أو إلى وعد رومانسي بأن كل مستقبل أفضل من ماضيه.
خامساً: من تلقي هيدغر إلى إنتاج السؤال الفلسفي العربي
إن الدعوة إلى الكتابة عن هيدغر بعد قرن من صدور «الوجود والزمان» تكتسب أهميتها من كونها تفتح باباً لمراجعة تاريخ تلقي الفلسفة في الثقافة العربية. ولا ينبغي أن تتحول هذه المراجعة إلى مفاضلة سريعة بين من فهم هيدغر ومن لم يفهمه، ولا إلى محاكمة للترجمات والشروح بمعزل عن شروط إنتاج المعرفة الفلسفية.
فالمشكلة الأعمق لا تكمن في الترجمة وحدها، على أهميتها، ولا في تعدد التأويلات، بل في السؤال عن موقع القارئ العربي داخل العملية الفلسفية: هل يدخل النص بحثاً عن المعنى الذي استقر عليه الشراح، أم يدخل في حوار نقدي يسمح له بأن يختبر المفاهيم على مشكلات حاضره، وأن يكشف في الوقت نفسه حدود قراءته الخاصة؟
إن القراءة المنتجة لا تبدأ بادعاء تجاوز الفيلسوف، كما لا تنتهي بالتسليم بسلطته. إنها تبدأ من الإنصات الدقيق إلى بنية السؤال الذي طرحه، وتنتقل إلى تفكيك مفاهيمه، ثم تختبر ما تكشفه هذه المفاهيم وما تعجز عن كشفه، قبل أن تعيد تركيب العلاقة بين النص والمشكلة الراهنة.
ومن هذه الزاوية، فإن الاهتمام بالمدارس الهيدغرية في مصر وتونس والمغرب ولبنان، وبالدراسات التي تبحث في إشكاليات تلقي فلسفته باللغة العربية، يمثل فرصة للانتقال من تاريخ التأثير إلى تاريخ الإنتاج. فليس المطلوب أن نثبت أن لدينا شراحاً قادرين على قراءة هيدغر فحسب، بل أن نختبر قدرتنا على تحويل هذه القراءة إلى أسئلة جديدة تنتمي إلى تجربتنا التاريخية والفكرية، من دون أن تنغلق داخل خصوصية ثقافية تتخذ من ذاتها عذراً لرفض الحوار مع الفلسفة العالمية.
ولا يعني ذلك أن نبحث عن «هيدغر عربي» يطابق هويتنا المسبقة، أو أن نستخرج من نصوصه إجابات جاهزة عن أزماتنا السياسية والاجتماعية. بل يعني أن نضع مفاهيمه أمام أسئلة الواقع العربي: كيف تتشكل علاقة الإنسان بالسلطة واللغة والتاريخ؟ كيف تتحول الموروثات إلى حدود لإمكان التفكير؟ وكيف يمكن للفلسفة أن تكشف الفارق بين تغير الأوضاع وتغير البنى التي تنتجها وتعيد إنتاجها؟
إننا لا نشارك في الفلسفة العالمية حين نكرر أسئلتها فقط، ولا حين نرفضها باسم الخصوصية، بل حين ندخل في حوار معها يتيح لنا أن نعيد صياغة أسئلتنا، وأن نقدم قراءات قابلة للنقد، وأن نتحمل مسؤولية ما ننتجه من معرفة.
سادساً: هل يمكن العبور من هيدغر؟
قد يبدو السؤال عن إمكان العبور من هيدغر استفزازياً إذا فُهم على أنه دعوة إلى تجاوز فلسفته أو إعلان انتهاء صلاحيتها. لكنه يصبح أكثر دقة إذا قصدنا به العبور من موقع المتلقي إلى موقع المحاور، ومن الاكتفاء بإعادة بناء السؤال الهيدغري إلى اختبار ما يمكن أن ينشأ من أسئلة جديدة عند تقاطع الوجود والزمان والتخييل والتحول.
