عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

صائب المختار: هل للطائفية جذور في المجتمع العربي والإسلامي

هناك اعتقاد شبه راسخ في الفكر العربي بأن الطائفية لها جذور عميقة في التاريخ العربي والإسلامي مما يوحي بإن الفكر الطائفي والمذهبي متجذّر في المجتمع العربي. وإن هناك العديد من أفراد المجتمع العربي والإسلامي يعتقدون جازمين بأن جذور الطائفية المذهبية عميقة في المجتمع العربي والإسلامي، وإن هذه الجذور وجدت منذ بدايات التاريخ الإسلامي. فمثلاً، يعتقد البعض أن جذور الطائفية قد ترجع إلى حادثة سقيفة بني ساعدة التي حدثت بعد وفاة الرسول (ص). والحقيقة إن كل هذه الآراء والمعتقدات غير صحيحة ولا تتماشى مع الوقائع التاريخية. وأنها في الحقيقة أحداث ودوافع سياسية، ليست دينية ولا مذهبية، وإنما هي فُرضت على المجتمع العربي، وصدّقها العقل العربي، وأخذ يتعامل بها على أساس أنها جزء من تكوين المجتمع الإسلامي.

وقد لا يختلف اثنان على ما وصل إليه المجتمع العربي في الوقت الحالي من تشظّي وفرقة بين أفراد المجتمع، وما وصل إليه العرب من وضع متردي ومزرى، متمثلاً بانتشار واضح للطائفية والمذهبية والتعصب المفرط، مما جعل المنطقة تعيش أحداثاً جسيمة اتصفت بالكراهية وانتشار العنف والقتل. ويمكن القول بإلقاء الّلوم على أفراد المجتمع العربي أنفسهم، وذلك لأنهم أصبحوا يعتنقون ويتعاملون بالأفكار الطائفية المتشددة تجاه أفراد شعبهم من المذاهب المخالفة لعقيدتهم، وليس فقط التعلل بالاستعمار الذي بذر بذور الفكر الطائفي في المجتمع العربي.  ويمكن أيضاً تفسير ظاهرة تعامل أفراد المجتمع العربي بالأفكار الطائفية بأنها نتيجة لسيطرة أفكار الكراهية والتطرّف والعنف على سلوك الفرد في المجتمع العربي وتغلغلها في عقول الناس فتحولت ثقافة المجتمع من ثقافة التسامح إلى ثقافة التهميش والإقصاء. 

وإذا لم تكن الطائفية أو المذهبية المتشددة متجذرة في الفكر العربي أو الإسلامي، فمتى نشأت وكيف ظهرت في المجتمع العربي الإسلامي، ولماذا وصلت إلى مراحل قياسية ومتقدمة من العنف والانتشار؟

ما المقصود بالطائفية والفكر الطائفي

على الرغم من الانتشار الواسع لمصطلح الطائفية وكثرة تداوله بين أفراد المجتمع العربي إلاّ أن هناك بعضاً من عدم وضوح في المعنى الحرفي للمصطلح عند أفراد المجتمع العربي. فقد نرى البعض يتكلم أو يتصرف بفكر طائفي من دون أن يشعر بذلك، بحيث أنه عندما يواجه بكونه طائفياً فإنه سينزعج وينفي علاقته بالطائفية، ولو كان يعي المعنى في مصطلح الطائفية لأبتعد عنها.

وقد تتفق بعض المراجع الثقافية على تعريف الطائفية بأنها "ظاهرة اجتماعية وسياسية تقوم على الانحياز المفرط والتعصّب الأعمى لجماعة دينية أو مذهبية محددة"، وهذا التعريف يشير إلى الانتماء المتعصّب أو الولاء المفرط لطائفة دينية أو لمذهب معين فقط دون أن يشمل التعرض للرأي الآخر الذي يمثل العامل المهم والحاسم في معنى الطائفية. وفي الحقيقة فإن هذا التعريف هو مجرد حديث ثقافي فلسفي لا يتماشى مع الواقع ولا مع ما يحدث في الواقع. إن مجرد دفاع فرد عن طائفته أو دينه أو مذهبه، حتى لو كان دفاعاً متشدّداً ومفرطاً، لا يضعه في مفهوم الطائفية المقيتة طالما كان دفاعه محصوراً في مجال إيمانه بدينه أو مذهبة ولا يعتدي على أفكار ومعتقدات الطوائف الأخرى. وعلى ذلك فالطائفي هو من يهاجم ويزدري وينتقص من احترامه للمذاهب الأخرى، خصوصاً المخالفة لعقيدته، بهدف تهميشهم وإقصاءهم من المجتمع. وليس الطائفي هو من يدافع عن دينه أو مذهبه ولا يتعرض للمذاهب الأخرى. فعلى سبيل المثال؛ المسلم يدافع عن الإسلام والمسيحي يدافع المسيحية، ومثلهم اليهودي والسني والشيعي. وكل هؤلاء لا يكونوا طائفيين إلاّ عندما يستهدفوا ويحاربوا الطائفة الأخرى التي تخالف دينهم أو معتقدهم. وإذا حدث ذلك الازدراء، فإن الطائفة الأخرى سترد عليهم، فتنشأ الكراهية والتفرقة بين أفراد المجتمع، وقد تؤدي إلى الاقتتال بينهم. والعبرة هنا؛ أن تفتخر بدينك أو مذهبك فقط، دون أن تتعرّض للرأي الآخر، فهو مقبول، لكن أن تزدري وتنتقص من اعتقاد أو مذهب غيرك من الناس فهذا فكر طائفي بغيض مشحون بالكراهية ضد المذاهب أو الطوائف الأخرى ويحب تجنبه والابتعاد عنه.

