تقتلني وتدخل جُثَّتي وتبيعها!
اخرجْ قليلاً من دمي حتى يراك الليلُ أَكثر حُلْكَةً
واخرجْ لكي نمشي لمائدة التفاوض، واضحينْ.
محمود درويش
***
توطئة ذاتية جدا
كنت أدرّس "تاريخ الفنون والحضارات" بنفَس مكسور، وكثير من الأسى، بعد أن وجدت نفسي أسلك مسارا يجعل من الأستاذ والطالب "خارج حدود التاريخ" بتعبير الفيلسوف الألماني فريدريش هيغل، كنت منغمسا في السردية الكولونيالية الكبرى للفن، أعيد تدوير المعرفة الغربية في قاعة درسي من منظور تمركز غربيّ، متعال جدا، لا يراني كما أرى نفسي، ودون أي محاولة منّي للتخلص من نظرته إليّ، في جغرافية من جغرافيات الجنوب العالمي التي ما تزال خاضعة للمصفوفة الكولونيالية للسلطة بشكل مثير للسخرية والشفقة. لربما كان الأمر طبيعيا، في البداية، أن أبدأ درسي بتعريف الفن (من منظور غربي) والحديث عن "الفن البدائي"، واكتشاف رسومات كهف "لاسكو" و"شفيه" في فرنسا، وكل الاكتشافات "الفنية" في مرحلة "ما قبل التاريخ" من أدوات زينة وأحجار مصقولة ورسومات الكهوف في المناطق الوعرة، وحتى الانتقال إلى فنون وحضارة بلاد ما بين النهرين كان أمرا عاديا إلى حد ما، بيد أن وصولنا التاريخي إلى الفن في حضارة الفراعنة كان أمرا مثيرا جدا بين سعي المؤرخين الفنيين المصريين والغربيين للهيمنة على الخطاب بخلق سردية مركزية، وهنا عرفت أن كتابة التاريخ الفني ليس فعلا محايدا على الإطلاق، بيد أن دراسة هذه الحضارة، القريبة جغرافيا من الشمال الإفريقي، جعلني أتساءل بسذاجة، أين فننا؟ لماذا لا ننتمي إلى هذه السردية الفنية التاريخية؟
الديكولونيالية واستعادة الذات: نحو تحرير الفن من الهيمنة الغربية
تفجرت أسئلة كثيرة من هذا القبيل بالانتقال من حضارة الفراعنة إلى الحضارة الإغريقية والرومانية، بينما كان الغضب يزداد تدريجيا لأني خارج "سردية تاريخ الفن"، لاسيما عندما قرأت أن هيغل، الذي أسترشد به في مسالك الفنون، يضع إفريقيا وسبيريا في خانة ما يسميه بـ"خارج حدود التاريخ"، لأن إنسان هذه الجغرافيات غير الغربية لم يتطور تاريخيا وروحيا ليتمكن من المشاركة الفعلية في "التاريخ" ، لكن، كان علي أن أغض الطرف عن مثل هذه الأحكام، وأؤدي وظيفتي/دوري خاضعا للسردية الكولونيالية للمعرفة والفن، وواصلت مكرها اكتشاف الفن في العصور الوسطى وعصر النهضة والعصر الحديث إلى أن توقفت عند جنون انهيار السرديات الكبرى في "الفن المعاصر"، ولكن، ظل السؤال يلاحقني، وإن كان هذه المرة بمنطق الضحية، لماذا تم إقصاؤنا من "تاريخ الفن"؟ أين هؤلاء الذين يجلسون أمامي وهم يستمعون/يرونَ فنون حضارات أمم مختلفة إلا فنونهم وحضارتهم؟ كم تمنيت استثمار الغضب ليتحول إلى بحث عن "الحقيقة"، لكن يبدو أن الغضب تحول، أمام تعقيدات الواقع، إلى حسرات، لأن كل الطرق التي تؤدي إليّ (إلى كينونتي) كانت مغلقة بإحكام، ما أفرز وضعا بئيسا يجعل المرء يعيش معزولا عن ذاته، أو لربما تحول إلى ذات غريبة عن نفسها على نحو ما، لذلك أكتفي بالتحسر باعتباره خيطا رفيعا يمكن أن يكون دليل عودة ذات يوم ما.
كان وقع سؤالنا "لماذا تم إقصاؤنا من تاريخ الفن؟" مدويا، ومحرجا إلى أقصى درجة، حتى أني أشرت إليه إشارات عابرة قصد إثارة الأسئلة والشغب المعرفي، فوجدت رغبة قوية للقطع مع السردية المركزية الغربية للفن، هي رغبة كامنة في إعلان "العصيان المعرفي"، بيد أن الرغبة وحدها لم تكن كافية، في حين أن الجلاد قد أحكم قبضته على تاريخ الضحية وحاضرها ومستقبلها، ولم يترك لها أي فرصة للنجاة.
وقد استمر الحال على ما هو عليه إلى أن شاركت في مهرجان طنجة للفنون المشهدية في دورته الواحدة والعشرين، والتي حملت شعارا مختلفا ومغايرا: (التواريخ المتشابكة للفُرجة والمسرح: منظور ديكولونيالي)، فتح المهرجان، الذي يترأسه الدكتور خالد أمين، الباب أمامي لاكتشاف صوت الجنوب المقصي من نادي الإنسانية الغربية، صوت الجنوب المخصي الذي لا يستطيع إنجاب أي فكرة نابعة من الجنوب العالمي.
لم يكن الفكر الديكولونيالي، ووجهات النظر المختلفة في ندوات المهرجان حدثا عابرا، بل كان أرضا خصبة لتفكير جديد عابر للحدود والكينونات، منح سؤالي السابق: "أين فننا من "تاريخ الفن"؟" مشروعيته "العلمية"، وأفقا ممتدا لاستعادة الوجود بما يضمن كرامة الوجود الجنوبي باعتباره كينونة خاصة ومختلفة، فكما تقول إيمي سيزير: "إن حضارة تختار أن تغض الطرف عن مشاكلها العويصة هي حضارة مريضة" .
يدعو الفكر الديكولونيالي إلى تحرير اللغة من خلال تحرير المفاهيم، وما كان يهمني، حتى هذه اللحظة التي أكتب فيها هو مفهوم "الفن"، لم يسبق أن صادفت في دراستي الأكاديمية، أو متابعات الإصدارات الفكرية والنقدية التي تعنى بالفن في المغرب، محاولة تعريف واحدة تنطلق من "فهمنا الخاص" للفن، أو ما يسمى في الدراسات الديكولونيالية بـ"حداثة الجنوب"، والتفكير في مفهوم "الفن" هنا ليس من أجل اقتراح تعريف خاص أو تحديد معجمي في السياق المغربي/ الجنوبي، بقدر ما هو محاولة لانتزاع مفهوم "الفن" من أنياب الكولونيالية الغربية بما يعيد للجنوبي/ المغربي القدرة على التحكم في مفاهيمه والاستقلال الجمالي والمعرفي في أفق تحرير كلّي للخيال، بما هو معطى إنساني لا يمكن لأحد أن يقصي إنسانا آخر مختلف عنه، كما فعل هيغل وغيره، في تمثل ممارساته الفنية والانخراط فيما تطلق عليه أم الزين بنشيخة "فن ابتكار أنفسنا"، لذلك، فإن "إحدى مهام التفكير الديكولونيالي هي كشف النقاب عن أشكال السكوت الإبستيمي للإبستيمولوجيا الغربية وإقرار الحقوق الإبستيمية للذين تم الحط من شأنهم بشكل عنصري" .
