عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

ياسر البتانوني: من هيمنة المادة إلى اغتراب الإنسان

قراءة فلسفية في تحولات الوعي الأخلاقي وأزمة العلاقات الإنسانية في العصر الرقمي

لم تعد التحولات التي يشهدها العالم المعاصر مقتصرة على أنماط الإنتاج والاستهلاك، أو على التطور المتسارع في وسائل الاتصال والتكنولوجيا، وإنما تجاوزت ذلك إلى إعادة تشكيل كثير من التصورات التي ينظر الإنسان من خلالها إلى ذاته وإلى الآخرين وإلى العالم الذي يعيش فيه. فقد أصبحنا أمام واقع تتضاعف فيه الإمكانات المادية، وتتسع فيه دوائر المعرفة والاتصال، وتتقدم فيه التكنولوجيا بوتيرة غير مسبوقة، بينما تتراجع في كثير من مظاهر الحياة قيم إنسانية أصيلة كان يفترض أن تشكل الأساس الأخلاقي للعلاقات بين البشر، وفي مقدمتها الأمانة والإخلاص والوفاء والصدق واحترام الكرامة الإنسانية.

وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل الفلسفي وهي: كيف استطاع الإنسان أن يحقق كل هذا التقدم في السيطرة على العالم من حوله، بينما لا يبدو أنه حقق تقدما مماثلا في السيطرة على نزعاته الأنانية، أو في الارتقاء بوعيه الأخلاقي، أو في صيانة إنسانيته في علاقته بالآخرين؟ وكيف اتسعت قدرته على امتلاك الأشياء وإنتاج المعرفة وتطوير أدوات الحياة، بينما ضاقت في بعض جوانب وجوده مساحة التعاطف والوفاء والمسؤولية والاعتراف المتبادل؟

إننا لا نتحدث عن اختفاء القيم من المجتمع، ولا نزعم أن العصور السابقة كانت مثالا للكمال الأخلاقي، فالأنانية والانتهازية والتناقض بين القول والفعل ظواهر عرفتها المجتمعات الإنسانية في مختلف مراحل تاريخها. لكن ما يستحق الانتباه هو اتساع حضور النزعة المادية في توجيه السلوك، وتحول المصلحة الشخصية لدى بعض الأفراد إلى معيار حاكم للعلاقات والمواقف، حتى أصبح الآخر يقاس أحيانا بمقدار ما يستطيع أن يقدمه من منفعة، لا بما يمتلكه من قيمة إنسانية. وأصبحت العلاقة معرضة للانقطاع بمجرد انتفاء المصلحة التي أقيمت عليها، وكأننا بصدد انتقال تدريجي من منطق العلاقة الإنسانية القائمة على الثقة والمشاركة والمسؤولية المتبادلة، إلى منطق المنفعة الذي ينظر فيه كل طرف إلى الآخر باعتباره وسيلة محتملة لتحقيق مكسب، أو أداة لتلبية حاجة عابرة.

ولا تكمن المشكلة في أن يسعى الإنسان إلى تحسين ظروفه المعيشية، أو أن يطمح إلى النجاح وتحقيق المكانة الاجتماعية والمهنية؛ فهذه تطلعات مشروعة، بل قد تكون دافعا إيجابيا للعمل والإبداع. وإنما تبدأ الأزمة حين تتحول المادة من وسيلة إلى غاية نهائية، وحين يصبح امتلاك الأشياء أو بلوغ المناصب أو اكتساب النفوذ معيارا وحيدا لتقدير الذات، وحين يختزل الإنسان نجاحه في مقدار ما يحصل عليه، لا في طبيعة ما يقدمه، ولا في القيم التي يظل متمسكا بها خلال سعيه إلى تحقيق أهدافه. عندئذ لا تعود المصلحة مجرد حق مشروع يراعي حقوق الآخرين، وإنما تتحول إلى قوة ضاغطة تعيد ترتيب سلم القيم، وتدفع بعض الأفراد إلى التضحية بالمبدأ في سبيل المكسب، وبالوفاء في سبيل المنفعة، وبالصدق في سبيل القبول، وبالكرامة في سبيل المكانة.

