روافد أدبية

جودت العاني: الحجاب والجرذ!

المواقع المسقفة بقطع من الصفيح هي مواقع معدة لغرض الرصد، كذلك للحماية من اشعة الشمس المحرقة.. وفي مكان صخري يطل على وادي عميق تنحدر إليه الصخور وتنتهي بانسياب عيون الماء التي تتوسطها حزم من القصب على طول المجرى وهو يلتف حيث تنعدم الرؤية في النهاية.

الموقع في حقيقته كهف تم تحويله الى مرصد للمراقبة له فتحتان احداهما تطل على الوادي حيث الحجابات الأمامية والأخرى لها فتحة شبه واسعة تتعرج منها صخور الى الخلف حين يعود الخفراء منها الى قاعدة المقر.

يبدأ الرصد كل ثماني ساعات عند إستبدال الطاقم.. ووجبة الغداء تقترن بوقت تسلق الصخور حوالي نصف الساعة أو أكثر خشية السقوط المتعثر.. فهو لم يظهر في اي وقت إلا عند الغداء ربما تكون رائحة الطعام تجذبه صوب مدخل الكهف.. وبعد وصول الوجبة تظهر من بين الصخرات الامامية للكهف أذنان طويلتان وفم يتحرك بشهية قصوى لرائحة الطعام التي تستفزه دائما عند وقت الظهيرة.. وحين فض غلاف الأكل أنتصب بدون حراك، سمين وجهه مخروطي واذناه كبيرتان تلتقطان أدق الحركات وأنفه يشم رائحة الطعام على بعد أمتار وعيناه سوداوان صغيرتان تلمعان وذيله طويل في نهايته شعر كثيف كإنه فرشاة حلاقة، لم ير مثله من قبل.. كان ساكنا وغير خائف ولا يتقدم نحو الطعام الشهي وهو عبارة عن قطع من اللحم مع قطع من الطماطم والبصل.. بدأ بالأكل وظل هو ساكنا أمامه يراقب.. قدم له قطعة من الخبز مشبعة بالسمن أخذها بين يديه الأمامية، تفحصها قبل أن يقضم منها شيئا، لم يعر له إهتماما وهو لم يكترث، بعدها بدأ يقضم قطعة الخبز وهو جالس على مؤخرته السمينة.. لم يكن خائفا أو مترددا حين قدم له قطعة من اللحم فأكلها بشهية ثم استدار لينزل من الصخرة الحادة حيث مهجعه بين الصخور.. لم يره طوال فترة المساء وحتى طلوع الفجر كان لوحة من الالوان أمتزجت لتتحول الى بركة بلون الشفق مثلما كان يرى اسراب من ألأوز البري تسبح عند الفجر وهي ترحل وفي مقدمتها قائد الخط الذي يعرف زمن الإقلاع وخط الثبات وخط الافق نحو البرك النائية..

ظهر ذي العينين الصغيرتين اللامعتين وإذنين متوترين ترتجفان من الرعب، لكنه إختبئ في زاوية الكهف، إنها الكلاب التي تراقب الحدود الملغومة.. ظهر ثانية فقدم له قطعة من الخبز اليابس قضمها ثم اختفى ولم يظهر ثانية وكأنما ابتلعته الأرض..

وضع رأسه على الوسادة الباليه وغط في نوم عميق.. وعند الفجر كان سرب القطا يمر بأصواته المذهلة وبضع منها قد حطت بالقرب من حافة الكهف المرصد المطل على وادي الصخور.. وأمام الكهف فسحة صغيرة من بضعة أمتار اعتاد ان يطهي طعامه كل يوم وربما كان المكان جذابا لهذه الطيور.. جلس على صخرة اعتاد الجلوس عليها كل صباح حيث تتجمع الطيور والعصافير حوله وعلى ذراعيه ورأسه ولا تخشى شيئا، إلا انه لآحظ طيرا غريبا بين الجمع المتهافت من الطيور ولاحظ ريشا على رأسه يشبه التاج واعتقد بأنه هدهد ولكن لم يكن كذلك بسبب لونه الغارق بالأزرق وساقاه طويلتان في نهايتها مخالب كمخالب نسر.. وضع صحن فطوره على الصخرة وذهب ليجلب قطعة من الخبز الحار لكنه حين عاد لم يجد في صحن فطوره أي شيء.. وكان الجرذ في نهاية السفح واقفا كالنمس يتربص.. فمن أكل فطوره، الطائر الأزرق أم الجرذ..؟ ظل في حيرة وتمتم مع نفسه.. لا بئس الطائر الجميل يسرني والجرذ يسليني في وحدتي، وعاد الى الكهف بلا طعام وجلس في مكانه يسبقه الجرذ منتصبا يتلفت وينظر الى كل مكان حوله بعصبية ظاهرة..

وحين عاد الى مقعده داخل الكهف تبعه بذيله الطويل الذي يكسو نهايته شعر كثيف وجلس وعيناه تلمعان.. تحرك خطوة وخطوة اخرى ثم ظل ساكنا يترقب ولكنه يخشى الإقتراب وحين دحرج اليه قطعة اخرى من الخبز تقدم فقضمها.. وضع رأسه على الوسادة وغط في نوم عميق.. استفاق عند الصبح فوجده ملتفا حول ذيله الطويل كانه وسادة من الشعر. كان يعد الفطور في الفسحة الامامية راى الطائر الازرق يتحرك، تقرب منه ولم يشعر بالخوف وظل ينبش في الارض بحثا عن طعام، اشعل النار وملء القدر ليصنع الشاي ومن ثم، ينزل الى القرية ليتبضغ.. وحين دخل الكهف لحقه الجرذ والطائر الازرق.. ظل هادءا والجرذ منتصب على مؤخرته السمينه والأخر متعجب ينظر ويتلفت دون خوف.

قدم لهما بقايا أرز، الأول لم يتحرك والثاني بدء يلتقط حبات الارز بشهية.. ثم نثر امامهما حزمة من الخضروات وبعض نقيع الخبز وظل الاول ساكنا والآخر بات يلتهم بسرعة، شبع الثاني ولم يأكل الاول ومع ذلك كانا قريبين منه.. خرج الطائر الازرق وحلق بعيدا، اما الجرذ فقد لازمه في الكهف كانه ظله المرتعش الذي يعكسه ضوء الشمعه المتهافت إلا انه غادر الكهف واختفى بين الصخور اسفل التل.

ساد المكان صمت غريب، لم يكن عاديا وتوقع العكس طالما الأجواء تنذر بالعاصفة.. وخلال بضع دقائق اشتعلت الارض بأزيز الرصاص ولم يعد يرى سوى الوميض ينير السهل كله من بعيد..!!

***

د. جودت صالح

قصة من العبث الروائي

5 / 3 / 2026

في نصوص اليوم