عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

كتب واصدارات

شمس الدين العوني: "نصوص خارج اللغة".. عرض لديوان

الشاعر العيدي الهمامي

الشاعر يحاور العناصر والتفاصيل بعناوين شتى للانسان هنا وهناك في أحواله بين الأمكنة والمدن...

من الشعر أن تفصح الذات عن شواسعها حيث اللغة سفر تجاه الآخرين والعالم نحتا لدروب شتى ترومها الكينونة والهواجس والرؤى قولا بالحلم مقابلا لشجن القلب والقلق الدفين في عالم يمشي معنا ولكن بلا قلب..و هنا يصرخ الشاعر وهو يغني معلنا ألقه رغم التداعيات المريبة والسقوط والالانهيار ولا يعنيه في عنفوان كل ذلك غير التمسك بالأمل فكرة وتقصدا وبوحا عميقا به يسعد الكائن في سفره المحفوف بتلوينات شتى من تداعيات المغامرة وعائداتها الممكنة ..و الشعر كذلك هذه المغامرة اللذيذة والمربكة أيضا...

و هنا وفي هذه المناخات نمضي مع شاعر تخير من سنوات طريقا لقوله الشعري في ثنايا الذات وهي ترى في العالم مجالا للانسان وهو يحاور العناصر والتفاصيل ويحاولها حيث القصائد لديه عناوين شتى للانسان هنا وهناك في أحواله بين الأمكنة والمدن والتواريخ والراهن والتوستالجيا والمتغيرات والعولمة وأصالة الأشياء والتفاصيل..

الشاعر العيدي الهمامي يقترح على القارئ سفرا شعريا مفتوحا على ذاته والعالم وما يحدث وما حدث وذلك في عمله الشعري الجديد في ديوان من 250 صفحة وفق عتوان لافت هو " نصوص خارج اللغة " صدر هذه الأيام عن دار نهاد للنشر والتوزيع وضمن سلسلة " ابداع " .

ومن نصوص المجموعة نقرأ ما يلي:

"...كلما قلت أحتاجك

نطقت يدها

هي تعرف جيبي أكثر من موظف الأداءات

سألتها عن »كليبترا« وعن »أم موسى« وعن »مريم العذراء«

وعن »أديبيا« وعن »أروى القيروانية« وعن« هيلين« وعن

»ليلى خالد »

وعن »جوليات« وعن »جميلة بوحيرد«

كشرت عن نابها الفضي وأوقدت نيران رشاشها ورمتني

ومن ذكرت برشقة من وابل معجمها المحيط

تدحرجت أنا

هوى الذي طار

انتحر الممثلون

والمخرج سقط تحت مقذوفات الحضور

وبقيت الكراسي شاهدة على انهيار سقف قاعة العرض

المسمى » ذكي«

نطرت يدي

أفلتني منها

دارت األرض

ولم تكمل دورتها...".

قصائد متعددة في مضامينها واشتغالاتها وفق مزاج الشاعر وهو يتجول بين الكائنات والعناصر بروح موجوعة وذات متألمة وفي شيء من المراوحة بين الواقعية والسخرية والحلم والانكسار والأمل كما يحضر الحنين حيث المكان القيرواني الطافح بالذكرى وطفولة الأشياء ومن ذلك ما يلي :

"...قيروانيات

جمل بئر بروتة

أذكت غريزته كلبة العبادلة 7

بات يلعن العطش

كيف يرد البئر وال يشرب

.......................

حمام الباي

يحضن الصبايا صباحا

وفي المساء

يوصلهن للعرسان

................

دار أسد ابن الفرات

ذاكرة حسين

وسجائر القهواجي...".

في هذه المجموعة الشعرية يطرح الشاعر بأسلوبه سؤالا قديما جديدا متجددا يخص جدوى الشعر هذا الفن الانساني القديم وبأسلوبه البسيط العميق يأخذ الشاعر العيدي الهمامي القارئ لهذا الديوان الى ان يبحث معه عن فكرة الشعر وتماهياتها الممكنة مع الأشياء المحيلة الى الكلمات والشعور وما به تتشعرن العناصر والأحوال وهو يطرح سؤاله (ما نفع الشعر؟)و مجيبا عنه ضمن مقاطع خفيفة وقصيرة ودالة فان الشاعر الهمامي يحيل الى قلقه الذاتي وهو يتعاطى مع القصائد معايشة وكتابة وحلما وهنا نقرأ ما يلي في نصوص (ما نفع الشعر؟) :

"...