وهنا نواجه أحد أكثر مظاهر الأزمة الأخلاقية خطورة، وهو أن يتنازل الإنسان عن بعض القيم التي تمنحه معناه الإنساني، لا لأنه يجهلها بالضرورة، وإنما لأنه يدركها ثم يختار تجاوزها حين تتعارض مع مصلحة يرجو تحقيقها. فقد يتخلى عن قناعاته، ويتنكر لمواقفه السابقة، ويتقرب ممن يملك النفوذ، ويجامل على حساب الحقيقة، وربما يسيء إلى من وقفوا إلى جواره، أو يشارك في إقصاء من يستحقون التقدير، أملا في موقع أو مكسب أو امتياز. وقد يصل الأمر إلى أن يقبل الانتقاص من كرامته أو إهانة ذاته، ما دام ذلك يفتح أمامه طريقا إلى منفعة مادية أو منصب أو اعتراف اجتماعي. وفي هذه الحالة لا يكون قد خسر قيمة أخلاقية فحسب، بل يكون قد وضع ذاته الإنسانية موضع المساومة، وكأن كرامته شيء قابل للتداول في سوق المصالح.

إن الطموح لا يتعارض مع الكرامة، والنجاح لا يتنافى مع النزاهة، والسعي إلى المكانة لا يستلزم التنازل عن المبادئ. لكن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة الوسائل التي يعتمدها الإنسان، وفي الحدود الأخلاقية التي يرفض تجاوزها مهما كانت المكاسب المحتملة. فهناك من يطلب المنصب ليؤدي مسؤولية، وهناك من يطلبه ليشبع شهوة السيطرة؛ وهناك من يسعى إلى المال ليحيا حياة كريمة، وهناك من يجعل المال معيارا لقيمة البشر؛ وهناك من يطمح إلى الاعتراف بجهده، وهناك من لا يتردد في إنكار جهود الآخرين أو إهدار حقوقهم حتى يظل في دائرة الضوء. ومن ثم فإن السؤال الأخلاقي الأعمق ليس ماذا حقق الإنسان؟ وإنما ماذا أصبح عليه وهو يسعى إلى تحقيق ما يريد؟ وهل أضافت مكتسباته إلى قيمته الإنسانية، أم كانت ثمنا لتآكل هذه القيمة؟

ولعل قيمة الأمانة من أكثر القيم التي تكشف عن طبيعة هذا التحول. فالأمانة ليست مجرد الامتناع عن السرقة أو عدم الاعتداء على حقوق الآخرين، وإنما هي معنى أخلاقي شامل يتصل بالمسؤولية والصدق واحترام الحقوق والوفاء بالواجبات. إنها أن يؤدي الإنسان ما اؤتمن عليه بإخلاص، وأن يحفظ حقوق الآخرين في حضورهم وغيابهم، وألا يستغل ثقتهم أو حاجتهم أو غياب قدرتهم على الدفاع عن مصالحهم. والأمانة في جوهرها اعتراف بأن الإنسان ليس مركز الوجود وحده، وأن حريته ومصلحته لا تنفصلان عن حقوق الآخرين، وأن ما يوضع بين يديه من مسؤوليات ليس ملكا شخصيا يتصرف فيه وفق أهوائه، وإنما هو تكليف أخلاقي يقتضي النزاهة والعدل.

لكن بعض الممارسات اليومية تكشف عن خضوع الأمانة أحيانا لحسابات المنفعة والرقابة؛ فيؤدي بعض الناس واجباتهم ما دامت الرقابة قائمة، ويحافظون على حقوق الآخرين ما دامت مصلحتهم لا تتعارض معها، ويلتزمون بالقواعد ما دامت مخالفتها مكلفة. وهنا يصبح السلوك الأخلاقي استجابة للخوف من العقوبة، لا تعبيرا عن اقتناع داخلي بقيمة الحق. ويتحول السؤال الذي يوجه التصرف من: هل ما أفعله صحيح وعادل؟ إلى: هل يستطيع أحد أن يحاسبني؟ والفارق بين السؤالين هو الفارق بين ضمير يستمد قوته من المبدأ، وسلوك لا تحكمه إلا حسابات المصلحة والعاقبة.