وقد قادني الفضول، بدوافع ديكولونيالية، إلى تتبع كلمة الفن في الدارجة المغربية، فوجدت جملا مثيرة للاهتمام، من قبيل "قُلبني بالفن" أي "خدعني بالفن"، بمعنى "خدعني بمكر ودهاء"، والمراد ها هنا بكلمة "الفن" في سياق الدارجة المغربية أقرب إلى "السحر" وألعاب الخفة، فالسحر هو الوجه الآخر للفن في المجتمعات ذات التشكيلات المتعددة، كل الرسومات والعروض الفرجوية والمنحوتات كانت ذات صلة بالسحر والطقوس الدينية، ولعل هذا هو السبب الذي جعل ناقدا نيويوركيا ذاع صيته في السنوات الأخيرة يتحدث عن ما قبل الفن (قبل 1400م تقريبا) وما بعده (ما بعد ستينيات القرن الماضي) في رؤية سردية جديدة، بيد أنها سردية مركزية غربية تبحث عن أسباب البقاء الإبستيمي أمام انهيار المرجعيات الغربية الكلاسيكية.
لا يمكن استعادة الإحساس بالذات إلا باكتشاف أنفسنا خارج الخطاب الكولونيالي بإشهار سلاح المقاومة بما هي فرصتنا الأخيرة لننقذ وجودنا الخاص، أن نستعيد ذاكرتنا ونحتفي بحضورنا وننقذ مستقبلنا من فخاخ التكنولوجيا المرعبة، فهي الوجه الجديد للكولونيالية الغربية، والأمر هنا لا يتعلق بما يسميه عبد الكبير الخطيبي بـ"الاختلاف الوحشي" الذي يجعل الهوية مرادفا للانغلاق والموت، بقدر ما هو نوع من المصالحة مع الذات الجنوبية نكاية في "هوية تحتقر نفسها" وهوية محتقرة، فلقد "كان هيغل واضحا في أن الفن "الرمزي" المبكر في الشرق يفتقر إلى الروحانية/العقلانية المتطورة التي يتمتع بها الأوربيون المعاصرون" ، التفوق الأوروأمريكي ليس تفوقا اقتصاديا وعسكريا فحسب، بل تفوق تأويلي دلالي يرتبط بعلاقة السلطة والمعرفة في إنتاج الخطاب، لذلك، يعد التحرر الاستيطيقي من أسر الخطاب الغربي أولى المعارك الحضارية للديكولونيالي لاستعادة كينونته المستلبة.
كما أنه لا يمكن لهذا الإقصاء العنصري أن يكون مبررا لأي عداء هووي، أو أي ردة فعل غير واعية بذاتها، لكن الخيار الديكولونيالي المتوافق عليه نوعا ما، هو الوقوف عند ما يسميه خالد أمين بـ"الما-بين" أو "الرقص على حد السيف"، بمعنى لا سقوط هووي قاتل، ولا استيلاب غربي قاتل، هي منطقة وسطى للتثاقف الإيجابي، وتفاعل يسمح بابتكار أنفسنا من منطلق الحضور الذي يجمع بين "حداثة الجنوب" و"حداثة الشمال".
ولكن، وقبل الوصول إلى هذه المرحلة، يحتم علينا الخيار الديكولونيالي العودة إلى أقاليمنا الخاصة من جهة، و"ترييف" الغرب من جهة أخرى، لذلك يقول عبد السلام حيدوري: "إذا كان المشروع الاستعماري يعمل على تدمير الإحساس بالذات، فإن الثقافة المقاتلة يجب أن تعمل على بعث العنصر الحي لأشكال التنظيم والثقافة المحلية لمواجهة سلطة الاستحواذ الاستعمارية، ثقافة مقاتلة تهيء الأرضية لتحول جذري في الوعي وللتطور اللاحق لوعي وطني أصيل" .
بيد أن استعادة الإحساس بالذات لن يتحقق إلا بكتابة نقدية وعلمية بشرية ذاتية جدا، أن يتوجه تفكيرنا إلى الانطلاق من الذات الجنوبية/المغربية لتأسيس معرفة استيطيقية خاصة، ومن هنا جاءت دعوتنا إلى "تفكير بشري ذاتي جدا"، فلا يمكن للديكولونيالي المغربي أن يتحدث عن ظاهرة "الساتي" في الهند، والنساء الملونات في جنوب الصحراء بينما يتجاهل التشابك مع قضايا جغرافيته الخاصة، ويغض الطرف عن مؤسساته الفنية التي ما تزال خاضعة لكل أشكال الهيمنة الكولونيالية، ما يجعل المتاحف والمسارح وقاعات السينما ومعارض الفن التشكيلي تجربة فنية تكرس الأبعاد الكولونيالية للفن، أو باعتبارها، بالتواءات خطابية مخاتلة، امتدادا للهيمنة الكولونيالية في فنوننا.
إن ما يسميه آرثر سي. دانتو بـ"عصر الفن" كان في الحقيقة التحاما بين الفن والفلسفة، حتى أنه يقول بأن الجماليات هي عارض في الفن وليست جزء منه، كما أن تعريفات الفن بما هو حالة إنسانية إبداعية، في السياق الغربي، يستحضر الرسم والفنون البصرية منطلقا للتعريف، ولهذا يشرح فيلسوف ألماني آخر، وهو مارتن هايدغر تعريف "الفن" من خلال دراسته للوحة "الحذاء" لفان كوخ، بينما الجنوبي الذي يريد تعريف الفن لا يمكنه أن ينطلق من نفس المعطى الواقعي للفن، لأن الرسم والفنون البصرية لم تكن مركز الإبداع الفني كما كانت الموسيقى والشعر المغنى والفرجات المحلية في الشمال الإفريقي، وبالتالي فإن أي تعريف جنوبي للفن لا يستحضر معطى "حداثة الجنوب"، سيكون بشكل من الأشكال امتدادا لـ"حداثة الشمال" ورؤيتها لـ"الحقيقة" التي هي بؤرة كل تعاريف الفن منذ أفلاطون إلى جون بول سارتر.