ما نفع الظل

ان كان العود من حولك أعوج

وما نفع الشجر

إن كان لا يثمر

وما نفع قلب

بالحب لا ينبض،

وما نفع السيل

إن كانت تسحه الأفاعي

الجدول.

وما نفع قول أحبك

إن كان المخاطب

أخرسا لا يسمع

وما نفع الحذاء

إن كان المرؤ كسيحا

لا يتحرك

وما نفع الرغيف اليابس

إن كان الفم بلا أسنان

ولا يقضم

وما نفع الشعر

إن ابتليت بشعب جاهل

أحمق لا يفهم....".

في الديوان قصائد سعى من خلالها الشاعر العيدي الى الاشارة الوطن ومن ذلك مسألة حب الأوطان زمن الخيانات حيث الوطن لديه لغة يسبح في مجالاتها بين وجع وحلم وهو الشاعر الذي تأسره الكلمات والوطن وأحواله:

"...من يخون الماء

خان البحر

واليابسة

من يخون الملح

خان الطين

والهواء

من يخون التراب

خان الراية

واللغة

والوطن...".

في جانب آخر نقرأ قصيدا ضمن هذه المجموعة الشعرية للهمامي وهي تبحث مثلما يقول عنوانها ( كيف تولد القصيدة ) عن مأتى الشعر وما يحف بكتابته وبوادر العلاقة تجاهه حيث يبني الشاعر كونا يرى فيه الشعر نابعا من المعاناة :

"...مابين نقطة

وفاصلة

تقف عالمات التعجب

والاستفهام،

وما بين كلمة

وصورة

يعسكر أكثر من معنى،

هكذا تولد القصيدة

من رحم المعاناة

تأصيال

لكيان البدايات

والنهايات

زهرة برية

تتشقق عنها الصخور...".

عوالم مختلفة أنشأ منها وبها وفيها الشاعر العيدي الهمامي هذه المقابلة تجاه الشعر الذي جعله مسافرا يرى في الأمكنة والجهات وجوها تشبهه وتأخذه الى مدينته بتفاصيلها واجوائها ديدنه أن يرسم البورنريه المناسب لأحواله ليكون له المجال شاسعا لاكتشاف ذاته الأخرى في كل اللغات..انه الحلم من رحم المعاناة واللهو تجاه طفولة الأشياء لاستعادة ما مضى وما

س/ قد يأتي...

و هنا نقرأ ما يلي في نص (مدينتي) :

"..في مدينتي

حين تخلو الشوارع من المارة

أبحث عن شعبي بالمقاهي

ألشاركه الفرحة

في » ميسي« و«رونالدو«

واحذر أن تفكر

إن رمت الكتابة

عليك بفردتي نعليك

لا القلم...

*

في باريس

حين تخلو الشوارع من المارة

يغص متحف »اللوفر«

وتمتلئ المسارح

وقاعات السينما

وتندر الكتب بالمكتبات ...

في مدينتي

كم يلزمني من قناع

حتى أتجدد في اليوم

أكثر من مرتين ...

وكم يلزمني من الألوان

حتى أرمم فرشاتي

وأرسم لي بورتري

يعجبني

وبعجب الجميع ...

وكم يلزمني من شفاه

حتى أغير من صوتي

وأتكلم بأكثر من لغة...".

قصائد متعددة منها "كم يلزمني من وقت" و"عرب" و"مدينتي" و"وتنتهي الحرب" و" شربت وما ارتويت" و"ما لم نعهده من قبل"...و ها هو الشاعر العيدي الهمامي يأخذنا بطريقته الشعرية في سفر من ذاته الى العالم وما يحدث وما حدث وذلك في هذا العمل الشعري الجديد وهو " نصوص خارج اللغة " والصادر عن دار نهاد للنشر والتوزيع وضمن سلسلة " ابداع "...

***

شمس الدين العوني

في المثقف اليوم