ولا تقل قيمة الإخلاص أهمية عن الأمانة؛ فالإخلاص هو أن يؤدي الإنسان عمله ويمنح علاقاته ما تستحقه من صدق وعناية، لا أن يتخذها مجرد وسيلة للظهور أو اكتساب المكانة أو تحقيق المصالح. والإخلاص في العمل لا يعني مجرد إنجاز المطلوب، بل يعني احترام رسالة العمل وحقوق المستفيدين منه، كما أن الإخلاص في الصداقة والزمالة لا يعني الموافقة الدائمة أو غياب الاختلاف، وإنما يعني صدق الموقف ونزاهة التعامل والقدرة على الاختلاف دون خيانة الثقة أو إنكار المعروف أو إضمار الأذى.

غير أن بعض العلاقات أصبحت محكومة بمنطق المصلحة؛ إذ يقترب الإنسان ممن يملك نفوذا أو منفعة، ويبتعد عمن لا ينتظر منه مكسبا، وقد يتحول التقارب إلى مجاملة محسوبة، والثناء إلى استثمار في المصالح، وإظهار الود إلى وسيلة لاكتساب القبول أو الوصول إلى غاية. وفي مثل هذه العلاقات لا يكون الإخلاص هو المحرك الحقيقي، وإنما تكون المنفعة هي المحرك الذي يتخفى أحيانا وراء عبارات المودة والتقدير. وما إن تتغير الظروف أو تتبدل موازين القوة حتى تنكشف هشاشة تلك الروابط، ويظهر أن ما كان يبدو صداقة أو وفاء لم يكن في بعض الحالات سوى علاقة مؤقتة تحكمها المصلحة.

أما الوفاء، فهو من أعمق القيم التي تمنح العلاقات الإنسانية معناها واستمرارها. وليس الوفاء مجرد تذكر المعروف أو المحافظة على علاقة قديمة، وإنما هو قدرة أخلاقية على الاعتراف بفضل الآخرين، واحترام ما جمعنا بهم من ثقة ومواقف وتجارب، وعدم التنكر للعهد بمجرد تغير الأحوال. فالإنسان الوفي لا يجعل اختلاف المصالح سببا لمحو التاريخ المشترك، ولا يحول الخلاف إلى ذريعة للانتقام أو التشهير، ولا يتعامل مع المعروف باعتباره دينا يسقط بمجرد أن تتغير الظروف. إنه يدرك أن العلاقات الإنسانية ليست عقودا تجارية تنتهي بانتهاء المنفعة، وإنما هي روابط تتأسس على الاعتراف المتبادل والمسؤولية الأخلاقية.

ومن المؤسف أن تتراجع هذه القيمة في بعض البيئات الاجتماعية والمهنية، فنرى من يتنكر لمن وقفوا إلى جواره في أوقات الشدة، أو ينكر فضل من أسهموا في نجاحه، أو يتخلى عن رفاق الأمس حين تتعارض مصالحهم مع مصالحه، وربما تحول من جمعته بهم المودة والزمالة إلى خصم لهم بمجرد اختلاف في الرأي أو تنافس على موقع أو مكانة. ولا يقتصر الأمر هنا على فقدان علاقة إنسانية، بل يمتد إلى إضعاف الثقة العامة؛ إذ يصبح الأفراد أكثر حذرا في علاقاتهم، وأقل استعدادا لمنح الثقة، وأكثر ميلا إلى التحوط والمصلحة الذاتية. وحين تتكرر مثل هذه الخبرات، يحل الشك محل الاطمئنان، والحساب محل المودة، والتوجس محل التضامن.

إن هذه التحولات تكشف عن خلل في تصور الإنسان لذاته وللآخر. فالإنسان الذي لا يرى في الآخر سوى منفعة محتملة، إنما يختزل وجوده في وظيفة يؤديها لمصلحته، ويغفل أن الآخر ذات إنسانية لها كرامتها وحقوقها وخصوصيتها. ومن هنا يصبح احترام الآخر مبدأ لا يتوقف على مقدار ما يقدمه لنا، ولا على موقعه الاجتماعي أو الاقتصادي، ولا على قدرته على تلبية احتياجاتنا. فالقيمة الإنسانية لا تمنحها الثروة، ولا يصنعها المنصب، ولا يحددها النفوذ؛ إنها قيمة أصيلة في الإنسان، تقتضي أن يعامل باعتباره غاية في ذاته، لا مجرد وسيلة لتحقيق غايات الآخرين.