إن استعادة مفهوم الفن من أنياب الخطاب الكولونيالي هي مهمة شبه مستحيلة، لاستيطانه مؤسساتنا من مدارس وجامعات ومتاحف ووزارات، هي بنية متغلغلة إلى أبعد الحدود في أساسات كينونتنا الهشة، وبالتالي لا يمكن أن نقاوم "الحالة الكولونيالية" إذا كانت المؤسسات الرسمية، لم تنخرط بعد، أو لم تستوعب بعد استراتيجيات الخروج من موقع التابع العاجز الذي باع روحه للغرب مقابل الدخول إلى نادي الإنسانية الغربية، ويكفي أن نستدل على هذه الهيمنة الكولونيالية في مؤسساتنا الفنية بمراجعة محتويات مواد المعاهد الوطنية للفنون الجميلة، التي لا يربطها أي شيء بفننا الجنوبي غير أنها تقع في جغرافيتنا البئيسة، كيف سنقنع هؤلاء الطلبة الذين يتخرجون سنويا بأعداد كبيرة بأن ما درسوه هو فن غربي؟ إن الأمر معقد جدا، لكن أعتقد أن الديكولونيالي المغربي، مطالب بإيجاد تعريف متأرض للفن، والتخلص من السردية الغربية للفن في كتابة تاريخه الفني، وبعدها يمكن أن يتوجه إلى مثل هذه المؤسسات للمطالبة بإدراج الفن الجنوبي باعتباره رؤية خاصة للوجود.
وبينما أكتب الآن هذا النص البشري الذاتي جدا 13/06/2026، والساعة تشير إلى الثانية عشرة والنصف، زرت موقع وزارة الثقافة المغربية للاطلاع على المجالات الفنية المدعمة برسم الموسم الثقافي 2025/2026، وقد كانت مرتبة على الشكل التالي: الفنون التشكيلية والبصرية، المسرح، الموسيقى والأغاني والفنون الاستعراضية والكوريغرافية.
وهي مجالات إبداعية كبرى، تحتاج إلى تفكيك ديكولونيالي، لأنها ما تزال خاضعة للهيمنة الكولونيالية وتكرس التفوق الفني الغربي، بينما تتجاهل المؤسسة الثقافية الفن الجنوبي، فن الأرياف والفن الشعبي وأشكالنا الإبداعية الخاصة التي لا تقع ضمن هذه المجالات، وهو في الحقيقة، إقصاء لأنفسنا من المشاركة الفعالة في "التاريخ"، فلا يمكن لـ"هوية تحتقر نفسها" أن تستقل معرفيا وجماليا عن المصفوفة الكولونيالية للسلطة وهي تمارس القمع على نفسها، وبالتالي، فقد أصبح التفكير في وظيفة المؤسسات الفنية والمعرفية والثقافية مطلبا ديكولونياليا لإعادة الاعتبار للفن الجنوبي/المغربي بما هو رؤية خاصة للعالم دون إلغاء هووي للآخر الغربي، وبهذا فالمطلب الديكولونيالي هو دعوة المؤسسات الثقافية بدعم فنون الجنوب، وليس تعويض المجالات الفنية السابقة بمجالات فنية جنوبية.
إن استعادة الثقة في المؤسسات الفنية والثقافية يمر بفك الارتباط بالغرب الكولونيالي، لتمنح للفنان الجنوبي مساحات للاعتراف والاعتزاز بذاته الخاصة، وفرصة لتطوير قدراته الإبداعية بعيدا عن "الرحم الكولونيالي"، لأن الواقع يكشف أننا ننتمي إلى "هوية تحتقر نفسها"، وأضرب مثلا بأني كنت قرأت للكاتب الفرنسي "موبسان" و"بلزاك" بعض القصص التي تعبر عن رؤية غربية للعالم والوجود، من أجل اكتشاف عالم الآخر الذي يستوطن جغرافيا ما بعد البحر الأبيض المتوسط جهة الشمال، وتزامنت هذه القراءة مع قراءة مجموعة قصصية بعنوان "عازار" لكاتب "محلي" يدعى "لحبيب اعزيزي"، فقلت لأصدقائي في نقاش ودي جدا، بأن نصوصه أفضل من بالزاك من حيث البناء والموضوع وطريقة السرد، نظروا إلي جميعا دفعة واحدة بنظرات إدانة، قد يكون الأمر مقبولا أن تصدر الإدانة نوعا ما عن "رجل أبيض" متعصب للمركزية الغربية، لكن أن يبلغ "إلغاء الذات" من طرف الجنوبيين أنفسهم هذا المبلغ، فلا يمكن تفسيره إلا بأننا ابتعدنا بأميال كثيرة عن ذواتنا، وبالتالي سيكون طريق العودة، إن وجد، شاقا وطويلا وصعبا، أما ما وصلنا إليه الآن بالاطمئنان إلى موقع "التابع العاجز"، فيجعلنا نقول بأنه لا يمكن للذات الجنوبية أن تتفوق على الذات الشمالية في الفكر والأدب والفن، وإن كان الأمر هنا لا يتعلق بالمنافسة بقدر ما يتعلق بالاعتراف والاختلاف، إنه أمر فظيع حقا.
لذلك قلت سابقا أن التحرر الكلي مهمة شبه مستحيلة، ولن نجد قارئا في جغرافيتنا المعرفية المستعمرة سيفضل أي قصة من قصص"عازار" على أي قصة من قصص بالزاك مهما كانت رديئة، وهل يمكن مقارنة عبد الكريم برشيد بشكسبير؟ طبعا لا، هكذا ستكون إجاباتنا من موقع "التابع العاجز"، إن الوضع تراجيدي حقا لدرجة لا تحتمل، ولا يمكن إلا أن نصفه بالانتحار الابستيمولوجي للرجل الأحمر، لذلك سيبقى سؤالنا، أين فننا من تاريخ الفن؟ سؤالا مفارقا للواقع أمام مآسينا المعرفية.
ومن الأمثلة الواقعية المزعجة أيضا لهيمنة الخطاب الكولونيالي في جغرافيتنا المعرفية والاستيطيقية، أني حضرت ندوة "علمية" بعنوان "الفلسفة والسينما" على هامش معرض الكتاب بالرباط (2026)، وقد كان كل متدخل وكلهم مغاربة، والحضور أيضا مغاربة يسترسل ليتحدث عن جيل دولوز وجون كوكتو وإزننشتاين وبودوفكين، ويستدل بأفلام سينمائية مثل أغورا وبعض الأفلام الغربية ذات الأبعاد الفلسفية، كنت أتساءل بحسرة: أين فننا؟ أين سينيمانا المغربية والعربية والإفريقية؟ حتى أن المثقف "الكومبرادور" لم يتحمل تدخلات الحضور الذي يسأل عن بعض الأفلام المغربية/الجنوبية... فخرجت مسرعا قبل أن تكتمل عملية اغتيالنا الوجودي بدم بارد، إننا نرى فنوننا بعين كولونيالية، أقل قيمة وأدني من الفنون الغربية، ونمارس على أنفسنا ما يمارسه المستعمر علينا، وبالتالي فقد أصبح الديكولونيالي مطالبا بكشف "الكومبرادور المثقف" الذي يكون تأثيره، أحيانا، أكبر من الكولونيالي نفسه.