فالعبور هنا ليس مغادرة هيدغر وراءنا، بل مغادرة الاعتقاد بأن الوفاء للفيلسوف يقتضي البقاء داخل حدود مفاهيمه. وليس التخييل ذريعة لإسناد أي معنى إلى نصه، بل ممارسة نقدية تعيد فتح إمكانات الفهم من دون أن تمحو الفارق بين ما قاله الفيلسوف وما نقترحه نحن.
ولعل السؤال الذي يمكن أن يربط هذه المسارات جميعاً هو الآتي: إذا كان الوجود الإنساني ينفتح على إمكاناته، فكيف تتشكل هذه الإمكانات داخل اللغة والتاريخ والذاكرة والتخييل؟ وما الذي يجعل بعضها قابلاً للتحقق، فيما يظل بعضها الآخر مستبعداً بفعل حدود لم يخترها الإنسان، أو بفعل تصورات ورثها وتعامل معها كما لو كانت حقائق نهائية؟
إن هذا السؤال لا يحل محل سؤال الوجود عند هيدغر، ولا يدعي استنفاد دلالاته؛ إنه يفتح مستوى آخر من البحث، تتقاطع فيه أنطولوجيا الإمكان مع تحليل شروط التحول، وتتداخل فيه قراءة الوجود مع نقد الصور التي ننتجها عنه.
خاتمة:
مئوية تفتح المستقبل إن مئوية «الوجود والزمان» لا ينبغي أن تكون مناسبة لإغلاق كتاب عظيم داخل إجماع احتفالي، بل فرصة لإعادة فتح الأسئلة التي جعلته حدثاً فلسفياً.
فالفلسفة لا تستعيد حيويتها حين تحول أسماء كبار مفكريها إلى سلطات مرجعية، وإنما حين تستعيد الجرأة على مساءلة ما تركوه مفتوحاً، وعلى اختبار ما قد يبدو في أعمالهم نهائياً أو غير قابل للتجاوز.
ومن موقع فلسفة العبور، لا يعود السؤال مجرد البحث عن معنى الوجود، بل يمتد إلى شروط انتقال الموجود من حال إلى حال، وإلى الحدود التي تضيق إمكاناته أو تفتحها، وإلى التوترات التي تجعل التحول ضرورة أو خطراً أو وهماً.
ومن موقع الفلسفة التخيلية، لا يعود الممكن مجرد مستقبل ينتظر تحققه، بل يصبح أيضاً مجالاً تتنافس داخله الصور والفرضيات والتأويلات التي يرسم الإنسان بواسطتها أفق حياته.
وعند تقاطع الفلسفتين، يظهر سؤال لا يقل أهمية عن سؤال الوجود نفسه: كيف نعيد تشكيل الممكن من دون أن نستبدل وهماً بآخر، وكيف نتحول من دون أن نفقد قدرتنا على النقد، وكيف نقرأ الفلسفة العالمية من دون أن نفقد استقلالنا في إنتاج السؤال؟
ربما تكون هذه هي المهمة التي ينبغي أن تحملها القراءة العربية لهيدغر في مئويته: ألا تكتفي بأن تشرح كيف فكر في الوجود، بل أن تختبر كيف يمكن لسؤاله أن يساعدنا على التفكير في شروط وجودنا التاريخي، وحدود مخيلتنا، وإمكانات تحولنا. عندئذ لا يعود هيدغر موضوعاً للاحتفاء وحده، بل يصبح شريكاً في حوار لم تنته أسئلته بعد. فالفلسفة التي تظل وفية لروح السؤال لا تسكن الإجابة الأخيرة؛ إنها تعرف أن كل إجابة تفتح، في اللحظة التي تكشف فيها شيئاً من الحقيقة، مجالاً جديداً لما لم يُفكَّر فيه بعد.
***
د. عامر عبد زيد الوائلي








