عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

اخترنا لكم

مراد غريبي: الإنسان بين الاختزال والمعنى

قراءة في أطروحة الأستاذ زكي الميلاد

مدخل: لا تكمن صعوبة الإنسان في أنه مُعقَد، بلُّ في أننا نميلُّ، كلما أردنا فهمه إلى تبسيطه (أننا نميلُّ إلى تبسيط كلُّ ما أردنا فهمه… (أكثرَّ مماَ يَّنبغي، وهذه المفارقة هي التي تعود إليها دراسة الأستاذ زكي الميلاد المنشورة على صفحات هذه المجلة، والموسومة بعنوان:

«الإنسان والطبيعة الإنسانية بين منظوريَّن»(1)، لا بوصفها مجرَّد عرَّض لنظرَّيَّات نفسية متجاورة، بلُّ بوصفها سؤالًا عن حدّ التفسير ذاته، متى يَّصبح التفسير إضاءة، ومتى يَّنقلب إلى اختزال؟ وهنا بالضبط تبدأ أهمية النص، لأنه لا يَّناقش الإنسان بوصفه موضوعاً خارجاً عناّ، بلُّ باعتباره الكائن الذي تتقاطع فيه الدوافع والمعاني، الرَّغبات والقيود، الفطرَّة والانحرَّاف.

أطرَّوحة الأستاذ الميلاد تقوم على فكرَّة بسيطة في ظاهرَّها، شديَّدة التركيب في عمقها. الإنسان لا يَّفُهم فهماً كافياً إذا حُصر في دافع واحد، سواء كان اللذَة أو التفوُق

 أو المعنى. هذه الفكرَّة تبدو أول الأمرَّ دفاعاً أخلاقيًا عن صورة مرَّكَبة للذات البشريَّة، لكنها سرعان ما تكشف أنها أكثرَّ من ذلك، كونها نقد لطرَّيَّقة في النظرَّ إلى الإنسان، طرَّيَّقة تميلُّ إلى تحويَّلُّ البعُد الجزئي إلى صورة كلية، ثم تتصرَف كما لو أن الكلُّ قد اكتملُّ. لذلك فإن الدراسة المقصودة تتجاوز مقام «الشرح» إلى مقام «المساءلة»، لأن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا قال فرَّويَّد وأدلرَّ وفرَّانكلُّ؟ بلُّ أيَّضاً: هلُّ يَّكفي أن نلخّصهم بهذه الطرَّيَّقة لنقول: إننا فهمناهم؟

والجديَّرَّ بالذكرَّ أن اختيار الأستاَذ زكي الميلاد لهذه الثلاثية ليس اعتباطًا، فالفرَّويَّديَّة تمُثلُِّ لحظة مرَّكزيَّة في جعلُّ اللذة مفتاحاً لفهم السلوك، والأدلرَّيَّة تنقلُّ النظرَّ من النقص إلى التعويَّض والسًعي إلى التفوُق، أما فرَّانكلُّ فيفتح أفقاً ثالثاً يجعلُّ المعنى لا مجرََّد قيمة نفسية، بلُّ شرطا للنجاة الوجوديَّة نفسها. وهكذا، فإن هذه الدراسة تسير من التفسير الغرَّيَّزي إلى التفسير التعويَّضي، ثمَُ إلى التفسير الوجودي. لكن هذا التدرَج، على أناقته التنويَّرَّيَّة، يخفي سؤالًا أدق: هلُّ نعرَّض هذه النظرَّيَّات بوصفها أنساقاً فكرَّيَّة كاملة، أم بوصفها مجرََّد علامات كبرى على مسار طويَّلُّ؟

هنا تظهرَّ أولى نقاط التحفُظ المنهجي، فحين نختصر فرَّويَّد في اللذَة، وأدلرَّ في الشعور بالنقص، وفرَّانكلُّ في إرادة المعنى، فإننا نرََّبح وضوحاً سريَّعاً، لكننا نخسر شيئاً من كثافة النظرَّيَّات نفسها، ففرَّويَّد لا يَّقوم على اللذة وحدها، بلُّ على اللاشعور والصراع وآليات الدفاع والتمثيلُّ الرَّمزي. أيَّضاً أدلرَّ لا يخُتزل في التعويَّض، لأنه يَّرَّبط الدافع بأسلوب الحياة والاهتمام الاجتماعي والغايَّة الشخصية. أما فرَّانكلُّ، فإن إرادة المعنى لديَّه ليست مجرَّد رغبة في الاكتمال النفسي، بلُّ موقف وجودي يجعلُّ الإنسان قادرًا على أن يَّتحمَلُّ الألم من داخلُّ معنى يختاره أو يَّكتشفه. بالتالي، المشكلة لا تكمن في اختيار هذه الأسماء، بلُّ في أن طرَّيَّقة تقديَّمها قد تميلُّ أحياناً إلى تبسيطٍ يَّقترب من الاختزال، حيث هذا التمييز بين التبسيط والاختزال حاسم، فالتبسيط أداة شرح، أما الاختزال فادِعاء إغلاق. والتبسيط يَّفتح الباب للفهم، والاختزال يَّغلقه باسم الفهم.