هل هناك جذور للطائفية في التاريخ الإسلامي

يمكن اتخاذ أحداث من التاريخ الأوروبي كوسيلة قياس لإثبات ما إذا وجدت أفكار طائفية أو حروب أو معارك طائفية في التاريخ الإسلامي أم لا. وذلك لأن هناك أحداثاً حدثت في التاريخ الأوروبي الوسيط والحديث جسّدت مثالاً نموذجياً لمفهوم الحروب الطائفية الدينية واستعمال الفكر الطائفي في المجتمعات البشرية. من الأمثلة المشهورة والمعروفة ما ارتكبه الصليبيون من جرائم عندما احتلوا مدينة القدس اثناء الحملة الصليبية الأولى (عام 1099م). فقد قتلوا كل من كان في المدينة من رجال ونساء وأطفال وشيوخ وبوحشية رهيبة، مدفوعين بكراهيتهم للمسلمين، وباعتقادهم بأن المسلمين اغتصبوا منهم مدينة القدس، وبإيمانهم بأنهم سيكافئون بالجنة إذا قتلوا المسلمين الأشرار. ولا بد من ذكر ما فعله الإسبان باليهود والمسلمين بعد أن استعادوا الأندلس فهجّروا وعذّبوا وقتلا كل من بقي في الأندلس من يهود ومسلمين. وخير مثال يمكن ذكره للتعبير عن الطائفية المذهبية هو حروب الكاثوليك ضد البروتستانت التي استمرت ثلاثون عاماً، قتل فيها ما يقرب من ثمانية مليون مسيحي معظمهم من البروتستانت. وقد حدثت هذه الحروب نتيجة التعصّب الطائفي الكاثوليكي عندما اعتبروا البروتستانت طائفة خارجة عن مذهبهم الأساسي للمسيحية فكفّروهم وأهدروا دمائهم.

وفي التاريخ الحديث، ما زلنا نذكر حروب الصرب الأرثوذوكس المتطرّفين على مسلمي البوسنة والهرسك وما فعلوه من جرائم تطهير عرقي يندى لها الجبين مع ملاحظة السكوت التام للدول الأوروبية على تلك الجرائم ومحاولة تغطيتها والتقليل من أهميتها.

لو استذكرنا التاريخ الإسلامي منذ بداياته ولغاية سقوط الدولة العثمانية، وبحثنا عن حروب ومعارك أو أفكار توصف بالطائفية المذهبية، فإننا سوف لن نعثر على أحداث مشابه لما ذكر أعلاه في التاريخ الأوروبي. وستُذكر الأندلس كمثال نموذجي ساطع للتسامح الديني والمذهبي خلال مسيرة التاريخ. في السنين الأخيرة من عمر الدولة الأموية والدولة العباسية عندما ظهر فقهاء الدين الكبار المعروفين والمشهورين، كانوا مثالاً جيداً للتسامح المذهبي واحترام الرأي الآخر، ولم يظهر الفكر الطائفي عند أي منهم بل على العكس كانوا يكنّون الود والاحترام بعضهم للبعض.

من المعارك الكبرى التي حدثت في التاريخ الإسلامي ووصفت بأنها طائفية هي: معارك الجمل وصفين والنهروان. وفي الحقيقة، فهي معارك لا يمكن وصفها بالمذهبية أو الطائفية لأن المذاهب السنية والشيعية لم تكن قد وجدت بعد خلال تلك الحقبة الزمنية، بالإضافة إلى إن الصراع كان حول الخلافة، أي بين مبايعي الخليفة وبين من رفضوا البيعة، لذلك فهو صراع سياسي. من هنا يتبين الخطأ في التفسير والتأويل للتعبير عن هذه المعارك.