ولا يمكن فهم هذه التحولات بمعزل عن طبيعة العصر الذي نعيش فيه، ولا سيما التحولات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط التواصل والتفاعل الإنساني. فقد أتاحت وسائل الاتصال الحديثة إمكانات غير مسبوقة للتعارف وتبادل المعرفة وتجاوز الحدود الجغرافية، لكنها أوجدت في الوقت نفسه أنماطا من العلاقات قد تتسم بالسرعة والسطحية وضعف الالتزام. أصبح الإنسان قادرا على التواصل مع مئات أو آلاف الأشخاص، لكنه ليس بالضرورة قادرا على بناء علاقة عميقة مع أحدهم. وأصبح الحضور الرقمي أحيانا بديلا عن الحضور الإنساني، وصارت الصورة التي يقدمها الفرد عن نفسه أكثر أهمية من حقيقة ما يمارسه في حياته اليومية.

لقد أسهمت بعض أنماط الاستخدام الرقمي في تكريس ثقافة المقارنة والاستعراض والسعي المستمر إلى الاعتراف الخارجي. فعدد المتابعين والإعجابات والمشاركات قد يتحول لدى البعض إلى مقياس للقيمة الشخصية، ويصبح الاهتمام منصبا على صناعة صورة جذابة أمام الآخرين أكثر من الاهتمام ببناء شخصية جديرة بالاحترام. وفي هذا السياق قد تتراجع قيمة الفعل الحقيقي أمام بريق الصورة، ويصبح الإعلان عن الفضيلة أيسر من ممارستها، والتعبير عن التعاطف أسهل من تحمل مسؤولياته. وقد يكتب المرء عن الوفاء والإخلاص، بينما يتنكر لمن ائتمنه، أو يرفع شعارات الإنسانية والتسامح، بينما يمارس في علاقاته اليومية الإقصاء والتجريح والعداء.

وهنا تبرز مفارقة العصر الرقمي؛ لقد تضاعفت قدرتنا على التعبير، لكن التعبير لم يتحول بالضرورة إلى صدق؛ واتسعت دوائر التواصل، لكن ذلك لم يضمن عمق العلاقات؛ وتزايدت فرص إظهار المواقف، لكن ذلك لم يعن بالضرورة اتساع دائرة المسؤولية الأخلاقية. فالتواصل التقني يتيح نقل الرسائل والصور والمعلومات، لكنه لا يستطيع وحده أن يخلق الثقة أو يضمن الوفاء أو يمنح العلاقة دفء الحضور الإنساني. فهذه المعاني لا تنتجها سرعة الاتصال، وإنما تصنعها المواقف المتراكمة والالتزامات المتبادلة والقدرة على احترام الآخر حتى في غيابه.

ويأتي الذكاء الاصطناعي ليضيف بعدا جديدا إلى هذه المسألة، لا لأنه المسؤول عن تراجع القيم الإنسانية، وإنما لأنه يضع الإنسان أمام أسئلة جديدة تتعلق بطبيعة العمل والمعرفة والتواصل والمسؤولية. فكلما ازدادت قدرة الآلة على محاكاة بعض أشكال التفكير والتعبير والتفاعل، ازدادت حاجتنا إلى تحديد ما يميز المسؤولية الإنسانية، وما لا يمكن اختزاله في الأداء التقني. فالآلة قد تنتج خطابا يبدو متعاطفا، لكنها لا تتحمل بالضرورة المسؤولية الأخلاقية التي يتحملها الإنسان عن موقفه، وقد تساعد في إنجاز العمل، لكنها لا تعفي صاحبه من أمانة التحقق والنزاهة واحترام حقوق الآخرين.

