اخترنا لكم
أحمد زايد: النزعات اللاإنسانية للعولمة
ما الذى صنعه العالم فى بناء الذات البشرية؟ لقد تحول بشكل سريع إلى عالم معولم، تتقاطع فيه شبكات المال والتجارة والسياسة والاجتماع، وتنداح فى بحره كل يوم أمواج جديدة من التغيرات التكنولوجية والأجندات السياسية والأفكار، كما تموج مياهه بالدينامية والتدفق عبر وسائل الاتصال والمواصلات والتحركات البشرية.
وتضاعفت هذه التغيرات عبر التطور الهائل لتكنولوجيا المعلومات التى صنعت لهذا العالم عالمًا موازيًا تتشكل فيه تفاعلات وشبكات الكترونية تتوازى وتتقاطع مع العالم الواقعى. ولقد تحقق للإنسان مكاسب كثيرة من هذا التحول، رغم أنه كان تحولًا ظالمًا وقاسيًا على الشعوب الفقيرة التى لا يحصل سكانها على نصيب من نتائج هذه التغيرات الهائلة.
ولقد كان من المتوقع أن يحقق هذا التطور الهائل وهذه المكاسب الهائلة للإنسان سعادًة واطمئنانًا، خاصة أن القائمين على شئون العالم قد أدركوا بعد المآسى التى ترتبت على الحربين العالميتين الأولى والثانية، أهمية تأسيس منظمات لتحقيق الأمن والسلم الدولى، وتأكيد القيم الإنسانية للتعددية والتفاهم والتعايش بين الثقافات. ولقد ظلت هذه المنظمات تعمل بطريقة شكلية دون أن يكون لعملها مردود عملى على واقع العالم المعاصر.
ولكن التطور الذى شهدته العولمة لم يتجه إلى هذا الميل الإنسانى، ولم يسر فى طريق تحقيق السعادة. لقد أدى التطور السريع، والبحث الدائم عن تحقيق المصالح الاقتصادية والسيطرة السياسية، أدى إلى أن تتطور العولمة على نحو لا انسانوى. فإذا كان التطور قد رفع من شأن العلم والعقل، وحقق تراكمية اقتصادية كبرى، فإنه وَلَّد على الضفة الأخرى من النهر ميولًا نحو التقوقع داخل الدوائر الضيقة للعرق والسلالة والدين، فظهرت الميول الشعبوية والشمولية والأصولية، وانتشرت الحروب والنزاعات العرقية والثقافية، كما اشتعلت نيران الحروب والعنف المتولد من صور مختلفة من الإرهاب.
لقد مالت الحداثة المعولمة على الانسان ميلة كبيرة فنزعت عنه رداءه الأخلاقى، وأدخلته فى دوائر من سيطرة المصلحة والغريزة واستخدامات العقل لخدمة كليهما، فتحولت سيولة الحداثة وتدفقها المادى إلى لزوجة أخلاقية. ومن المتوقع فى مثل هذا الظرف أن يضمحل كل ما هو اجتماعى، وأن تتغلب «الأنا» على «النحن»، فتتزايد مشاعر الكراهية والخوف.
إن العولمة تمنح العالم فرصة للانطلاق عبر قدراتها على التشبيك ونقل المعلومات والمعارف، ولكنها فى الجانب الآخر تمتص كل ما هو إنسانى، وتحول العلاقات بين البشر الى علاقات مُصفدة، وتفرض فى كل لحظة قوانينها الخاصة، فيتحول العالم الى سجن كبير، ويصبح الانفتاح والتدفق المعلوماتى والمعرفى أدوات للرصد والمراقبة، فيشعر الانسان بأنه فى عالم عنكبوتى تلاحقه الخيوط الشبكية فى كل مكان .
وفى هذا الظرف يتخلق مناخ تنمو فيه النزعات التى تهدر الميول الإنسانية للعمران البشرى، فهى تعمل من ناحية على بناء أُطر للحرية والديمقراطية والاختيار والتعددية، ولكنها تنزع عن كل هذه الممارسات طابعها الإنسانى، فتتحول إلى خطابات فارغة لا معنى لها. وأحسب أن مثل هذه الظروف تفرض على من يعيشون فى كنف النظام المعلوم أن يظهروا لأنفسهم أشكالًا من الوعى بالنزعات اللا إنسانية للعولمة لكى يستطيعوا أن يعيشوا فى كنفها ويستفيدوا من تدفقاتها وشبكاتها. وسوف نحاول أن نرصد فيما تبقى من هذا الحديث عددا من هذه النزعات ونستشرف بعض جوانبها غير المضيئة.