لكن سأحاول تجاوز ما رصدته بشكل مباشر من تجليات الكولونيالية في جغرافيا معرفتنا بالانتقال إلى التفكير في الفن بما هو رؤيا الإنسان للحياة والكون، وتجسيد للحقيقة في جغرافية معينة وتاريخ معين، لكن، وفي سياق التفكير في مفهوم الفن، يحق لي أن أطالب مفكرينا ومؤرخي الفن وفلاسفتنا بتعريف الفن باعتبار إنسان الجنوب الذي يقع "خارج حدود التاريخ" الأوربي، هذا الإنسان الذي يحق له استعادة مفاهيمه ليعبر عن رؤيته للعالم بما هو كينونة مختلفة وخاصة، لذلك، سأعيد طرح السؤال مرة أخرى، لأفكر فيه انطلاقا من هذا الدفء الذي يمنحني إياه الفكر الديكولونيالي: ما الفن؟
إن الإجابة عن هذا السؤال الإشكالي من منظور ديكولونيالي جنوبي، يستدعي بالضرورة مراعاة السياقين السوسيوثقافي والسوسيوتاريخي، الذي يجعل من الفن فنا، رؤية إبداعية للوجود بما هو وجودات مختلفة موزعة بشكل غير عادل بين الشمال والجنوب، بيد أن التحام السلطة بالمعرفة في الخطاب الكولونيالي سرق من الجنوبيّ قول ذاته الفنية الخاصة، ليحدد الفن العالمي/الأوروبي في أشكال ومجالات محددة، وهي: فن العمارة والنحت والرسم والموسيقى والشعر والمسرح والسينما، والفنون المعاصرة، وهو ما أدى إلى القضاء على "الشامان" الإفريقي، واستبداله بـ"الكومبرادور" في جغرافيا الجنوب الذي لا يرى أي شكل للفن خارج مصفوفة الفن الغربي، وهو نفسه الذي يدير المؤسسات ويعد البرامج ويرشح الفنانين للجوائز، في إقصاء كولونيالي لثقافات الجنوب من الانتماء لما يسميه آرثر سي. دانتو "عالم الفن".
إن تأمل الوضع الراهن في جغرافيتنا المعرفية يؤكد بأننا في مأزق أنطولوجي قاتم، لا يمكن مواجهته إلا بالانخراط الواعي في الخيار الديكولونيالي الذي هو "بعبارة دوسيل فلسفة تحرر، تبنى على أساس ابستيمولوجي جنوبي منسق عن نظام المعرفة الغربي، وعلى قاعدة تحسس لكينونة لاكولونيالية منعتقة من سلطة اللغوس الواحدي الغربي، كينونة نداءاتها صادرة عن نطاقات التجارب المحلية التي يحياها الناس المعذبون بمخصوص أساليبهم المتعددة" .
إن المأزق الأنطولوجي لمعرفتنا وفنوننا يرتبط بإعادة تشكيل أرشيفنا الذي ما يزال أسير السردية الأوروأمريكية، وبالتالي هو مأزق نابع من عدم وجود سردية جنوبية خاصة، أو مرجعية فنية تاريخية خاصة، يمكن من خلالها، القضاء على "السيمولاكر" وإنتاج صورنا في الخطاب دون وصاية من أي سلطة كولونيالية.
إن طريقة التفكير في مفهوم الفن، يمكن أحيانا، أن تكون مقيدة بقيود كولونيالية تجعل من الجنوبي هامستر يدور في حلقة مفرغة، لذلك، لا أدري كيف انتبهت الآن، وأنا أحاول تبني الخيار الديكولونيالي للانعتاق من أسر المصفوفة الكولونيالية للفن، أن الالتزام بما يسمى الكتابة "العلمية" يقيد التفكير الحر في مفهوم الفن، ما يؤدي بطريقة غير مباشرة إلى انعدام حرية تمثل أنفسنا للفن، وهي أغلال منهجية تجعل، ما يقدم بأنه تفكير ديكولونيالي، داخل الخطاب الكولونيالي بما هو معرفة "علمية" سابقة قد شكلت أرشيفنا وحاضرنا ومستقبلنا.
لا أستطيع، بواسطة هذه القيود المنهجية "العلمية"، أن أواصل ما كنت أعتقد أنه تفكير حر، ولا أن أكتب نفسي/الذات الجنوبية، بالتفكير في مفهوم الفن، من رؤية ذاتية خاصة، يبدو أن الكتابة "العلمية" التي ورثناها عن الاستعمار الفرنسي قيد كولونيالي نوعا ما، لذا أعتبر التخلص من هذا الشكل من الكتابة، في هذه المرحلة من التفكير على الأقل، شكلا من أشكال المقاومة، لذلك أريد لهذا النص أن يكون "ذاتيا جدا"، وغير "علمي" على الإطلاق، ولكن، سأسترشد بهذا النوع من الكتابة أحيانا، بما يجعلها تخدم جنوبيا محاصرا إبستيمولوجيا من كل الجهات وليس العكس.
ما الفن؟ نحو تأسيس مفهوم ديكولونيالي للفن الجنوبي
ترد لفظة الفن في المعجم الوجيز بالمعاني التالية: فلان فنان، أي كثر تفننه في الأمور، فهو مُفَن، وفنّان، وكذلك فَنَّ الشيء: زينه، هذا عن الفعل، أما الاسم الفن: فهو مهارة يحكمها الذوق السليم، والموهبة المتوقدة، كما ترد بنفس المعنى في المعجم الوسيط مع إبرازه أن الفن هو جملة من القواعد الخاصة بحرفة أو صناعة..
ليس بالذوق والموهبة وحدهما يمكن أن نميز بين الفن في الشمال العالمي والجنوب العالمي، بل ما يشترك فيه الفن بينهما أكثر مما يختلفان فيه، فبالعودة إلى المعاجم، على اختلافها، تنظر إلى الفن من زاوية إنسانية، ولا يظهر الجانب الكولونيالي إلا بتفسير التعريف وتحديد الفن واللافن، بيد أن الاختلاف الجوهري يكمن في تمثل مفهوم الروح (ليس كما شرحه هيغل)، بما يمثله العلم اليوم في الغرب من كونه إلها جديدا، وروحا مادية بسطت هيمنتها على السردية الأوروأمريكية، وروح الشرق، في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وفي كل فضاءات "ما بعد المستعمرة" التي ما تزال تعج بالمضطهدين لغويا وثقافيا وعرقيا، روح منبعثة من الدين والتصوف والطقوس الشعائرية والعوالم السحرية والحكمة الكونفوشيوسية والأخلاق والعادات والتقاليد المتجذرة في أرض الجنوب، لذلك يمكن وصف "حداثة الجنوب" بأنها حداثة لاعقلانية/روحية، والتي تمثلها الحداثة الغربية على أنها لم تبلغ مرحلة النضج التاريخي والروحي، لأنه "كان من الممكن، في عام 1890، إذا كنت فنانا إفريقيا أن تنتج أقنعة وتمائم بأشكال غير متاحة للفنان الأوربي، لأنه بحسب تصور فوف لين لا يمكن أن يكون المرء فنانا أوربيا إذا ما أنتج أقنعة وتمائم" . لأن الفن الأوربي هو التاريخ فـ"بعد ظهوره المبكر وغير المرضي، يختفي الشرق من تاريخ العالم، حيث يتحرك التاريخ والروح نحو الغرب، كما يرى هيغل" .