ومن الأخطاء الشائعة أيضاً، توصيف الصراع الصفوي العثماني بأنه صراع مذهبي / سني شيعي. ولتأكيد خطأ هذا الاعتقاد فإن معظم المصادر التاريخية الموثوقة تجمع على إنه صراع سياسي بامتياز، وإنه ليس صراعاً مذهبياً. فعندما تأسست الدولة الصفوية على يد الشاه إسماعيل الصفوي عام 1501م، الذي فرض المذهب الشيعي في بلاد فارس بدلاً من المذهب السني الذي كانت تعتنقه البلاد، ثم احتلال الصفويون للعراق عام 1508م، فإن سلاطين الدولة العثمانية لم يحركوا ساكناً تجاه نشر التشيع في بلاد فارس ومحاربة التسنن فيها لغاية عام 1517م عندما قرر السلطان العثماني سليم الأول القضاء على الدولة الصفوية، أي بعد ستة عشر عاماً من نشر وترسيخ المذهب الشيعي في بلاد فارس. فإذا كان الصراع مذهبياً كما يشاع، فلماذا تأخر الهجوم العثماني ستة عشر عاماً، علماً أن الدولة العثمانية كانت أقوى دولة في العالم ولا تحتاج إلى وقت طويل للتعبئة للحرب. وتذكر المصادر التاريخية أن سبب الهجوم العثماني على الصفوي إنما حدث بسبب أن الصفويون كانت لهم أطماع توسعية في الأراضي العثمانية وليس لأسباب مذهبية كما يصوّره البعض. وشاهد آخر على إن الصراع لم يكن مذهبياً، هو عدم اهتمام السلطان العثماني بالقضاء على التشيّع في بلاد فارس وإعادتها للمذهب السني بعد احتلاله بلاد فارس، إذ أنه ترك المذهب الشيعي في بلاد فارس على ما هو. وفي عام 1534م قام السلطان سليمان القانوني بمهاجمة الصفويين مرة ثانية، بعد أن أعادوا بناء دولتهم الشيعية، واحتل سليمان القانوني العراق وألحقه بالإمبراطورية العثمانية. لكن السلطان العثماني أيضاً لم يحارب المذهب الشيعي ولم يفرض المذهب السني على البلاد التي فتحها وترك الحال على ما هو. فلماذا يوصف هذا الصراع بالمذهبي؟

وقد يذكر التاريخ الإسلامي في زمن الدولة العباسية، أنّ خلافات واشتباكات حدثت بين بعض المتشددين من اتباع المذاهب الفقهية مثل الحنفية والشافعية والمالكية، لكن هذه الصراعات، إن كانت قد حدثت فعلاً، لم تخرج عن حالة العراك بالأيدي أو استعمال الخناجر والسكاكين، وبنطاق محدود جداً. لكن يمكن وصف غارات الوهابيون على النجف وكربلاء بين 1801 و 1811م بالطائفية لأنها حدثت بسبب تكفير الوهابيون للمذاهب التي لا تتماشى مع عقيدتها، وقد حاربتهم الدولة العثمانية وشتتهم وأنهت دولتهم في ذلك الزمان.

متى ظهرت الطائفية في المجتمع العربي

من كل ما تقدم سرده من ملاحظات تاريخية يمكن الاستنتاج بإن ظاهرة الطائفية أو استعمال الفكر الطائفي ظهرت حديثاً في المجتمع العربي والإسلامي، وتحديداً منذ بداية النصف الثاني من القرن الماضي. وليس هناك شواهد تاريخية لأحداث طائفية عنيفة حدثت في التاريخ العربي والإسلامي قبل هذا التاريخ. 

كان الناس في المجتمعات العربية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي أو حتى قبلها، لا يعرفون دين أو مذهب أقرانهم أو جيرانهم أو أصدقائهم أو زملائهم في الجامعة أو الوظيفة، ولا يهتمون ولا يبحثون عن انتمائهم الديني أو المذهبي، فلم يكن هناك وجود للفكر الطائفي في تلك الحقب الزمنية. وكثير منّا قد عايش هذه الحالة ويذكرها بتفاصيلها. كان الناس فقط يعرفون بعضهم بعضاً كزملاء أو أصدقاء من مجتمع واحد. فالعلاقات الاجتماعية كالزواجات والاحتفالات والعلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع من مختلف المذاهب والطوائف والأديان كانت مبنية على الاحترام والتسامح كأفراد مجتمع واحد وملة واحدة.