على أساس ما سبق، فإن أيَ قرَّاءة جادَة لأطرَّوحة الأستاذ الميلاد يَّنبغي أن تسأل: هلُّ هو يَّبسّط النظرَّيَّات لتقرَّيَّبها من القارئ، أم إنه يحُوِلها إلى عناويَّن تختزلها أكثرَّ مما تحتملُّ؟ هذا السؤال ليس فرَّعيًا، فمن يَّرَّيَّد أن يَّنقد الاختزال لا يَّنبغي أن يَّمارس اختزالًا موازيَّاً له، ولو بحسن نيَة .

ومن جهة أخرَّى، تذكّرَّنا الدراسة، من حيث لا تقول ذلك صراحة، بأن العلوم النفسية الحديَّثة نفسها لم تقف عند حدود الدوافع الأحاديَّة. فسيليغمان، مثلاً، حين انتقلُّ إلى علم النفس الإيجابي، لم يَّعد يَّسأل فقط: ما الذي يخُفِف المرَّض؟ بلُّ: ما الذي يجعلُّ الحياة مزدهرَّة؟ هنا يَّتبدَل السؤال من التشخيص إلى البناء، ومن العجز إلى الرَّفاه، ومن النقص إلى عناصر الحياة الجيدة: الانخرَّاط، والعلاقات، والمعنى، والإنجاز، هذه النقلة مهمة لأنها تكشف أن مقاومة الاختزال ليست مجرَّد مطلب قرَّآني أو فلسفي، بلُّ تحوُلًا داخلُّ العلم نفسه.

 معنى هذا أن أطرَّوحة الأستاذ زكي الميلاد، في مستواها الأول، لا تقف فقط عند حدود النقد النفسي، بلُّ تفتح سؤالًا أوسع: كيف نفهم الطبيعة الإنسانية من دون أن نحبسها في وظيفة واحدة أو دافع واحد؟ هذا هو السؤال الذي سيقودنا إلى مستوى أعمق، حيث لن يَّكون الأمرَّ مجرََّد مقارنة بين مدارس نفسية، بلُّ مساءلة للبنية التي تجعلُّ الإنسان، في النهايَّة، أكثرَّ من مجموع دوافعه.

حينئذٍ لا يَّعود الأمرَّ مجرَّد مقارنة بين ثلاثة أسماء كبيرة في تاريَّخ علم النفس، بلُّ يَّصير مساءلة لطرَّيَّقة تصوَر الإنسان نفسه: أهو كائن تحرَّكه اللذَة؟ أم الذي يَّنهض من شعور بالنقص؟ أم الذي يَّعيش ليمنح حياته معنى؟ هذه الأسئلة ليست متجاورة فقط، بلُّ متداخلة؛ لأنها تكشف أن الإنسان الحديَّث لم يَّعد يَّفُهم من خلال وحدة بسيطة، بلُّ من خلال شبكة من الدوافع والمتطلبات والمواقف التي تتقاطع فيه وتتجاذبه، وهذا بالضبط ما يجعلُّ تمثلُّ ثلاثية فرَّويَّد وأدلرَّ وفرَّانكلُّ أكثرَّ من مجرَّد تصنيف معرَّفي؛ إنها تعبير عن تاريَّخ طويَّلُّ من التوترُّ بين تفسير الإنسان بوصفه موضوعاً طبيعيًا، وتفسيره بوصفه ذاتاً تبحث عن سبب لوجودها .