لقد كان الخطاب الكولونيالي يرسي مركزيته المطلقة باستبعاد غير الأوربي من دائرة التاريخ، لكنه يشتغل داخل الخطاب نفسه لاستبعاد المضطهدين أيضا، فقد "شاعت نظرة إلى عالمية التنوير على أنها محاولة لفرض القيم والأحكام الغربية المتحيزة على الجميع، أو أن حقوق الإنسان الشهيرة التي دافع عنها مفكرو التنوير (انظر حقوق الإنسان لتوماس باين) لا تطبق عمليا إلا على الطبقة الوسطى من الذكور الغربيين، وليس على الفقراء والنساء والعبيد والمستعمرين" .
غير أن التمييز العنصري، باستبعاد غير الأوربي، والتمييز الطبقي، باستعباد المضطهدين، في الخطاب الكولونيالي الجديد لم يعد مطروحا الآن في سياق ما بعد الحداثة بنفس الحدة السابقة، إلا أنه ما يزال يستوطن الخطاب على نحو ما، ولا أصدق أن المتاحف الغربية، التي هي مشروع كولونيالي بامتياز، تعرض لوحات وفنون الجنوب العالمي باعتبارها "فنا رفيعا" بتعبير شوبنهاور، في حين كانت تصنفها قبل مدة قصيرة بأنها لا تنتمي إلى دائرة الفن على الاطلاق، وإن فعلت وأدرجته، فهي تدرجه في "الفن البدائي" الذي لا يرقى بأي شكل من الأشكال إلى الفن الأوربي.
ومن خلال هذا الاختلاف الوجودي غير المتكافئ في الخطاب، لابد من تعريف الفن ليعود إلى عش كينونة الجنوب، واستعادة وجودنا ومكانتنا في الخطاب باعتباره ساحة "حرب أنطولوجية للمعنى"، تجنبا لأي انتحار ابستيمي، لاسيما بعد انهيار السرديات الكبرى للفن في الغرب الكولونيالي، فهو الوقت المناسب جدا لإعادة الوجود بما هو إنتاج للمفاهيم وتملكها الدلالي، والاحتراس أيضا من كل ما يقدم في الغرب تحت لافتة الفن المعاصر، فلا أعتقد أن فنانا من الجنوب العالمي يقوم بما قام به "دوشان" بعرض مبولة باعتبارها أثرا فنيا، أو تقديم اللوحات البيضاء والسوداء التي لا تمثل شيء بالنسبة للجنوبي، بينما تقدم هذه الانعطافة الكبرى في تاريخ الفن الغربي عند هيغل وآرثر سي. دانتو وغيرهما بـ"موت الفن".
إن غير الغربي لا يملك غير رفض الخطاب الفني الكولونيالي الذي يجعل منه موضوعا أقل درجة، أو مواطنا من الدرجة الثانية أو الثالثة بالتعبير الروماني، بإعلان المقاومة الفنية لاستعادة صورته الحقيقية في الخطاب، ولكن، في الجهة المقابلة عليه أن يتخلص من العداء الديكولونيالي الهووي، حتى يستطيع أن يؤسس لخطاب عقلاني في مصفوفة "الفضاء الثالث"، الذي يسمح للعالم أن يكون له أبعاد متعددة بدل البعد الواحد الذي "يلتهم باقي الأبعاد"، خطاب يسمح للجنوبي باستيعاب الحاضر بوجوداته المختلفة، فلا يمكن استعادة النقاء الثقافي ما قبل الاستعمار بأي شكل من الأشكال، وكل محاولة من هذا النوع سيكون مصيرها انهيارا ابستيمولوجيا مدمرا، ومن هنا كان إيماني بمشروع "تناسج ثقافات الفرجة" كما يقدمه خالد أمين في كتاب "السلطة والمعرفة في المسرح العربي، مراجعات ديكولونيالية"، حيث الهوية سيرورة تاريخية تتشكل باستمرار في تخوم الشقوق المتصدعة بين الثقافات، فالخطاب الديكولونيالي يسعى إلى إثبات وجود الجنوبي والمضطهد وليس إلغاء أي وجود آخر، بل إثبات وجود مستقل عن الوجودات الأخرى المستقلة.
نقد التصورات الغربية للفن: من أفلاطون وهيغل إلى هايدغر
لقد أصبح سؤالنا الذي انطلقنا منه في البداية: ما الفن؟ سؤالا في تيه أنطلوجي قاتل، لكنه، سيتجه وجهة جديدة في ضوء مشروع "تناسج ثقافات الفرجة" والفكر الديكولونيالي المنفتح، فبعد أن كان يتجه إلى فنون الجنوب والذات الجنوبية في الخطاب الكولونيالي الغربي، لإثبات وجود أقصي من الوجود، سنتوجه به جهة الذات الشمالية، حتى نسعى لاحقا إلى فهم الفن من موقع "الفضاء الثالث"، لذك سأحاول تتبع لفظة الفن في الخطاب الغربي من خلال ثلاثة فلاسفة تركوا أثرهم في فلسفة الفن، وهم أفلاطون وهيغل وهايدغر، رغم أن الفن بما هو كذلك، يجب أن يتوقف من أن يكون موضوعا للفلسفة، لأنها أفسدته بجعله مكشوفا وعاريا، وانتزعت منه قداسته وغموضه.
يقدم أفلاطون الفن على أنه محاكاة أو تقليد من الدرجة الثانية أو الثالثة، وتحدث باستفاضة عن الأثر السلبي للفن في المتلقي، الذي يجعله ينساق خلف الغرائز والعواطف التي تفسد العقل، وهو الأمر الذي جعله يستبعد الفنانين من جمهوريته الفاضلة، لذلك نجده يقول: "والطامة الكبرى أن الشعر يصغر النفس، لأنه يجرنا إلى الشعور العميق بآلام الآخرين، فتضعف عزائمنا ونقعد عن حمل أحمالنا، ولذا كنا ملزمين رغم إرادتنا أن نضع القانون القائل: يباح من الشعر فقط تسابيح الآلهة، وتقاريظ كبار الرجال، والأعمال الشريفة، لأن الصلاح ليس أمرا سهلا، وعلينا حتما تجنب كل ما يعارض نمونا في الفضيلة" .
