العقل والقلب هما عوالم شاسعة من القيم المطلقة التي تعلو على الظواهر المتبدلة. عوالم كونية متحكمة في مفردات حياتنا. ومن خلالهما ندرك الجوانب الحسية للواقع الموضوعي المنظور ومافوق الواقع. وقد وجد فيهما الفكر الفني والجمالي والمفاهيم الروحية والاجتماعية ومدلولاتها الرمزية لتوضيح الابعاد الجمالية في الاعمال الفنية.
يذكر البعض ان الرسم يكون اكثر تاثيرا من الالوان لان الرسم يتخذ اوضاعا هندسية وهو من هذه الوجهه يكون له ذلك الطابع التعقلي. بينما تعتبر الالوان ذلك العامل المتعلق بالشعور والحساسية. والتي مصدرها القلب. وهي لذلك تخضع لكل التنوعات والاختلافات الفردية، بمعنى ان لكل فنان له خصوصية في تذوق الالوان واداء تنفيذها. ويتجلى في هذا الجانب اعمال هنري ماتيس وسيزان اللذان قادا التمرد على واقعهم في ذلك الوقت. حيث اندفعا لتكوين عالم فني اخر يقوم على التحوير والاختزال مشحون بقوة لونية رمزية لها مدلولات التجديد. وقد تعرض سيزان للتقد 15 سنة نتيجة لهذا التمرد والتحول. ذو الدلالات الفكرية التي انسلخت عن التقاليد المتعارف عليها في ذلك الزمن. ولم يعرف سيزان انه بهذا التوجه والادراكات الحسية غير في صيرورة من الخلف دفة السفينة. كما يذكر انه مزق عشرات اللوحات التي رسمها لعدم قناعته بها نتيجة لهذا التوجه الجديد.
وقال فيه بيكاسو وماتيس ان سيزان ابو الجميع وان لم يعرف هو؟. حيث انتزع من سمات الشكل تكوينا لبداية الفن الحديث.. وبالتالي نصل الى نوع من الرمزية الواعية في توظيف مظاهر الاشياء باتجاه مطامع الوعي المتجدد في تطور الفنان. ولهذا فان الفن الحديث حذف كل الاختلافات ذات الصفات المكانية التي تحد كل انسان او بلد او زمن بذاته حيث تكون الحقيقة فوق كل شئ..
في عهد الملك الفرنسي لويس الرابع عشر كانت مرحلة تعج بالنقد حيث كان الفريق المتحيز للالوان يتخذ اتجاها مضادا للفريق المتعصب للرسم والتخطيط. وقد برز اثناء هذا الجدل تسائل حول الجمال هل هو موجود في الفن بمافيه الالوان والرسم او شيئ اصطلح عليه بحكم العادة ؟. الا ان الامر تبعا للظروف كان من شاته ان يجعل الفنان لا يبغي لعمله غاية سوى الجمال...و لكن قراءة البحوث العلمية والفلسفية منذ فلاسفة الاغريق توكد ان هناك جمال مطلق يتمثل في الاشكال الهندسية من دوائر ومخاريط وخطوط. وهو ما اشار اليه افلاطون.. وبذلك فيكون هذا الجمال ياخذ طابعا عقليا. ويظهر ذلك جليا في الاعمال التجريدية لكاندنسيكي.
وكما ذكرنا بان البعض يرى ان الاوضاع الهندسية تعتبر ذات طابع عقلي ويكون تذوقها تذوقا موضوعيا يستند الى التاملات العقلية. بينما تكون الاعمال الفنية ذات الجمال العضوي اي ذات الشكل المطابق للطبيعية يكون تذوقها عن طريق العاطفة والمشاعر والاحاسيس والتي تنطلق من لباب القلب. ونجد هذا اللون من الفن يمتاز بالتلقائية والتقاء الشكلي والتحرر من كل قيد عقلي ويتجلى ذلك في المدرسة الانطباعية وزعمائها مونية وسيزان وغيرهم. والتي ظهرت عام 1874.
و في عام 1790 كانت هناك حركة ثقافية فنية تدار في مقاهي روما. وقد ظهر فيها معسكرين متنازعين من الفنانين. الاول من انصار رافائيل والجمال. والثاني من انصار مايكل انجلو والصفات.. وكان رافائيل يقوم اسلوبه على تصوير الجمال العذري كما هو في رسم السيدة مريم -ع- مع مراعات لعذوبة التفاصيل الفنية في مشخصاته سواء من الذكور او الاناث. وكان يصور شخصياته باجمل ما هم عليه في الطبيعة، ويسمى هذا الاسلوب بالمثالية اليونانية.
اما مايكل انجلو فكان يقوم بالمبالغة في رسم مشخصاته من الوجهه الفيزيقية حيث كان يظهر في انتاجه الفني سواء كان نحتا او تصويرا طابع القوة والمبالغة في العضلات والاجسام الهرقلية وكأننا في ساحة مصارعة او عرض للاحسام... وهكذا نجد وجهات نظر متباينة بين تيارين احدهما يمثل الجمال والاخر الصفات. ومن المؤكد ان الجمال صفة اخلاقية كما كان يغتقد في زمن الاغريق وهي من صفات الله تعالى (ان الله جميل يحب الجمال).
و عند مراجعتنا لزمن هذا النزاع ومقارنته بواقع الفن العربي في ذلك الوقت لوجدنا ان حالة الوعي كانت مزرية وماساوية ومظلمة. حيث اربعة قرون من الاستعمار العثماني خانقة ومتحجرة. وكان العراق يخلوا تماما من اي نشاط وحركة فنية. وكان ذلك مقصودا ومتعمدا. حتى انهم باعوا اثار حضارة العراق للاجانب وسمحوا لهم بالتنقيب واخذ كل ما يعثرون عليه مقابل حفنة قليلة من الاموال.. وبقى الوضع هكذا حتى الاستعمار البريطاني الجديد عام 1918 وفي زمنهم تشكلت اول جماعة للفن العراقي المعاصر تدعى – جماعة اصدقاء الفن – عام 1941. وبدا النقاش في مقاهي بغداد حول مفاهيم الفن الاوربي المعاصر. كما كان يحدث سابقا في روما عام 1790. وهو فارق زمني يقدر بحوالي 150 سنة من التخلف.
***
د. كاظم شمهود