 ثلاثية الدافع الإنساني

عندما نقرَّأ فرَّويَّد في ضوء أطرَّوحة الأستَاذ الميلاد، نجد أنفسنا أمام لحظة تأسيسية في فهم الدافع الإنساني، لحظة جعلت من اللذة مفتاحاً أوليًا لتفسير كثير من السلوك، غير أن قيمة فرَّويَّد لا تختزل في هذا المفتاح، لأن مشروعه أوسع من ذلك: إنه يَّسعى إلى الكشف عن البنية اللاشعوريَّة التي تشتغلُّ تحت سطح الوعي، وعن الصراع بين الرَّغبات والموانع، وعن الحيلُّ التي تبني بها الذات صورتها عن نفسها. ففي تقديَّرَّي، إن اختزال فرَّويَّد في اللذَة وحدها قد يَّكون عمليًا في العرَّض، لكنه يَّضعف التعقيد النظرَّي الذي يَّمُيزِ مشروعه. وهنا يَّظهرَّ أول فرَّق بين التبسيط المفيد والاختزال المخلّ: الأول يختصر من أجلُّ الفهم، أما الثاني فيختصر حتى يَّغُلق .

ويَّنطبق الأمرَّ نفسه على أدلرَّ، فحين يَّقُدَم بوصفه منظّرًَّا للتفوُق أو للتعويَّض عن النقص، يَّبدو وكأنه يَّرَّدّ الإنسان إلى جرَّح نفسي واحد يَّدفعه إلى البحث عن مكانة أعلى. بينما أدلرَّ، في الحقيقة، يَّرَّبط الدافع الإنساني بأسلوب الحياة، وبالاهتمام الاجتماعي، وبالقدرة على إعادة تنظيم الذات داخلُّ العالم، وهو بهذا يَّقترب من سؤال ترَّبوي وأخلاقي بقدر ما يَّقترب من سؤال نفسي. فالسعي إلى التفوُق ليس عنده مجرََّد تعويَّض عن ضعف، بلُّ محاولة لبناء نمط حياة أكثرَّ اتسِاقاً مع الذات ومع الآخرَّيَّن. وهذا الَتَفصيلُّ مهم لأن أطرَّوحة الأستاذ الميلاد، وهي تحاول نقد الاختزال، تحتاج بدورها إلى ألا تختزل هذه النظرَّيَّة في ظاهرَّها الخاطف .

أما فرَّانكلُّ، فهو الحلقة الأكثرَّ قرَّباً من الإشكال الذي تعالجه الدراسة. فإرادة المعنى عنده ليست رغبة في الإشباع، ولا مجرََّد تعويَّض عن نقص، بلُّ هي صياغة جديَّدة لسؤال الإنسان نفسه: كيف يَّظلُّ المرَّء إنساناً حين يَّتعرََّض للحصار والألم والفرَّاغ؟ هنا يَّنتقلُّ علم النفس من تفسير ما يَّدفعنا إلى تفسير ما يحمينا من السقوط في العبث. وهذا هو المعنى العميق للمنظور الوجودي: أن الإنسان لا يَّفُهم فقط بما يَّطلبه، بلُّ بما يَّقدر على احتماله، وبما يَّصنعه من الألم، وبما يَّستخرَّجه من التجرَّبة من معنى .

 بين التبسيط والًاختزال

 الحدُ المنهجي للأطرَّوحة يَّظهرَّ كيف الثلاثية مفيدة، بلُّ ضروريَّة، لكنها تصبح مشكلة إذا تحوَلت إلى تمثيلُّ نهائي لتاريَّخ الفكرَّ النفسي. التبسيط هنا ليس خطأ، أما الاختزال فهو موضع النقد، حيث التبسيط يَّضع المدخلُّ في متناول القارئ، أما الاختزال فيغلق الفضاء ويَّقول لنا: إننا دخلنا كلُّ الفضاء. ولذلك يَّنبغي قرَّاءة الأستاذ الميلاد بوصفه يَّمارس تبسيطاً معرَّفيًا مشروعاً في خطوطه العامة، لكنه يحتاج إلى مزيَّد من التدقيق حتى لا يَّبدو كما لو أنه يَّعُيد عرَّض النظرَّيَّات عبر شعاراتها الأساسية فحسب .

ومن المفارقة أن هذا الإشكال لا يخص الدراسة وحدها، بلُّ يَّلامس أيَّضاً الفكرَّ النفسي المعاصر كله. فحين انتقلُّ سيليغمان إلى علم النفس الإيجابي، كان يَّفعلُّ شيئاً قرَّيَّباً من هذا النقد: يَّرَّفض أن يَّبقى الإنسان موضوعاً للعجز والمرَّض فقط، ويَّقترح أن نفهمهأيَّضاً من خلال شروط الازدهار، ثم صارت الحياة الناجحة في هذا المنظور بناءً مرَّكَباً يَّقوم على الانخرَّاط، والعلاقات، والمعنى، والإنجاز، بدل أن تكون مجرََّد تخلص من الألم، وهذه النقلة بالذات تعُمِق الفكرَّة التي تشتغلُّ عليها الدراسة: أن الإنسان لا يخُتزل في واحدة من حرَّكاته الداخلية، بلُّ يَّعيش في توترُّ بين ما يَّنقصه وما يحُقِق به نفسه .