ومن ثم فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود الذكاء الاصطناعي، وإنما في الطريقة التي نستخدمه بها، وفي احتمال أن يتخذ بعض الأفراد من الأدوات الرقمية وسيلة للتهرب من المسؤولية أو تضليل الآخرين أو إنتاج المعرفة دون تحقق أو نسبة أعمال الغير إلى أنفسهم. فالتقدم التقني لا يلغي الحاجة إلى الأمانة العلمية والمهنية، بل يجعلها أكثر إلحاحا، ولا يعفينا من الإخلاص في العمل، بل يفرض علينا إعادة التفكير في معناه داخل بيئة تتغير فيها طبيعة المهام ووسائل الإنجاز. فكلما ازدادت قدرة التكنولوجيا على إنتاج المحتوى وإنجاز الأعمال، ازدادت أهمية النزاهة في استخدام أدواتها، وضرورة أن يظل الإنسان مسؤولا عن اختياراته ونتائج أفعاله.

ومع ذلك ينبغي ألا نحمل التكنولوجيا وحدها مسؤولية أزمة أعمق من وجودها؛ فالمادية والأنانية والانتهازية ليست من اختراع العصر الرقمي، وإنما هي نزعات إنسانية قديمة اكتسبت في ظل التحولات المعاصرة وسائل جديدة للظهور والانتشار. فالتكنولوجيا لا تصنع وحدها إنسانا أنانيا، كما أن امتلاك الأدوات الحديثة لا يعني بالضرورة اغتراب الإنسان عن ذاته. لكن المشكلة تظهر حين تعمل هذه الأدوات في بيئة أخلاقية ضعيفة، فتتحول إلى وسائل لتضخيم النزعات الفردية وتعزيز الاستعراض وتسريع تداول التضليل وتكريس ثقافة الاستهلاك والمقارنة. ومن هنا ينبغي أن نميز بين التقدم التقني والتقدم الإنساني؛ فالأول يتعلق بما يستطيع الإنسان إنجازه من خلال أدواته، أما الثاني فيتعلق بما يصبح عليه من حيث الوعي والمسؤولية والقدرة على احترام ذاته والآخرين. وليس من الضروري أن يسيرا في اتجاه واحد؛ فقد يتقدم الإنسان في قدرته على السيطرة على الطبيعة، بينما يتراجع في قدرته على ضبط أنانيته، وقد تتسع إمكاناته في التواصل، بينما تضيق مساحة التعاطف والإنصات والوفاء.

ومن الأبعاد المهمة لهذه الأزمة تصاعد الفردانية حين تنفصل عن المسؤولية الاجتماعية. فالفردانية في ذاتها ليست شرا، إذ إن الاعتراف باستقلال الفرد وحقوقه وخصوصيته شرط أساسي للحرية والكرامة الإنسانية. لكن الفردانية تتحول إلى أنانية حين لا يرى الإنسان في المجتمع سوى مجال لتحقيق رغباته، وحين يتعامل مع حقوق الآخرين باعتبارها عوائق أمام مصالحه، لا باعتبارها حقوقا ينبغي احترامها. والحرية التي لا تعترف بوجود الآخرين تتحول إلى نزعة تسلطية، والمصلحة التي لا يضبطها ضمير تتحول إلى انتهازية، وحب الذات الذي لا يوازن بين حقوق النفس وحقوق الغير يصبح شكلا من أشكال التمركز حول الأنا.

ولعل أخطر ما يترتب على هذا التحول هو أن تصبح الأنانية نمطا متبادلا من أنماط التعامل الاجتماعي. فعندما يرى الفرد أن الآخرين يتخلون عن الأمانة ويستغلون الثقة وينقضون الوعود، قد يميل إلى تبرير السلوك نفسه باعتباره وسيلة للدفاع عن الذات أو ضمانا للمصلحة. وهكذا تتشكل دائرة من انعدام الثقة، يصبح فيها كل طرف مستعدا لتوقع الأسوأ من الآخر، ويبرر لنفسه ما كان يرفضه من سلوكيات. وفي هذه البيئة لا تتضرر العلاقات الخاصة وحدها، بل تتأثر المؤسسات أيضا؛ لأن العمل الجماعي لا يقوم على القوانين والإجراءات فحسب، وإنما يحتاج إلى قدر من الثقة والنزاهة والإخلاص، وإلى شعور مشترك بأن المسؤولية لا تنفصل عن الحق والواجب.