كيف بدأ الفكر الطائفي إذن؟

بدأ الفكر الطائفي بالظهور في المجتمعات العربية في سبعينيات القرن الماضي، ثم أخذ يترسخ ويزداد حدّة وانتشاراً ببطء شديد حتى وصل إلى ما نحن فيه الآن. في الستينات وما قبلها ظهرت بعض الحركات الإسلامية المتشددة لكنها كانت محدودة جداً وغير مؤثرة وتسعى للإثبات وجودها.

في سوريا

في سوريا، على سبيل المثال، ظهرت أول بذور للطائفية متمثلة بالعداء السني / العلوي بعد أن أصبح حافظ أسد رئيساً للجمهورية السورية، أثر انقلاب قام به عام 1971م، ومن ثم تحالفه مع حكومة إيران في زمن الخميني. فبدأت الرسائل والشعارات (وهي شائعات كاذبة ومضللة) تصل إلى الشعب السوري متهمةً الحكم بأنه حكم أقلية علوية (كانت تعرف بالنصيرية) لأكثرية سنية، بغرض تفكيك المجتمع السوري عن طريق ترسيخ الفكر الطائفي بين الناس ونشر الكراهية بينهم. وفي عام 2011م ظهرت الفصائل الإسلامية السنية الطائفية المتشدّدة على شكل معارضة شعبية هدفها محاربة النظام العلوي الذي وصف بالمجرم. نتج عن ذلك تدمير الدولة والشعب السوري كما هو معروف. وما زلنا نشاهد تبعات تلك الدعوات الطائفية. والسبب في نجاح هذا النهج الطائفي هو تصديق بعض أفراد الشعب السوري لتلك الدعوات الطائفية، الكاذبة والمضللة، والمدمرة وممارستهم لها ضد أفراد شعبهم. 

في مصر

وفي مصر كان الصراع الطائفي بين المسلمين والأقباط المسيحيين، وذلك لعدم وجود أقلية شيعية مؤثرة وقادرة على مواجهة الجماعات السنية المتطرفة وقتالها، فاستبدلت الطائفة الشيعية بالمسيحيين الذين يشكلون نسبة مؤثرة (10%) من المجتمع المصري. في عام 1972م حدثت الشرارة الطائفية الأولى في مصر (حادثة الخانكة) عندما حاول انتحاري تفجير كنيسة. بعدها أخذ الفكر السلفي والوهابي المتطرف والمشحون بخطاب الكراهية بالازدياد في مصر. في عام 1981م اشترى مسيحي مصري قطعة ارض ليبني عليها كنيسة، فبرز له الإسلاميين المتشددين لمنعه من ذلك، والنتيجة كانت صدامات عنيفة أسفرت عن قتلى وجرحى كثيرين (سميت بأحداث الزاوية الحمراء). بعدها تكررت حوادث حرق وتفجير الكنائس في مصر لسنوات عديدة اسفرت عن تفجير عدد كبير من الكنائس وترهيب المسيحيين في مصر. بعد عام 2011م ظهرت الحركات السلفية المتشدّدة لتزيد الموقف سوءً. لكن الدولة المصرية والجيش المصري حاربوا تلك الحركات المتطرفة، وحثوا العقلاء من الشعب المصري للتقارب والتعايش بين الأديان فحدًت من شدة الصراع، وتمكنوا من احتواء الشّد الطائفي.

في العراق

أما في العراق فقد كان للطائفية شكل مروّع ورهيب. وما زلنا نشاهد آثارها حتى اليوم. بدأت الشرارة الأولى للطائفية في العراق خلال الحرب العراقية الإيرانية، في ثمانينيات القرن الماضي، عن طريق ترويج رسائل كاذبة ومضللة (كنوع من خطاب الكراهية)، إلى الشعب العراقي تصف الإيرانيين بالفرس المجوس كصفة ذم. وانتشرت المقولة وشاع استعمالها بين الناس وصاحبها اضطهاد الشيعة العراقيين ذوي الأصول الإيرانية على أساس أنهم موالين لحكم الخميني وعملاء له. وحدثت حملة تهجير قسري لهؤلاء العراقيين إلى إيران، وسجن بعضهم، وقتل العلامة محمد باقر الصدر واخته لنفس السبب. في عام 1991م حدثت الانتفاضة الشعبانية في محافظات وسط وجنوب العراق، ذات الأغلبية الشيعية، للتخلص من حكم صدام حسين إثر هزيمة الجيش العراقي في حرب الخليج الثانية واستسلامه للقوات الأمريكية. ونجحت الانتفاضة وكادت أن تُسقط الحكم إلاّ أن قراراً أمريكياً أتخذ بمشورة بعض الدول العربية والخليجية دعا إلى بقاء نظام حكم صدام حسين بدلاً من استبداله بحكمٍ شيعي، فبدأ النظام باستخدام قواته العسكرية والأمنية للقضاء على الانتفاضة. وحدثت جرائم قتل وتعذيب مروّعة راح ضحيتها الآلاف من الشعب العراقي. وكنتيجة لكل ما عانى منه الشعب العراقي من مأسي وويلات مدمرة انتشرت الكراهية العمياء بين أفراد الشعب العراقي من السنة والشيعة بسبب الشائعات الكاذبة والمضللة التي بثت إلى العراقيين. وأضحى ألبعض من السنة والعسكريين مقتنعين تماماً بأن إيران والشيعة هم السبب في كل ما حدث ويحدث للعراق. وعلى الرغم من عدم وجود حجة أو دليل قاطع يؤكد صحة هذا الاعتقاد إلاّ أنهم بقوا مصرّين على هذه القناعة.