 الطبيعة الإنسانية بين الوجود والمعنى

إذا خرَّجنا من دائرَّة النقد النظرَّي إلى أفق أوسع، فإن الطبيعة الإنسانية تتبدَى في ضوء علم النفس الوجودي بوصفها شيئاً آخرَّ غير ما تقترحه النظرَّيَّات الغرَّيَّزيَّة أو التعويَّضية وحدها. الإنسان هنا ليس مجرَّد كائن تحُرِّكه الدوافع، بلُّ ذات تعيش داخلُّ أسئلة الحرَّيَّة والمسؤولية والقلق والمصير، والتحوُل ليس مجرَُّد انتقال في اللغة، بلُّ في الصورة الكلية للإنسان. فبدل أن نسأل: ما الذي يجعله يَّفعلُّ؟ نسأل: كيف يَّواجه وجوده؟ وبدل أن نتصوَر النفس كحقلُّ من المطالب، نكون أمام كائن يَّواجه عدم اليقين ويحاول أن يَّبني معنى وسط التهديَّد .

في هكذا الأفق، يَّصبح فرَّانكلُّ أكثرَّ من مجرَّد مرَّجع نفسي؛ إنه شاهد على أن الإنسان قد يَّنجو من الانكسار حين يَّظلُّ قادرًا على إنتاج معنى. ولذلك فإن الطبيعة الإنسانية، في القرَّاءة الوجوديَّة، ليست جوهرًّا صلباً ولا آلة بيولوجية، بلُّ إمكان مفتوح يَّتشكَلُّ داخلُّ التجرَّبة، وبالتالي هذه النقطة تلتقي بعمق مع الرَّؤيَّة القرَّآنية، لا على مستوى التطابق الاصطلاحي، بلُّ على مستوى الفكرَّة الكبرى: الإنسان ليس منتهياً عند شهوته، ولا مكتملاً في نقصه، بلُّ هو كائن يَّبُتلى ويخُتبر ويَّدُعى إلى أن يَّستجيب لما هو أعلى من مجرََّد الميلُّ.

 الإنسان في القرآن

في القرَّآن، لا يَّظهرَّ الإنسان كنسخة ديَّنية من «الذات النفسية» الحديَّثة، بلُّ بوصفه كائناً ذا فطرَّة، أي ذا استعداد أصيلُّ نحو الحق والمعرَّفة والخير. وهذه الفطرَّة، كما توُضِحه الدراسات المعاصرة في هذا المجال، ليست كمالًا فعليًا، بلُّ قابلية أولى تفتح الإنسان على التوجُه إلى الله وعلى الاعتراف بالمعنى، مع بقائه قابلاً للانحرَّاف إذا فسدت وجهته أو تشوَهت بيئته أو انحرَّفت إرادته. كما أن الفطرَّة ليست تبريَّرًّا ساذجاً لخير طبيعي مطلق، بلُّ إطارًا يَّفُسِر لماذا يَّكون الإنسان مسؤولًا: لأنه مهيَأ للخير، لكنه غير مضمون فيه .

وهنا تأتي ثلاثية الأستاذ زكي الميلاد القرَّآنية: الكبر، وحب التملك والخلود، والحسد. وهذه ليست مجرَّد صفات أخلاقية منفصلة، بلُّ مفاتيح لفهم ما يحدث عندما يَّبتعد الإنسان عن فطرَّته .

الكُّبر: هو رفض الاعتراف بالحد .

حب التملك والخلود: هو التورُط في وهم السيطرَّة على العالم والزمن.

الحسد: هو انهيار العلاقة بالآخرَّ حين يَّتحوَل حضوره إلى تهديَّد.