ومن هنا فإن تراجع الأمانة والإخلاص والوفاء ليس مجرد خلل في السلوك الشخصي، وإنما هو مؤشر على أزمة أعمق في الوعي الأخلاقي. فالأمانة تحفظ الحقوق، والإخلاص يمنح العمل معناه، والوفاء يصون العلاقات من التحول إلى مصالح مؤقتة، والصدق يؤسس الثقة، والتعاطف يحول دون أن يصبح الآخر مجرد رقم أو أداة أو وسيلة. أما الكرامة الإنسانية فهي الإطار الذي تنتظم داخله هذه القيم جميعا؛ لأنها تعبر عن وعي الإنسان بقيمته التي لا ينبغي أن تكون محل مساومة، وعن إدراكه أن احترام ذاته يبدأ من رفضه أن يجعل نفسه أداة في أيدي المصالح، أو أن يسمح لرغباته المادية بأن تدفعه إلى إهدار حقوق الآخرين.

إن استعادة هذه القيم لا تتحقق بمجرد الدعوة الوعظية إليها، ولا بترديد شعارات الأخلاق في المناسبات، وإنما تحتاج إلى مراجعة حقيقية للثقافة التي ننتجها، وللمعايير التي نكافئ على أساسها، ولأنماط التربية التي ننشئ عليها الأجيال. فلا معنى لأن نطالب أبناءنا بالأمانة بينما يشاهدون من يحقق المكاسب بالخداع دون مساءلة، ولا جدوى من تعليمهم الإخلاص إذا كانت المؤسسات تكافئ المظهر على حساب الإنجاز، أو الولاء الشخصي على حساب الكفاءة، ولا يمكن ترسيخ الوفاء في بيئة يصبح فيها التنكر للآخرين وسيلة للصعود أو الحفاظ على المكانة.

كما أن المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية مطالبة بأن تتجاوز تقديم القيم باعتبارها موضوعات نظرية، وأن تجعلها جزءا من الممارسة اليومية. فالجامعة -على سبيل المثال- لا تكتفي بتعليم المعرفة، بل يفترض أن تسهم في تكوين ضمير علمي وأخلاقي يحترم الأمانة والنزاهة والاختلاف والاعتراف بجهود الآخرين. ومؤسسات العمل لا ينبغي أن تقيس النجاح بالإنتاج وحده، وإنما بما يصاحبه من عدالة واحترام للحقوق ومسؤولية. أما وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، فعليها أن تدرك أن حرية التعبير لا تعني إهدار الكرامة الإنسانية، وأن الانتشار لا يبرر التضليل، وأن القدرة على التأثير تفرض مسؤولية أخلاقية لا تقل أهمية عن المسؤولية القانونية.

وليس المطلوب أن نعود إلى زمن سابق، أو أن نرفض التحولات الرقمية، أو أن نتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره خطرا ينبغي إيقافه. فالتاريخ لا يعود إلى الوراء، والتقدم التكنولوجي أصبح جزءا من واقع الحياة الإنسانية. لكن المطلوب أن نمتلك وعيا نقديا يوجه هذا التقدم، وأن نضع الإنسان وكرامته في مركزه، وأن نعيد بناء العلاقة بين الوسيلة والغاية. فليس كل ما يمكن فعله تقنيا ينبغي فعله أخلاقيا، وليس كل ما يحقق منفعة عاجلة يكون نافعا للإنسان على المدى البعيد. إن السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل تقدم هو أن نسأل: أي إنسان نريد أن نصنع من خلال هذه الإمكانات؟ وما القيم التي نريد أن تحكم عالمنا الجديد؟

وهنا نصل إلى البعد الأعمق في اغتراب الإنسان، وهو إنه لا يبدأ حين يفقد صلته بالآخرين فحسب، بل يبدأ حين يفقد صلته بذاته الأخلاقية، وحين يصبح غريبا عن المبادئ التي كان يفترض أن تمنح وجوده تماسكه ومعناه. فقد يحقق الإنسان مكاسب كثيرة، ويبلغ مواقع مرموقة، ويحظى بقدر واسع من النفوذ والاعتراف الاجتماعي، لكنه قد يكتشف في لحظة مراجعة صادقة، أنه دفع في سبيل ذلك ثمنا باهظا من احترامه لذاته، ومن ثقة الآخرين فيه، ومن قدرته على النظر إلى نفسه دون شعور بالتناقض. عندئذ يصبح الاغتراب أعمق من مجرد عزلة اجتماعية؛ إنه اغتراب عن الضمير، وانفصال بين ما يعلنه الإنسان من قيم وما يمارسه من أفعال، وبين الصورة التي يريد أن يراها الآخرون عليه والحقيقة التي يعرفها عن نفسه.

