عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

اخترنا لكم

عبد الرحمن شلقم: الكتابة على صفحة العقل بحروف صامتة

هل غادرَ الشعراءُ من متردّمِ

أم هل عرفتَ الدارَ بعدَ توهُّمِ

قصيدةٌ قِيلت منذ قرونٍ طويلة مضت. مناسبةُ القولِ قد تكون غطاءً، يمدُّ على سعةِ المعنى غلالةَ الغموض، وفي الوقت ذاته يفتح الفضاء لبراحِ التأويل، وفسحةِ التفكير. هل قالَ الشعراء كلَّ ما جاش في دواخلهم، وهل كتبَ المفكرون والفلاسفة، كلَّ ما نتحته عقولُهم؟ عنترةُ بن شداد في بيتِ شعره، يتظلَّم ممَّن سبقوه ولم يتركوا لقائلٍ قولاً يضيفه. مطرقةُ الزمن أثقلُ ممَّا في النفوس والرؤوس. في لغة العرب تخاصمَ النحاةُ، وتعاركَ اللغويون. فيها قولان، قاعدة لا تغيب إلى اليوم، تُرد بعض الاجتهادات النحوية إلى نحاة مدينتي الكوفة والبصرة العراقيتين. قرون مضت عاشها مفكرون وفلاسفة، ومفسرون للكتب السماوية، ومؤرخون وعلماء وشعراء، كتبوا المجلدات، اختلفوا واتفقوا وصار لهم أتباع في رحاب الدنيا، ولكن كيمياء الاجتهاد والتفكير والاتفاق والاختلاف، تسكن مسيرة الحياة بآهاتها وحرقتها وابتساماتها. أهل اليونان القدماء حاروا ومدُّوا نظرهم إلى السماء، وساروا في الأرض سِلماً يقرأون ما فعل البشر، فكانت سطور هيرودوت، شهادة حروف على خطوات ناس البداية، وكان للإسكندر الأكبر مسيرة غير تلك التي كتب سطورها معلمه. ساح بقواته عبر العالم القديم، وكتب بحروف القوة أوراق زمنه الجديد. سؤال عنترة بن شداد: هل عرفتَ الدارَ بعدَ توهّمِ، يمكننا أن نرشه فوق سطور ما نكتبه، وما نقوله وحتى ما نفكر فيه. الدار التي يجوب العربي القديم صحراءها، ليقف باكياً على بقايا ما نخرته السنون. المكان سكون يغوص فيه الأزمان، والأحياء طيور ترتفع وتهبط. وكما قال أحد الحكماء: عندما يحطُّ الطائر على غصن شجرة، يضع شيئاً جديداً، وعندما يغادر الغصن يحمل منه شيئاً جديداً.

المفكرون والفلاسفة والقادة الثوار والساسة والعلماء، وُلدوا في أزمان تنفسوا فيها كيمياء، غالبوها بأسئلة حارقة تحركت في داخلهم، فمنهم من انكبَّ على كُتبٍ في مكتبات صغيرة أو كبيرة، ومنهم من ترهبن في معامل صغيرة أو كبيرة، يعاند ما انتقض في رأسه، من الأسئلة العنيدة المتمردة. في كل رأس بشري تتولد براكين عدم القبول والتسليم، بما يفرضه الواقع الثقيل. في رأس كل عالم أو مبدع أو مفكر، يتخلَّق كون مغاير لما استمرأه العوام.

في دنيانا اليوم التي نعيش فيها، عواصف الكوارث الطبيعية، ونزق القوة والتطرف والطمع، تصمت مطرقة الفلسفة والأفكار، وتغيب آهات الشعر الإنساني التي تلامس شجن الأرواح، وتغرب الأنغام التي تسري في مسرب القلوب المفعمة، بالعشق المضيء. يرحل العظماء ويسود الجهلة المتغطرسون، ويتكدس المال في جيوب تجار البشر والدم والمخدرات، ويغوص المبدعون في قاع الفقر والقهر والسجون. التفكير صار زنزانة، والقلوب التي تهزها معاناة الضعفاء صارت مقابر تتنفس فوق التراب، وملايين الأطفال يموتون جوعاً، وعلى الأرض من ليس لديهم الوقت، ليحسبوا ما يملكون. للزمن قرون ليست لحسابات الزمن فحسب، بل نتوءات حادة، تضرب برأسها قشرة الصيرورة العبثية. كيان الزمن بيضة، بها قشرة وبياض وصفار، هناك من لا يتجاوز القشرة، ويحوم حولها ويلامسها، ويكتفي التساكن عندها، وهناك من يعبر إلى البياض، ويسكن إلى ما فيه من لمعان، هناك يكون للتوهم مسكّن يروض الغافلين، يقتاتون من جوده المروّض، ويعيشون على فتاته الوهمي. السادرون في الرضاء والقبول، تلتهمهم متعة الرغبة الماكرة، ثم تقذفهم إلي وعكات الهبوط، أما حلقة الصفار في (بيضة) الحياة، فتلك جنين الإكسير الوجداني، حيث يتخلق عصفور التكوين الإنساني المبدع، علماً وفكراً وتأسيساً متجدداً. هل وهل وهل، ولنطلق هذا الاستفهام، هل عرفنا اليوم هذه الدار التي نعيش فيها بعد توهم؟ دنيانا اليوم تعيش بالسلاح، وتحكمها البورصة، وتعج بغبار الخوف والتهديد، وصناعة المسيّرات القاتلة، وتغيب فيها صناعة العطور، وتسكت أصوات الموسيقى، وكتب الروايات ودواوين الشعر، وحفلات الموسيقى، وتعج وسائل الإعلام، بألوان الدم والجثث، وتغرب أسماء المبدعين، وكأن الدنيا تخلق جغرافيا أخرى، لا أقدام للناس على سطحها. الحروب العالمية الكبرى، كانت (بيضة) مشوهة ألقى بها جنون مجهول، إلى تراب لقيط امتلك عضلات من حديد، وعقولاً مثقوبة، خرقها توهُّمُ تائه.

لو استمر هذا العالم العابر على تجاويف الهوى النزق، فسيكون المجهول العُتلّ غباراً محكوماً، بلعبة سكرات التعالي المجنون. نابليون بونابرت لم يكن نزوة كرسي، ولم يكن هتلر بكائية قوم، ولم يكن موسوليني، حمولة جنون ماضٍ روماني، وكم لم في صفحات خبت وماتت. لكن في أمعاء الزمان عصارات، دامية يسكنها زند له سقط، يصنع زمناً من ثلج ونار يكتب سطور عقله.

***

عبد الرحمن شلقم

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: السبت - 20 جمادي الأول 1448 هـ - 31 أكتوبر 2026 م

في المثقف اليوم