عبر هذه القرَّاءة تصبح القصص القرَّآنية، من إبليس إلى آدم إلى قابيلُّ وهابيلُّ، تشريحاً رمزيًّا لانحرَّاف النفس من الداخلُّ، لا مجرََّد سرد لأحداث سابقة، حيث يَّلتقي التحليلُّ النفسي بالتحليلُّ القرَّآني: كلاهما يَّرَّفض سطح السلوك ويَّبحث عن الجذر. لكن الفارق بينهما جوهرَّي، لا شكلي، النص القرَّآني ليس نظرَّيَّة نفسية تجرَّيَّبية، بلُّ أفق هدايَّة وتأصيلُّ، يَّشتغلُّ على الإنسان من جهة الفطرَّة والتكليف والابتلاء والاستحلاف.

 لذلك لا يَّنبغي أن نسُرع إلى تحويَّلُّ هذا الأفق إلى نموذج نفسي مباشر؛ لأن ما يَّتيحه القرَّآن هو أساس أنثرَّوبولوجي وأخلاقي، أما تحويَّله إلى بناء نظرَّي فيحتاج إلى وسائط: مفاهيم، تحليلات، ونقاشات منهجية جوهرَّيَّة مع العلوم الحديَّثة. مما يَّبُرز أهمية التمييز بين الاستلهام والاستنباط والبرهنة. فالاستلهام يَّلتقط الاتجاه العام، والاستنباط يحُدِد الدلالة، والبرهنة تثبت إمكانية إدراج هذه الدلالة داخلُّ نسق معرَّفي محكم .

 آفاق النظرية

مما تقدَم تتكشف قيمة مزج الأستاذ الميلاد بين القرَّآن وعلم النفس الوجودي، فالنص القرَّآني يَّمنحه أفقاً تأصيليًا، وعلم النفس الوجودي يَّمنحه تأويَّلُّ لغوي للحرَّيَّة والمعنى والمسؤولية، لكن هذه الآفاق لا يَّنبغي أن تتحوَل إلى قفزة؛ لأن القفزة تمحو الفرَّوق بدل أن تنُظمِها، الأفضلُّ أن نقول: إن القرَّآن يَّقدّم صورة عن الإنسان بوصفه مخلوقاً ذا فطرَّة ومسؤولية، فيما يَّبيّن علم النفس الوجودي أن الإنسان يَّصوغ نفسه في مواجهة القلق والحدود. وبين الصورتين حوار قوي، لكنه ليس هويَّة كاملة .

ثمتزداد الصورة وضوحاً إذا استحضرَنا داماسيو؛ لأن حديَّثه عن الجسد والعاطفة والوعي يَّذكّرَّنا بأن الإنسان ليس عقلاً مُعلقاً فوق العالم، ولا روحاً منفصلة عن مادته، بلُّ كائن مُتجسِد تنكشف ذاته عبر ما يَّشعرَّ به وما يَّقصده وما يَّعيشه. وهذا مهم جدًا في سياق النقد الذي نحن بصدده؛ لأن أيَ تصوُر يختزل الإنسان في دافع واحد يَّنسى أن الدافع نفسه لا يَّعملُّ في فرَّاغ، بلُّ داخلُّ جسد وتجرَّبة وذاكرَّة وعلاقة، يَّعني لا يَّصبح الاختزال مجرََّد تبسيط مخلٍُّ، بلُّ خطأ في التصوُر نفسه.

كما تفُيد هنا نظرَّيَّة التحديَّد الذاتي التي تجعلُّ من الاستقلالية والكفاءة والانتماء ثلاث حاجات أساسيةَ لنمو الإنسان، هذه النظرَّيَّة تساعدنا على فهم لماذا لا يَّكفي أن نختزل الإنسان في اللذة أو في النقص أو حتى في المعنى وحده، لأن ثمّة أيَّضاً الحاجة إلى أن يَّشعرَّ الإنسان بأنه فاعلُّ، وأنه قادر، وأنه منتمٍ. وهذه الأبعاد كلها تكشف أن الطبيعة الإنسانية أوسع من أي صيغة أحاديَّة، وأن قيمتها ليست في البساطة، بلُّ في القدرة على التداخلُّ بين مختلف مستويَّاتها.

 المستخلص

تصلُّ قرَّاءتي لأطرَّوحة الأستاذ زكي الميلاد، في ضوء ما سبق، إلى نتيجة مزدوجة: فهي من جهة دراسة جادَة ومهمّة، لأنها تعُيد السؤال عن الإنسان إلى موقعه الأول، أي إلى المفصلُّ الذي تتقاطع فيه النفس والمعنى والأخلاق والفطرَّة. ومن جهة أخرَّى كونها دراسة تحتاج إلى مزيَّد من الصقلُّ المنهجي، لا لأنها ضعيفة، بلُّ لأنها طموَحة؛ وكلُّ طموح تأصيلي كبير يَّظلُّ مُهدَدًا بأن يَّتجاوز حدوده الأدواتية إذا لم يَّضُبط بدِقة.