وفي عام 2003 احتلت القوات الأمريكية العراق وانهارت الدولة العراقية، وتم حلّ الجيش العراقي والمؤسسات الأمنية وكل مفاصل الدولة. وفتحت الحدود لكل من هب ودب، ودعيت الفصائل الإسلامية المتطرفة لتُحارَب داخل العراق وليس داخل بلدانهم، كما قال الرئيس بوش. عاش العراقيون سنين عديدة من القتل العشوائي الممنهج، ونُشر الغل والحقد والكراهية الطائفية لتدمير الشعب والبلد. وبُنيَ النظام السياسي الجديد في العراق على أساس طائفي فاشل بقيادات عميلة فاسدة منحطة. في عام 2006 حدث تفجير مرقد الإمامين على الهادي والحسن العسكري في مدينة سامراء، وتسبب هذا الحدث في اندلاع حرب طائفية شرسة انتشرت على أثرها عمليات قتل وتصفيات على الهوية، وصاحبها تدمير وحرق مساجد للسنة مما تسبب في قتل المئات من العراقيين الأبرياء. وتم تهجير الشيعة من مناطق السنة وتهجير السنة من مناطق الشيعة مما عمق الانقسام الطائفي. فوصل العراق إلى ما وصل إليه.

استنتجت التحقيقات الرسمية أن أبي مصعب الزرقاوي هو المدبر لتفجير مرقد الإمامين، لكن الكثير من العراقيون يعتقدون أن هناك أيادي خارجية وراء العملية. وكدليل على وجود أيادي خارجية في إحداث الطائفية لابد من ذكر حادثة سجن البصرة التي وقعت في البصرة عام 2005. فقد استوقفت دورية من الشرطة العراقية جنديان من المخابرات البريطانية كانا متنكّران بملابس عراقية مدنية ويضعان شعاراً مستعاراً في سيارة مدنية مملؤة بالأسلحة والمتفجرات وأجهزة اتصال متطورة. وتم اعتقالهم في سجن البصرة. بعد الاعتقال بساعات حاصرت دبابات تابعة للقوات البريطانية سجن البصرة وهدمت جدرانه وأطلق سراح كل السجناء فيه، وحرروا الجنديين البريطانيين وأخذوهم إلى القاعدة البريطانية كي لا ينكشف دورهم في اعمال التخريب. ثم أسدل الستار على الحادث وتم التعتيم عليه ليصبح في طي النسيان.

العبرة في المقال

إن الطائفية ليس لها جذور في المجتمع العربي والإسلامي. وإن الطائفية حديثة الظهور في المجتمع العربي. وقد ظهرت لأسباب وعوامل سياسية بحتة، مدروسة ومدبرة، وتُشكّل خطاب كراهية ينتشر في المجتمع العربي ليحدث التفرقة والخراب. وقد نجحت الطائفية في التغلغل في عقل وثقافة المجتمع العربي. لأنهم مع الأسف، صدقوها وآمنوا بها، ومارسوها على أفراد مجتمعهم.

ولمحاربة الطائفية والتخلص منها، فإن على النخبة من أفراد المجتمع العربي تعليم وتوعية الشعب لنبذ الطائفية ومحاربة خطاب الكراهية والتأكيد على اعتماد ثقافة التسامح واحترام آراء الآخرين وعقائدهم مهما كانت غير متوافقة مع عقائدهم، وعدم ازدراء آراء الآخرين، فلكل فرد في المجتمع كل الحق فيما يعتقده وما يسلكه من شعائر دينية يقدسها ويعمل بها ما دامت ضمن نطاق القانون.

***

د. صائب المختار 

 

في المثقف اليوم