لم يستبعد أفلاطون كل الشعر كما هو شائع بين الناس، بل استثنى تسابيح الآلهة وتقاريظ كبار الرجال والأعمال الشريفة، باعتقاده أنها لا تضلل الناس عن "الحقيقة"، وتدعو للخير والحق والفضيلة التي تقوم عليها اليوتوبيا بما هي مدينة فاضلة يعيش أفرادها في انسجام ووئام. إن جمهورية أفلاطون، بالنسبة لغير الغربي، فضاء كولونيالي بامتياز، لأن مواطن هذه الدولة يرى غير الغربي بربريا/أجنبيا لا يحق له أن ينتمي إلى العالم الإغريقي/الغربي، أما الفضيلة والحق والخير، فهي مفاهيم مخاتلة تقصي العبيد بما هم عليه من صوت مضطهد في الخطاب اليوناني، وتقصي كذلك البربري/الأجنبي، الذي لم يصل بعد إلى التطور التاريخي الذي يسمح له بالانتماء إلى "الجمهورية".
وفي سياق "الحقيقة"، التي تعد بؤرة تعريف الفن الغربي، يقول أفلاطون على لسان "سقراط: هذه هي النقطة التي رمت البت فيها لما قلت إن الرسم وكل فن التقليد بوجه عام، يتناول ما بعد جدا عن الحقيقة، وهو يصحب بالأكثر القسم الأبعد فينا عن الحكمة، فهي حظيته وصديقته لغرض غير صحي ولا حقيقي".
وبمقياس "الحقيقة" يطرد أفلاطون الفنانين من جمهوريته على لسان سقراط قائلا: "س: فنحن أبرياء في وضعنا الشاعر مع الرسام، فإنه يشبهه بإيراده التفاهات إذا قيست بمقياس الحقيقة، وهو يماثله في أنه يواصل قسم النفس الذي يشبهه دون القسم الأفضل. وإذا الحال هكذا، فنحن أبرياء إذا حظرنا دخوله الدولة الراغبة أن تتمتع بنظام حسن". إن جوهر الفكرة الأفلاطونية تقوم على الانتصار للفلسفة باعتبارها طريق الحق والفضيلة، مقابل إقصاء الفن الذي يبعد الناس عن الحقيقة.
و"الحقيقة" قريبة من الفلسفة، بعيدة عن الفن عند أفلاطون، إنه مجرد محاكاة وتقليد، وهو ما كان سائدا في الفكر الإغريقي على نحو ما، لذلك يمثل الفن الجانب العاطفي والغرائزي في النفس الذي يؤدي إلى الابتعاد عن "الحقيقة" والحكمة، وبالتالي يؤدي إلى ضلال الناس، وفساد العلاقات الاجتماعية داخل الدولة، وقد كان هذا سببا كافيا في طرد الفنانين/المقلدين من الجمهورية الفاضلة.
إن النظرة الاستعلائية الغربية الأفلاطونية، هي في حقيقة الأمر، التحام بين السلطة والمعرفة في خطاب الأنتلجنسيا الفلسفية الإغريقية، التي تقرر، باسم الفلسفة، ما يقبل من الفن وما لا يقبل منه، وحتى أرسطو، الذي أعاد الاعتبار للفن باعتباره إعادة تشكيل للواقع وليس مجرد محاكاة تهدف إلى النسخ المطابق للواقع الخارجي، يمارس نوعا من التصنيف لفن الأرستقراطية وفن العامة على نحو يضمر الإقصاء والتراتبية التي ظلت مضمرة في الخطاب الفني الغربي منذ القرن الخامس قبل الميلاد.
وإذا كان أفلاطون قد نظّر للفن من موقع اليوتوبيا، فإن غير الغربي مضطر للبحث عن مفهوم الفن من موقع انتمائه إلى الدستوبيا (المدينة الفاسدة) القديمة والحديثة، حيث "الكومبرادور" ما يزال يحكم قبضته على فضاءات الجنوب العالمي، مدفوعا برغبته الشرهة في الاستفادة من الفرص والأموال المخصصة للأنشطة الثقافية، لذلك، لا يمكن للجنوبي إلا أن يعلن عن الانخراط في المقاومة الثقافية بجعل الفن أفقا للتحرر والكرامة.
أما هيغل فيقدم الفن باعتباره تجل "للروح المطلق"، أي إن الفن يجسد المتعالي والمعاني الكلية التي لا تظهر إلا في الفن، والدين، والفلسفة، وهكذا يتجلى الروح في الفن بواسطة الإنسان/الفنان، من خلال أشكال حسية قابلة للإدراك مثل النحت والرسم والشعر والموسيقى، فهو بهذا المعنى تجل للحقيقة بطرق محسوسة، بيد أن الفهم الحقيقي للفن عند هيغل لا يتأتى إلا بالعودة إلى مفهوم "الروح المطلق"، وهو محط اختلاف شراح الفيلسوف الألماني، فعلى أساسه يقيم هذا التفاضل بين الجمال الفني والجمال الطبيعي (منظر غروب الشمس مثلا)، ذلك أن "الجمال الفني إنما هو الجمال الذي ما ينفك يتولد عن الروح، وبقدر ما يكون الروح ونتاجاته أسمى من الطبيعة وظاهراتها، بقدر ما يكون الجميل الفني أيضا أسمى من جمال الطبيعة" .
وبهذا المعنى لا يسمو الجمال الفني مقارنة بالجمال الطبيعي إلا بـ"الروح المطلق"، لأنه تجسيد حسي للحقيقة المطلقة، وهكذا "يتنزل الأثر الفني في مرتبة أعلى من ذلك النتاج الطبيعي الذي لم يعبر سبيل الروح هذه، ومثاله أن الشعور والتفهم اللذين يمثل من خلالهما مشهد طبيعي في فن الرسم، يجعلان هذا الأثر الروحي يحتل مرتبة أعلى من مجرد المشهد كما يكون في الطبيعة. ذلك أن كل روحي إنما هو أفضل من أي نتاج طبيعي" . لذلك نجده يقول في موضع آخر: "إن مملكة الفن الجميل هي مملكة الروح المطلق" .
وصحيح أن هيغل، يقدم في محاضراته، أسس إستيطيقا فلسفية جديدة ومختلفة، لكنها تضمر رؤية كولونيالية العقل الغربي باستبعاد الفن الإفريقي والسيبيري من خانة "الفن الرفيع"، وتجعله أدنى مرتبة بوضعه "خارج حدود التاريخ"، وهذه أعظم إساءة تاريخية لفنون الجنوب العالمي، لما خلفته هذه الآراء عن الفن غير الغربي من آثار على الواقع، لاسيما بعد الاستعمار المباشر للدول والشعوب في القرنين التاسع عشر والعشرين، لأن خطورة الخطاب الكولونيالي هي قدرته على أن يتحول إلى فعل على أرض الواقع من خلال السياسات الاستعمارية في جغرافيا الجنوب العالمي.