كما لا تغفلُّ عن أن القيمة الأساسية هنا ليست في أنها قدَمت إجابة نهائية، بلُّ في أنها أعادت فتح السؤال: ما الإنسان؟ وهلُّ يَّقُرَّأ من دافعه، أم من معناه، أم من توترَُّه بين الفطرَّة والانحرَّاف؟

نجحت الدراسة، أولًا، في مقاومة النزعة الاختزالية التي هيمنت طويَّلاً على بعض التصوُراتَ الحديَّثة للذات الإنسانية، حيث تذكّرَّنا بأن الإنسان لا يَّفُهم فهماً كافياً إذا حُصر في اللذة أو التفوُق أو حتى المعنى المجرَّد. وهذا في ذاته موقف مهم؛ لأن الفكرَّ الحديَّث كثيرًا ما وقع في إغرَّاء التفسير الواحد، بينما الإنسان، في الواقع، كائن يَّتجاوز أي مفتاح أحادي .

كما تنجح الدراسة، ثانياً، في وصلُّ النفس بالأخلاق، وهو وصلُّ ضروري؛ لأن السلوك الإنساني لا يَّبُنى على البنية النفسية وحدها، بلُّ على الوجهة التي تمنح هذه البنية معناها .

وتنجح، ثالثاً، في إعادة إدخال البعد الرَّوحي والحضاري إلى سؤال الطبيعة الإنسانية، وهو ما يَّمنحها قيمة خاصة في سياق عرَّبي يحتاج إلى تجاوز التفسيرات الوظيفية الضيقة.

غير أن هذه القوة نفسها تكشف حدودًا يَّنبغي التنبَه لهُا، فالتقديَّم المختصر للنظرَّيَّات النفسية، على وجاهته المعرَّفية، يحتاج إلى مزيَّد من التوغلُّ حتى لا يَّبدو وكأن فرَّويَّد وأدلرَّ وفرَّانكلُّ مجرََّد عناويَّن متجاورة. كما أن الانتقال من الرَّؤيَّة القرَّآنية إلى الصياغة النظرَّيَّة يحتاج إلى وضوح أكبر في التفرَّيَّق بين الاستلهام والاستنباط والبرهنة؛ لأن الفارق بين هذه المستويَّات ليس لفظيًا، بلُّ هو الذي يحُدِد ما إذا كان النص قد بنى مفهوماً أم اكتفى بإيحاء تأويَّلي.

 أضف لذلك الحوار مع علم النفس الوجودي، ومع سيليغمان، وداماسيو، ونظرَّيَّة التحديَّد الذاتي، يَّمكنه أن يَّكون أوسع قليلاً، لا لإحلال هذه المرَّجعيات محلُّ الرَّؤيَّة القرَّآنية، بلُّ لتقويَّة الحجة، وإظهار أن نقد الاختزال ليس مطلباً خاصًا بتصوُر دون آخرَّ، بلُّ أفقاً معرَّفيًا تشترك فيه حقول مُتعدِدة.

بكلُّ أمانة، يَّمكن القول: إن أطرَّوحة الأستاذ زكي الميلاد لا تنتمي إلى النصوص التي تقُرَّأ ثم تطُوى، بلُّ إلى النصوص التي تحُدث أثرًّا؛ لأنها تضع القارئ أمام سؤال لم يَّعد سهلاً: هلُّ الطبيعة الإنسانية بنية ثابتة، أم مجال متوترَِّ بين الفطرَّة والشرط، بين الحرَّيَّة والمسؤولية، بين المعنى والمحنة؟ وهذا بالضبط ما يَّمنح الدراسة قيمتها الأعلى: إنها لا تدّعي أنها أغلقت السؤال، بلُّ تذكّرَّنا بأن كلُّ إغلاق للإنسان هو في ذاته نوع من سوء الفهم، وإذا كان ثمَة تقييم نهائي لها، فهو أنها تملك من القوة الفكرَّيَّة ما يجعلها جديَّرَّة بالنقاشات.

***

ا. مراد غريبي - كاتب وباحث من الجزائر

عن مجلة الكلمة، العدد 131، ربيع 2026م /7144هـ، السنة الثالثة والثلاثون، ص94 - 113.

في المثقف اليوم