من أولى هذه النزعات العمل على تفكيك السياقات والثقافات المحلية ودمجها عنوة فى الأُطُر العالمية. إن الإنسان المعاصر يحاول أن يلجأ الى الملاذات الضيقة التى تقرها الأعراف والتقاليد المحلية لكى يواجه بها قوى العولمة الطاغية، ولكنه عندما يلجأ الى هذه الملاذات، فإنه يتحصن بها ويتباعد عن الآخرين ويخلق بينه وبينهم مسافات كبيرة ضاربًا عرض الحائط بكل ما هو اجتماعي؛ وتصبح حياته فى حالة صراع وتوتر مع السياقات المحيطة والمختلفة، ويتقلص الإحساس بالأمن والاستقرار فى مقابل تنامى مشاعر الكراهية والخوف والتباعد، إنها حالة عدم اليقين التى تتوه فيها الأهداف وتتعدد فيها مسارات التوهان والانفلات.
ومن الناحية الأخرى فإن العولمة تصنع أدواتها الخاصة فى الهيمنة وفرض الوصاية والتبعية. وتتحول هذه الأدوات الى آلات ضاغطة على الإنسان المعاصر، باعثة على نزع مزيد من جوانب حياته الإنسانية. من أولى هذه الآلات آلة السياسة، التى تفرض صيغًا جديدة من الهيمنة، وتجعل آلة الحرب والتهديد والوعيد واستعراض القوة أدوات لفرض إرادة القوى على الضعيف، وفتح الطريق نحو ممارسات غير نظامية وغير عرفية.
هنا تصبح آلة الحرب وما يحيط بها من أدوات للقسر والدمار وسيلة سهلة ومفضلة لا تعرف قوانين العقل والرشادة بقدر ما تعتمد على قوانين الغريزة والمشاعر الفطرية والبدائية. وتنضاف إلى هذه الآلات آلة الاقتصاد. لقد أصبح الاقتصاد المعولم أكثر ارتباطًا بالسياسة وما تفرضه من حروب وصراعات. فالصراعات والحروب تعمل على خلق ارباكات لخطوط الإمداد وسلاسل القيمة الأمر الذى يفرض ضغوطًا كبيرة على الدول الأفقر والأقل نموًا.
ولا يقتصر الأمر على ذلك بل تتحول الحروب السياسية فى كثير من الأحيان إلى حروب اقتصادية تعتمد مبادئ المقاطعة وفرض العقوبات على الدول والمؤسسات والأفراد. وهنا تتفاعل آلة الاقتصاد مع آلة السياسة مع آلة الحرب لتحول العالم الى آتون للخوف والرعب وعدم الأمن وعدم الاستقرار.
ولا يمكن أن ننهى هذا الحديث دون أن نشير الى ما تنتجه العولمة من نزعات فكرية متطرفة. فقد أنتجت فى تاريخها نزعات فى غاية التطرف بدأت بالنازية والفاشية والشمولية قرب منتصف القرن الماضى، ومرورًا بالنزعات الأصولية ذات الطابع الدينى فى الربع الأخير من القرن العشرين، وانتهاءً بنمو النزعات الشعبوية فى بدايات القرن الحالى وحتى الآن.
ولا شك فى أن هذه النزعات الأيديولوجية التى تحمل غضبًا سلبيًا تجر العالم إلى ظلمات التطرف والإرهاب وتُفقِد العالم قدرته على صناعة التعايش والسلام، وتجعل العالم قادرًا على إنتاج قيم التباعد والشك والكراهية والخوف أكثر من قدرته على إنتاج قيم التعددية والثقة والتعايش.
***
د. أحمد زايد
عن جريدة الاهرام القاهرية، يوم: السبت 6 من ذي الحجة 1447 هــ 23 مايو 2026 السنة 150 العدد 50937