وبالرغم من الإسهام الكبير لهيغل في الإستيطيقا الحديثة إلا أنه كان من أكبر الفلاسفة الكولونياليين الذين حصروا تطور "التاريخ" و"الروح" في الإنسان الأوربي الحديث، ما شكل "غطرسة النقطة الصفر" في تبلور خطاب فني كولونيالي أقصى كل الإنتاجات الفنية للإنسان غير الغربي، كما سمح "للرحم الكولونيالي" بالتطور واستيعاب الآخر ثم الهيمنة عليه لإبادته الثقافية. لذلك، لابد للإستيطيقا الديكولونيالية، أن تستفيد من هيغل ومحاورته بما يتيح للجنوبي، تحرير نفسه من أي حرج كولونيالي، والإقامة في "الفضاء الثالث" لما يتيحه من تثاقف إيجابي بين الشمال والجنوب الذي يسمح بظهور وجودات مختلفة ومقصية من التعبير عن نفسها في الخطاب، إنه فضاء هجنة يسمح بالتطور دون القطع مع روح الجنوب أو التفاعل الخلاق مع الشمال، علينا أن نجعل هيغل يواجه هيغل لاستعادة صورتنا الحقيقية في الخطاب.
وفي سياق السيرورة التاريخية للفن الغربي المرتبط بالفلسفة، يقدم مارتن هايدغر الفن باعتباره انكشافا للوجود، وليس محاكاة للواقع، فالعمل الفني يكشف عن "الحقيقة"، حقيقة الوجود، أي خروج الشيء من الخفاء إلى الظهور (انظر تحليله للوحة الحذاء لفان كوخ)، ولهذا يقول في كتابه "أصل العمل الفني": "وعلى هذا يكون جوهر الفن هو هذا: وضع حقيقة الموجود ـنفسهافي العمل الفني" .
إن مفهوم "الحقيقة" الذي كان سببا في إقصاء الفنانين من جمهورية أفلاطون، أصبح مع هيغل ومارتن هايدغر وفلاسفة عصر الأنوار جوهر تعريف الفن في الفلسفة الحديثة، لأن هايدغر يعتقد أن الفن يعبر عن جوهر الأشياء وحقيقتها، حيث يقول بأن "الأمر إذن لا يتعلق في العمل الفني بإعادة التعبير عن الموجود المفرد الحاضر في كل مرة، وإنما يتعلق الأمر على العكس من ذلك بالتعبير عن الجوهر العام للأشياء" .
يستند "التعبير عن الجوهر العام للأشياء" إلى نظرة الغربي للعالم التي تشكلت في سياق "الحداثة الغربية"، وهي النظرة التي تم بسطها وتكريسها في جغرافيا الجنوب العالمي، وتتضح هذه الرؤية بجلاء عندما يفسر مارتن هايدغر العمل الفني من خلال توتر حاد بين عنصرين من عناصر الوجود، وهما، العالم: سياق كلي قيمي ثقافي وتاريخي، وشبكة من المعاني التي تحدد سياق حياة الإنسان، والأرض: وتمثل الغموض والمادة والخفي الذي يقاوم الانكشاف الكامل.
إن التوتر والصراع بين "العالم" و"الأرض" يجعل العمل الفني يفتتح عالما جديدا مع احتفاظه على غموض "الأرض"، وبهذا المعنى يحاول الفنان أن يقيم هذا التوازن بين العنصرين للكشف عن "الحقيقة"، "حقيقة" الوجود بما هو كذلك، وهو الأمر الذي دفع هايدغر، من خلال الصراع بين "العالم" و"الأرض"، للقول: "الجمال هو الطريقة التي توجد بها الحقيقة بوصفها كشفا" .
إن وجود "الحقيقة" في العمل الفني لا يحقق جمالا في حد ذاته، بل يتحقق في الطريقة التي تكشف بها الحقيقة عن نفسها، يقول مارتن هايدغر: "الحقيقة هي كشف الموجود بصفته موجودا، الحقيقة هي حقيقة الوجود، والجمال لا يرد إلى جانب هذه الحقيقة. عندما تقيم الحقيقة نفسها في العمل الفني، فإنها تظهر نفسها، والظهور بوصفه وجودا لهذه الحقيقة في العمل وبوصفه عملا فنياالجمال. وهكذا ينتمي الجميل إلى حدوث الحقيقة" .
ليس الفن مجالا جماليا فقط، بل هو شكل من أشكال انكشاف الحقيقة، وبالتالي فهو يرفض تقديم الفن باعتباره محاكاة للواقع أو تجل للروح فقط، بل هو انكشاف الحقيقة من خلال الصراع بين العالم والأرض، حيث ينفتح الوجود على وجوده، الفن بهذا المعنى حدث أنطلوجي يكشف كينونة الوجود، وهو الوجود الغربي المهيمن على جغرافيا المعرفة فيما بعد المستعمرة، ولذلك لا يمكن لغير الغربي إلا الانخراط التلقائي في تكريس الخطاب الكولونيالي حول نفسه لعدم قدرته على انتزاع تمثيل صورته من "سيمولاكر" مخاتل، و"رحم كولونيالي" ما يزال قادرا على الإنجاب.
إن المدخل الحقيقي لاستعادة مفهوم "الفن" من الفهم الغربي الخاص لن يتأتى إلا بتحديد مفهوم "الحقيقة"، بما هي ركيزة أساسية في تعريف الفن عند جملة كبيرة من الفلاسفة، وتتبع ورصد علاقاتها بالسلطة والمعرفة في الخطاب الكولونيالي، وهذا إشكال فلسفي آخر سيقودنا من سؤالنا الأول، الذي ما يزال معطى للتفكير البشري الذاتي جدا، ما الفن؟ إلى، سؤال آخر يحتاج جهدا يتجاوز حدود هذه الورقة، وهو ما الحقيقة؟.
نحو إعادة تعريف ديكولونيالي للفن وإعادة الاعتبار لفن الجنوب
لا أريد أن أتوجه هذه الوجهة الفلسفية، وأتوغل أكثر في السردية الغربية الكبرى للفن بحثا عن مفهوم "الحقيقة"، والاختلاف بينها وبين الحقيقة الجنوبية، كما أني لا أريد أن أطيل في كتابة هذا النص البشري الذاتي جدا، بما هو محاولة لتكريس تفكير متأرض ومتحرر من أي قيد كولونيالي، بل كل ما أريده، أن أعود إلى عش كينونتي الخاصة، أن أربت على كتف الأستاذ والطلبة الذين درسوا فنون كل الحضارات التاريخية إلا فنوننهم وحضارتهم، وأقصوا من الوجود، وجودهم، لذلك، فأنا أكتب هذا النص لأحاول أن أجيب نفسي وأتحسر، كي أتذكر طريق العودة إلى ذاتي يوما ما، وأتذكر قسمات وجهي عندما تغيب ملامحه من "التاريخ"، بعيدا عن أفلاطون وهيغل ومارتن هيدغر، أن أعود للبحث عن الفن في البساطة المتأرضة، وبإجابة ذاتية جدا، أريد أن أعرف ما يعينيه الفن بالنسبة لراعي أغنام في جبال خنيفرة، وللفلاح في سفوح "الغرب"، ولبائع التمور في زاكورة وامحاميد الغزلان، ولبائع اللباس الصحراوي في الداخلة.