إن أخطر صور الخسارة ليست أن يفقد الإنسان مالا أو منصبا أو نفوذا، فهذه أمور تتغير وتزول، وإنما أن يفقد احترامه لذاته في سبيل الاحتفاظ بها أو اكتسابها. فماذا يبقى من قيمة المنصب إذا كان ثمن الوصول إليه هو التملق أو الظلم أو التنكر للآخرين؟ وما جدوى الثروة إذا كان سبيل جمعها إهدار الأمانة؟ وأي معنى للنجاح إذا كان قائما على استغلال الآخرين أو إنكار حقوقهم؟ إن المكسب الذي يقتضي من الإنسان أن يتخلى عن جوهره الأخلاقي ليس مكسبا خالصا، حتى وإن بدا كذلك في ميزان الحسابات المادية؛ لأنه قد يضيف إلى ما يملك، لكنه ينتقص مما يكون عليه.

إن أزمة الإنسان المعاصر ليست أنه يعيش في عصر مادي ورقمي فحسب، وإنما أن هذا العصر يضعه أمام اختبار أخلاقي متجدد، هل يستطيع أن يظل إنسانا في عالم تتسارع فيه الآلات، وتتضخم فيه المصالح، وتتغير فيه أشكال العلاقات؟ وهل يستطيع أن يجعل من التقدم التكنولوجي فرصة للارتقاء بالوجود الإنساني، لا ذريعة لمزيد من الأنانية والاغتراب؟ وهل يملك الشجاعة لأن يرفض مكسبا يطلب منه أن يتنازل عن كرامته، أو منصبا لا يصل إليه إلا بالتخلي عن مبادئه، أو علاقة لا تقوم إلا على استغلاله للآخر أو استغلال الآخرين له؟

إن قيمة الإنسان لا تقاس بما يملك، ولا بما يحظى به من شهرة أو نفوذ، ولا بحجم حضوره الافتراضي، وإنما بما يجسده من قيم في حياته الواقعية، وبما يتركه في نفوس الآخرين من ثقة وطمأنينة وأثر طيب. فالأمانة ليست ضعفا أمام إغراء المصلحة، والإخلاص ليس سذاجة في عالم تحكمه الحسابات، والوفاء ليس عجزا عن التكيف مع تغير الظروف، والكرامة ليست ترفا يمكن التنازل عنه عند أول اختبار للمصلحة؛ إنها جميعا تعبيرات عن قوة الضمير ونضج الشخصية وسمو الوعي الإنساني.

ولعل التحدي الأكبر الذي يواجه الإنسان اليوم ليس أن يواكب عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي فحسب، وإنما أن ينجح في ألا يفقد إنسانيته وهو يواكب هذا العصر. فالعالم قد يحتاج إلى مزيد من الآلات الذكية، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى إنسان أمين ومخلص ووفي؛ إنسان لا يبيع ضميره من أجل مكسب، ولا يتخلى عن كرامته من أجل منصب، ولا ينكر فضل الآخرين من أجل صعود فردي، ولا يجعل من المصلحة الشخصية مبررا لإهدار إنسانية من حوله.

فالتقدم الحقيقي لا يقاس فقط بما نمتلك من أدوات، وإنما بما نحافظ عليه من قيم، وبما ننجح في صونه من إنسانيتنا. وقد يكون السؤال الذي ينبغي أن نتركه مفتوحا أمام ضمير هذا العصر هو: إذا كان الإنسان قد أصبح قادرا على امتلاك العالم بأدواته، فهل ما زال قادرا على امتلاك ذاته بقيمه؟ فليست المأساة أن يخسر الإنسان بعض ما يملك، وإنما أن يخسر نفسه وهو يظن أنه يربح كل شيء.

***

بقلم: د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

في المثقف اليوم