يمكن، من خلال التفكير البشري الذاتي جدا، أن أستعرض ما لا حد له من مآسينا في الخطاب الكولونيالي، لكن أفضل أن أبدأ بمحاولة أولى لتعريف الفن، باعتبار المحاولة مقاومة استيطيقية لانتزاع المفهوم من مخالب التيتان الكولونيالية، لأنه كما يقول محمود درويش في كلمة ألقاها في الناصرة: "لم نولد إلا هنا، ولا ذاكرة لنا خارج هذا الصبار وهذا الزيتون".
الفن صرخة غير واعية للذات لتحقيق المتعة أو المعرفة، أو هما معا، في مكان ما وزمان ما، لأنه لا يمكن أن نسأل كيف تتولد كلمات شاعر؟ هي صرخة مقدسة غير واعية للذات، الشاعر لا يعرف كيف تأتيه الكلمات، لكن الجنوبي يردها إلى الآلهة والإلهام والجن والطبيعة والدربة والممارسة، فقد قال مرؤ القيس:
تخيرني الجن أشعارها... وما شئت منها انتقيت
كما لا يمكن أن نسأل الرسام، كيف تولدت أشكال الرسم في اللوحة؟ هي أيضا صرخة غير واعية للذات في تجسيد حسي للثقافة الجنوبية، والقصد من "الصرخة" استبطانها هذه الروح الشرقية المشدودة إلى الغموض وتجاور المقدس والمدنس في الجنوب العالمي، كما أن هذا التعريف، يستعيد الاعتراف بالفنون غير الأوربية في الجنوب العالمي، باعتبارها آثارا فنية لا يمكن إقصاؤها من دائرة "الفن الرفيع"، بهما هي "صرخة" غير واعية لتحقيق المتعة أو المعرفة، أو هما معا.
كما أن هذا التعريف يعيد التفكير، من موقع "الفضاء الثالث"، في معايير الفن ومجالاته في السياق الغربي، ويتقاطع مع كانط على نحو ما، لأن "البحث عن قوانين عالمية للحكم الجمالي، وفقا لكانط، يسيء إلى فهم طبيعة الحكم الجمالي.. فالحكم على شيء ما بأنه جميل ليس عملا معرفيا، بل هو متعة راقية يحصل عليها في التأمل اللامبالي فنيا (الخالي من المصلحة) لشكل الشيء الجميل" ، وبالتالي فإن الأمر هنا يتعلق بـ"الخبرة الفنية" للجنوبي المختلفة عن الشمالي، فيصبح الفكر الديكولونيالي في الجنوب مضطرا للبحث عن "تاريخ الذوق" و"تاريخ الإدراك" في جغرافيا ما بعد المستعمرة ليستطيع إدراج فنون الجنوب ضمن خانة "الفنون الرفيعة" دون أي حرج كولونيالي، لأن البدء بمحاولة تأريخ الفن الجنوبي لن يكون إلا داخل مصفوفة الفنون الغربية، وهذا من أكثر المآزق التي يمكن أن يواجهها المؤرخ الفني الديكولونيالي في إعادة تشكيل الأرشيف الفني، لأن الفن يتجاوز العمارة والنحت والموسيقى والشعر والمسرح والسينما والفنون المعاصرة إلى فنون ظلت خارج "عالم الفن" بتعبير آرثر سي. دانتو، مثل "تاماوايت" و"الحلقة" و"الأقنعة الطقوسية" و"الوشم الأمازيغي" و"الزربية" و"الحناء" و"أحواش" و"أحيدوس" و"إمديازن" و"كناوة" و"الزليج" و"الحكاية الشعبية" و"النقش المعماري"... لقد كانت خارج التصنيف الغربي للفن، وخارج اهتمامات المؤسسات الثقافية بما فيها المتاحف في فضاءاتنا الجغرافية الخاصة.
خاتمة: استعادة الفن بوصفه استعادة للوجود والذاكرة
إن إدراج، ما صنف لسنوات طويلة خارج دائرة الفن الغربي، ضمن دائرة "عالم الفن" أو "الفن الرفيع"، ليس معطى قابلا للتحقق في سياق توغل الهيمنة الكولونيالية في مجتمعاتنا، وواقع يرفض مصالحة ذاته بما هي وجود مختلف وخاص عن المصفوفة الكولونيالية للفن، لكن ما يهمني هو البحث عن إجابة ذاتية جدا للسؤال التالي: إلى أي حد يمكن للوشم والحناء والزربية والزليج أن تعتبر فنا؟ ولماذا نعتبر "أحيدوس" و"إمديازن" و"كناوة" و"أحواش" فنونا فلكلورية شعبية أقل قيمة من باقي الفنون؟
إن الإجابة عن السؤالين مرتبط بسؤالنا الأول "ما الفن"، فإذا لم يستطع الديكولونيالي المغربي/الجنوبي الإجابة عنه فسيبقى أسير تملك الغرب لمفهوم "الفن"، وبالتالي سيظل خاضعا، بشكل مباشر أو غير مباشر، للسردية الغربية، ما يجعل التمييز بين "الفن" و"اللافن" خاضعا للمقاييس الغربية على نحو مطلق، فتكون كل الأشكال الفنية الجنوبية الأصيلة المذكورة سابقا خارج "عالم الفن"، أما الأشكال الفنية التي تنتمي إلى عالم الفن مثل المسرح والسينما والفن التشكيلي، فإن الأمر يتعلق بالمقاومة من داخل المصفوفة الغربية للفن، فالقالب معلوم ومتفق عليه، لكن ملأه بروح الشمال أو بروح الجنوب هو المحك الحقيقي، أو بتعبير آخر، هل تعكس هذه الفنون الوجود الجنوبي أم هي امتداد للهيمنة الكولونيالية؟
لا أريد الإجابة عن هذه الأسئلة، أو ربما لا أملك، حتى كتابة هذا النص، إجابة واضحة تنبع مما سميته "بالتفكير البشري الذاتي جدا"، ولكن، يمكن أن أقول للأستاذ الذي كنته، وللطلبة الباحثين عن إجابة للسؤال: أين فننا؟ لقد تم إقصاؤنا بدوافع كولونيالية مقيتة، وتعرض أرشيفنا للإتلاف والإبادة، وتمت إعادة صياغته ليناسب سردية المستعمر والمصفوفة الكولونيالية للسلطة، المستعمر الذي لم يأت إلى جغرافيتنا/الأرض فقط، بل استعمر جغرافيتنا المعرفية والجمالية أيضا، وإذا كنا قد تخلصنا من استعمار الأرض، فيمكن استثمار فكر "ما بعد الاستعمار" و"الفكر الديكولونيالي" لتحرير ما تبقى منه في معرفتنا وفنوننا باعتماد "تفكير بشري ذاتي جدا".
***
عبيد لبروزيين








